الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

نادرًا ما يستمر الحكي بعد القصاص وهذا أروع ما حدث في "حكاية نرجس"، يختار صناع الدراما عادة أن تنتهي الأحداث بعد القصاص من المجرم وظهور الحقائق ونصرة المظلوم، هذا نهج الأعمال الدرامية التقليدية، بينما اختار صناع "حكاية نرجس" للمؤلف عمار صبري والمخرج سامح علاء اللعب على نغمة الاستثناء، أن يستمر الحكي بعد العقاب لنرى حكاية صلبة مكتملة البنيان، لم تتوقف عند معاقبة الجاني لكنها اتاحت مساحة من البوح للمجني عليه.

 

تعتمد قصة "نرجس" على حادثة واقعية امرأة قامت بخطف ثلاثة أطفال بعد أن تأكدت من عدم قدرتها على الإنجاب، في العمل الدرامي يفتتح المؤلف بطلاق "نرجس" من زوجها بسبب زواجه من أخرى لعدم قدرتها على الإنجاب، وفي نفس الحلقة تبدأ الدراما مباشرة بحكي ظروف حياة هذه السيدة التي تقع تحت وطأة الضغط المجتمعي من أسرتها أولا، وتحديدا الأم التي تنهرها بسبب إقدامها على الطلاق كان يجب أن تحمد الله أنها وجدت رجلا يرضى بها رغم عيبها الكبير، يراود نرجس كابوس بلعبها مع طفلين وغنائها لهما أثناء الاستحمام ومن هنا تحديدا تتفجر العقدة.. عقدة الحرمان من الأمومة، وعقدة أنها امرأة.

لم يناقش هذا العمل الدرامي مجرد حادثة إجرام واقعية واكتفى بحكي ملابستها، لكنه اعتمد بشكل أساسي على الغوص في أعماق الأبعاد النفسية والاجتماعية التي أدت لحدوث تلك الواقعة هنا نحن أمام سرد متقن لحالة اضطراب نفسي عانت منه امرأة كانت ضحية لتقاليد وأفكار اجتماعية بالية تحصر المرأة في وظيفتها البيولوجية ولا ترى لها قيمة سوى في قدرتها على الإنجاب، كما أنها ليست مقدرة على المستوى العاطفي لمجرد أنها أنثى، فالأم تؤكد في أسلوب تعاملها الدائم على هذه الحقيقة ثم تذكرها علنا في حوار بينهما “إذا خيرت بين الثلاث بنات وولد وحيد لاخترت الولد حتما"، تصنف نرجس في قانون الدراما ”anti hero".. البطل الضد فهي لا تحمل سمات قوانين البطولة المتعارف عليها لا تسعى إلى محاربة الشر ولا تمتلك صفات شجاعة وحب الخير والسعي إلى نصر الحق على الباطل، بل هي عكس كل ما سبق، امرأة تسعى لتحقيق غرض الأمومة بالباطل كي تثبت دائما أنها تستحق، تستحق الحب وتستحق الحياة وبالتالي تحاول الإيقاع بـ"عوني" الرجل العاجز الذي سبق وأن رفضت الزواج منه من قبل والذي يقع تحت وطأة الاضطهاد من أمه أيضا بسبب حبها لأخيه وتفضيلها له، وبالتالي تقاطعت أقدارهما ووجدت قاسما مشتركا بينهما، وجدت من يعينها على تنفيذ خططها في الانجاب بالوهم مع القليل من الحيل والخداع بإقناعه بأنه غير قادر على الإنجاب.

 تعددت جرائم "نرجس" بدءا من غش وخداع زوجها الثاني "عوني" المغلوب على أمره ونهاية بمحاولة حماية كذبها وتضليلها بكل السبل حتى لو اضطرت في التورط بقتل كل من تسول له نفسه وظن أنه قادر على كشف ألاعيبها، حيث تركت أم زوجها تختنق موتا عندما شعرت أنها قد تكشف مكرها، ثم تورطت في جرائم الاتجار بالبشر مع زوج أختها بعد تهديده لها بكشف سرها إذا لم تطاوعه، كل هذه الجرائم والحيل اجتمعت في امرأة عاشت معذبة وماتت منتحرة كي تشعر فقط بأنها ذات قيمة وتستحق الحب من ابنها الذي تصر على أنه ولدها الذي أنجبته وتنكر كل حقيقة تثبت عكس قولها، وضعت هذا الشاب التائه في مأزق وحيرة بينها وبين أب وأم عاش معهما عن طريق الخطأ، واختارت الموت على أن تبوح له بالحقيقة وتجيب عن سؤاله المتكرر.. من أبيه وأمه البيولوجيين؟!

