تشهد منظومة المالية العامة في مصر تحولًا ملحوظًا في فلسفة إدارتها وأدواتها، في إطار رؤية حديثة يقودها وزير المالية أحمد كجوك، تقوم على تحويل السياسة المالية من مجرد إدارة للموازنة إلى أداة استراتيجية لدعم النمو الاقتصادي وتحفيز الاستثمار وتعزيز الاستقرار المالي.
هذه الرؤية تعكس ما يمكن وصفه بـ"المالية العامة الذكية"، نموذج جديد يجمع بين الانضباط المالي، والابتكار في أدوات التمويل، والتحول الرقمي المتقدم، مع تركيز واضح على دعم الاقتصاد الحقيقي وتعزيز دور القطاع الخاص.
وقد بدأت نتائج هذه السياسات تظهر بالفعل في عدد من المؤشرات الاقتصادية المهمة، من بينها زيادة الإيرادات الضريبية بأكثر من 30٪ دون فرض ضرائب جديدة، واستمرار تحقيق فائض أولي مستدام في الموازنة العامة للدولة للعام السابع على التوالي، وهو ما أسهم في وضع الدين العام على مسار نزولي، إلى جانب تراجع دين أجهزة الموازنة كنسبة من الناتج المحلي بأكثر من 10 نقاط مئوية وتعزيز ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري.
المحور الأول: إدارة الدين العام بعقلية استثمارية
تعتمد الرؤية الجديدة لوزارة المالية على تحقيق توازن دقيق بين الاستقرار المالي وتحفيز النمو الاقتصادي، بحيث تتحول السياسة المالية إلى أداة لدعم النشاط الاقتصادي وليس مجرد إدارة للعجز والدين.
وفي هذا الإطار تتبنى الوزارة استراتيجية لإدارة الدين العام تقوم على تنويع أدوات التمويل الحكومية، وإطالة متوسط عمر الدين لتقليل المخاطر التمويلية، وجذب شرائح جديدة من المستثمرين، كما يجري التوسع في أدوات التمويل الحديثة مثل سند المواطن، والسندات الخضراء، والسندات المستدامة، والصكوك السيادية.
وتسهم هذه الأدوات في تنويع مصادر التمويل وجذب مستثمرين جدد ودعم مشروعات الطاقة النظيفة والبنية التحتية.
ويبرز سند المواطن كأحد أبرز الأفكار الجديدة في إدارة الدين العام، إذ يستهدف توسيع قاعدة المستثمرين في أدوات الدين الحكومية عبر إتاحة الفرصة للأفراد للمشاركة المباشرة في الاستثمار في السندات الحكومية، بدلًا من اقتصارها تقليديًا على البنوك والمؤسسات المالية.
وتقوم هذه الفكرة على تحويل أدوات الدين إلى أدوات ادخارية متاحة للمواطنين بعوائد مستقرة وإجراءات مبسطة، بما يعزز مفهوم التمويل الشعبي والوطني للمشروعات التنموية.
وتحمل هذه الأداة عدة مزايا اقتصادية مهمة، أبرزها توسيع قاعدة المستثمرين في أدوات الدين الحكومي، وتقليل الاعتماد على البنوك كممول رئيسي للدين العام، وخفض منحنى العائد نتيجة زيادة الطلب على السندات، والحد من مزاحمة الحكومة للقطاع الخاص على السيول وإشراك المواطنين في تمويل التنمية الاقتصادية.
وقد طبقت دول عديدة هذا النهج مثل اليابان وإيطاليا والهند، من خلال طرح سندات حكومية موجهة للأفراد لتعزيز الادخار المحلي ودعم تمويل الموازنات العامة.
المحور الثاني: إصلاحات ضريبية قائمة على الشراكة والثقة
في موازاة ذلك، تبنت وزارة المالية حزمتين متتاليتين من التسهيلات الضريبية تهدفان إلى تبسيط النظام الضريبي وتخفيف الأعباء الإدارية على الشركات، خاصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة. وتشمل هذه الإصلاحات نظامًا ضريبيًا مبسطًا للشركات الصغيرة حتى حجم أعمال 15 مليون جنيه، وإعفاءات ضريبية وتبسيط الإجراءات، ووضع سقف لغرامات التأخير بحيث لا تتجاوز أصل الضريبة، والاعتماد على الفحص بالعينة بدلًا من الفحص الشامل.
كما تضمنت هذه الإصلاحات تسوية المنازعات الضريبية وتسريع رد الضريبة للمصدرين وتوسيع الخدمات الرقمية، حيث تهدف هذه السياسات إلى بناء علاقة أكثر توازنًا بين الإدارة الضريبية والممولين، إضافة إلى دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي وتوسيع القاعدة الضريبية دون فرض أعباء جديدة.