       

رغم كل ما سبق من إقدام "نرجس" على جرائم متفرقة؛ تورط المشاهد في التعاطف معها والشفقة عليها وأحيانا في حبها، غالبا ما يقع المشاهد في حب "البطل" الذي يحمل سمات البطولة من يواجه تحديات كبرى ويحاول التغلب عليها أو يحاول النجاة من ورطة في عالم بغيض، بينما أن تكسب "نرجس" التي هي في ذاتها ضد كل أشكال البطولة حب وتعاطف وشفقة المشاهد فهذا أمر عجيب.. لذلك استوقف الجميع تساؤل.. لماذا أحب المشاهد مجرمة؟! ليس الحب هنا بمعنى الرضا عن أفعالها ودعمها لما قامت به من غش واختطاف، بينما تعاطف المشاهد مع نقاط ضعفها وهشاشتها النفسية وتعرضها للتهميش كزوجة أولا لأنها غير قادرة على الانجاب فأصبحت بلا قيمة، وكأنثى ثانيا فالأم لا تقدر هذا النوع وكانت أقصى أمنيتها أن يرزقها القدر بولد وحيد، وبالتالي الشفقة والعطف جاءا من المعنى العام الذي أراد أن يمنحه هذا العمل من تلك القضية الإنسانية الشائكة، ثم ينقلب هذا الحب والتعاطف الجماهيري إلى حنق وغيظ عندما تستكمل الدراما أركانها بحكي ما آلت إليه الأوضاع بهذا الولد التائه "يوسف" الذي رفضت بكل جوارحها أن تعترف له بحقيقته وتركته يحيا بلا هوية، تتحول طاقة الحب والتعاطف إلى غل واستفزاز وعطف على حال هذا الشاب الذي لم يعثر على أهله بسبب فرط أنانية وجشع امرأة مضطربة نفسيا وإنسانيا كان هو ضحية هذا الاضطراب الشديد بلا ذنب جناه سوى أنه كان طفلا رضيعا اختطفته من أحضان أمه الحقيقية لتحارب به قدرها وتعوض ما نقصها.

      

هذا الخليط من الحالات الشعورية المتناقضة مع "نرجس" وأبطال حكايتها يرجع لتفوق صناع هذا العمل المخرج والمؤلف في اختيار أسلوب الحكي وعرض وتشريح كل جوانب وتفاصيل القضية، ثم اختيار أماكن التصوير الداخلي والخارجي التي منحت العمل عمق ومصداقية كبيرة من شوارع لأحياء شعبية تعكس الطبقة الاجتماعية المنتمية لها نرجس بأفكارها وتربيتها، وشقق تشققت جدرانها وبهتت ألوانها مثل أصحابها تماما وموسيقى تصويرية لتامر كراون الموحية بحالات شعورية متناقضة، وبالتالي يحتفي هذا العمل الفني احتفاء كبير بفن الحكي والتمثيل، الحكي الدقيق الملم بجوانب وأبعاد نفسية البطلة وأداء الفنانة ريهام عبد الغفور لهذه الأبعاد النفسية المضطربة، لم تتبن ريهام موقفا ضد الشخصية بينما كانت شديدة الانسياق والخضوع لها ومعها شديدة الحساسية في إبراز جوانب اضطرابها النفسي وهشاشتها الداخلية، نتيجة كل ما تعرضت له من اضطهاد ونبذ وسخرية وعداء؛ تفوقت وأبدعت في دقة نقل حالاتها الشعورية من ضعف ومسكنة ومذلة وجبروت في ارتكاب هذه الجرائم بقوة وثقة وكأنها صاحبة حق تنتزعه من المجتمع الذي ظلمها وأخرجها من حساباته كإنسانة صاحبة حق في التقدير والحب والحياة وبالطبع الأمومة، على مدار خمسة عشر حلقة احتفظت ريهام بكل هذه المشاعر المتضاربة والمتناقضة لتصبح كتلة هائلة من الضعف والاضطراب النفسي وأضاف الماكياج للشخصية عمقا وبعدا آخر من بهتان ملامحها إلى سقوط حاجبيها ومناطق الصلع برأسها من شدة الاضطراب والتوتر، شاركها التفوق الفنان حمزة العيلي في دور زوجها الحبيب المغلوب على أمره الذي يسعى أيضا إلى إثبات ذاته أمام أمه وأخيه بانفراده وإصراره على قرار الزواج بنرجس التي رفضته من قبل الذي يحاول دائما أن يتجاوز عجزه بالثورة عليه؛ لم يدخر حمزة جهدا إلا وبذله في أداء هذه الشخصية الغنية بالأبعاد النفسية رجل يسعى إلى التعويض بالزواج من حبه القديم ويثور على عجزه بمواجهة أمه وأخيه ثم يصطدم بخداع واستغلال هذه الحبيبة له وفي مشهد إدراكه للحقيقة نرى صفحة وجهه، وقد اشتعلت بمشاعر الإدراك والغضب من الخداع والفرحة بقدرته على الإنجاب والصدمة الكبرى من المبالغة في الكذب والرياء كل هذه الحالات الشعورية في لحظة يقظة واحدة؛ط، ليؤكد حمزة في عوني أنه منح فرصة البطولة أمام ريهام عن جدارة واستحقاق؛ شاركهما التفوق بالأداء التمثيلي الفنان تامر نبيل في دور "سعد" زوج أختها الذي انقطعت صلته بالقيم الإنسانية فهو رجل مجرم مستعد للقيام بأي فعل مشروع أو غير مشروع لتحقيق حلم الثراء لم يغفل المؤلف أن يمنحنا لمحة عن تاريخه بأنه شخص مطرود من جنة العائلة لم يحيا حياة سوية انقطعت صلته بأهله وعاش منبوذا، وبالتالي فهو لا يمنح الأشياء قدرا أو قيمة تجرد من مشاعر الانتماء لأي شيء وعاش متخففا من أعباء الأخلاق والقيم الكبرى لعب تامر دور هذا اللامنتمي بأدق تفاصيلها الداخلية والخارجية يسير بخفة ويحب ويتزوج بنفس الخفة يتورط في خداع زوجته ثم يتآمر على "نرجس" وينجح في توريطها بالاتجار بالبشر دون أدني شعور بذنب أو خوف يقدم على أفعاله بنشوة ولهفة وكأنه يقوم بعمل بطولي بحرفة فنية واقتدار كبير تمكن تامر من أداء هذه الشخصية المستخفة بكل شيء جعلت المشاهد ينبذه ويحتقره وكأنها حقيقته، ثم تأتي الفنانة الكبيرة سماح أنور في دور الأم كي تكتمل عظمة فن التمثيل بين هذا الثلاثي البديع تتحول هنا هذه السيدة إلى صورة مجسدة للأم الذكورية في طبقة اجتماعية متواضعة أم تحمل قدر كبير من التشوه النفسي في نظرتها لبناتها فهي عقدة "نرجس" الأولى والأساسية فشلت في أن تحبها أو تمنحها  عطفا وحنانا منذ ولادتها دائمة التعنيف بالنقد والتقريع كانت هذه المجرمة نتيجة طبيعية لأم تحمل كل هذا الحقد لمجرد أنها لم تنجب الذكور تمكنت سماح أنور من شخصية هذه الأم لتمنحنا متعة خاصة في أدائها وذكاء قراءتها لهذه الشخصية وتجسيدها على مدار تطور الأحداث ثم فقدانها للذاكرة والإحساس بالواقع؛ وكذلك الفنانة عارفة عبد الرسول التي أتقنت دور الأم المعارضة الثائرة على عجز وضعف وهشاشة ابنها وتفضيلها للآخر عنه بقوة واقتدار وكأنها أيضا إحدى أبناء هذه الطبقة الشعبية التي تتحكم فيها الأم بقرارات ومصائر أبنائها الذكور، فهي الأقوى والأعنف بأسلوبها وصاحبة بعد نظر دائما؛ والفنان أحمد عزمي في دور جمال الأخ الذي يحاول تقويم سلوك أخيه وحمايته من تهوره أيضا تفوق عزمي في أداء هذه الشخصية التي جمعت بين الحب والغضب في آن، تدرجت مشاعره وعواطفه نحو أخيه مع تقلبات الأوضاع والقدر وكان عزمي أهل لها؛ تأتي مشاركات جميع من لعب بطولة ولو قصيرة الأجل في هذا العمل إلا وكان لها أثر ومعنى، فلم يمر أحد أمام كاميرا سامح علاء إلا وكان صاحب بصمة.. مثل بسنت أبو باشا التي ظهرت موهبتها في هذا العمل بشكل أوضح من أعمال سابقة في دور الأخت "هدى" ودنيا ماهر الأخت الثالثة "منال"، وإلهام وجدي في دور زوجة جمال، كل منهن كانت لها ألق وحضور خاص في هذا العمل على وجه التحديد، ثم تظهر الموهبة المبشرة والقادمة بقوة يوسف رأفت في دور الابن المختطف الحائر الذي يقع في مأزق محبة نرجس وحيرة البحث عن هويته، بين  وقوعه في حبها وكراهيتها في نفس الوقت وحيرته الكبرى في إثبات نسبه قدم يوسف هذه الشخصية بوعي كبير؛ "حكاية نرجس" عمل درامي يمنحنا نموذجا يحتذى به في تعدد طبقات الحكي وفن التمثيل. 

تم نسخ الرابط