المحور الثالث: التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في إدارة المالية
لا يقتصر التطور في المنظومة المالية على رقمنة الخدمات الحكومية فقط، بل يتجه نحو مرحلة أكثر تقدمًا تعتمد على استخدام التقنيات الذكية في إدارة المالية العامة.
وفي هذا الإطار، أعلن وزير المالية أحمد كجوك عن توجه استراتيجي يستهدف الانتقال من مرحلة الميكنة والرقمنة التقليدية إلى مرحلة توظيف التقنيات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي وتقنيات البلوك تشين في إدارة الضرائب والجمارك والمالية العامة.
وقد شهدت السنوات الأخيرة تطوير عدد من الأنظمة الرقمية المتقدمة، من بينها منظومة الفاتورة الإلكترونية، ومنظومة الإيصال الإلكتروني، والخدمات الضريبية الرقمية.
ولم تعد هذه الأنظمة مجرد أدوات لتقديم الخدمات أو تحصيل الضرائب، بل أصبحت جزءًا من منظومة مالية ذكية تعتمد على تحليل البيانات الضخمة وتحسين دقة التقديرات المالية وتعزيز عمليات التدقيق ومكافحة التهرب الضريبي.
كما تتجه وزارة المالية إلى توسيع استخدام تطبيقات الهاتف المحمول في تقديم الخدمات المالية والضريبية، بما في ذلك إتاحة سداد بعض الالتزامات الضريبية مثل الضريبة العقارية وغيرها من الخدمات المالية عبر تطبيقات إلكترونية، في خطوة تستهدف تسهيل الإجراءات على المواطنين والممولين وتقليل الاعتماد على المعاملات الورقية.
ويمثل هذا التوجه جزءًا من رؤية أوسع لتوظيف الذكاء الاصطناعي وتقنيات البلوك تشين في إدارة المنظومة المالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية في المعاملات المالية، ورفع دقة التوقعات والتقديرات الاقتصادية، وتقليل فرص التهرب الضريبي، وتسريع عمليات الفحص والتحليل المالي.
وقد أسهمت الأنظمة الرقمية القائمة بالفعل في تسريع إجراءات رد الضريبة للمصدرين بحيث أصبحت تتم خلال أيام بدلاً من شهور، مما يوفر سيولة نقدية أكبر للشركات ويسهم في دعم النشاط التصديري.
وتشير العديد من التقارير الاقتصادية والتجارب الدولية إلى أن التحول نحو استخدام التقنيات الذكية في إدارة المالية العامة يمكن أن يسهم في زيادة الإيرادات العامة وخفض تكلفة الإدارة الحكومية.
وقد سبقت عدة دول في تبني هذا النهج، من بينها كوريا الجنوبية واليابان، حيث اعتمدت هذه الدول على الأنظمة الضريبية الرقمية وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة التحصيل الضريبي وتعزيز الشفافية المالية.
وفي هذا السياق، يمثل توجه وزارة المالية المصرية نحو المالية العامة الرقمية الذكية خطوة مهمة لمواكبة الاتجاهات العالمية الحديثة في إدارة المالية العامة، وتعزيز كفاءة الإدارة المالية للدولة.
المحور الرابع: دعم الاستثمار والاقتصاد الإنتاجي
تركز السياسات المالية الجديدة كذلك على تحفيز الاقتصاد الإنتاجي وتعزيز دور القطاع الخاص في قيادة النمو.
وفي هذا الإطار تم إطلاق عدد من المبادرات لدعم القطاعات الإنتاجية، من بينها برامج تمويلية لدعم الصناعة ودعم الصادرات وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد المصري.
وقد انعكس ذلك في زيادة ملحوظة في الاستثمارات الخاصة، حيث سجلت نموًا بنحو 73٪ خلال العام المالي 2024/2025، لتصبح المحرك الرئيسي للنشاط الاستثماري في الاقتصاد المصري. ويعكس هذا التطور تحسن بيئة الاستثمار وزيادة ثقة القطاع الخاص في الاقتصاد المصري نتيجة السياسات التحفيزية والإصلاحات المالية.
المحور الخامس: إصلاحات مؤسسية للمالية العامة
شهدت منظومة المالية العامة أيضًا إصلاحات مؤسسية مهمة، من أبرزها التوسع في تطبيق مفهوم موازنة الحكومة العامة الشاملة.
ويأتي ذلك استكمالًا لمسار الإصلاح الذي بدأ مع إصدار قانون المالية العامة الموحد، حيث تم إدراج 59 هيئة اقتصادية ضمن إطار موازنة الحكومة العامة، بما يعزز الشفافية في عرض البيانات المالية ويضع ضوابط أوضح لإدارة الدين العام وربط عمليات الاقتراض بالخطة المالية للدولة.
فلسفة جديدة للسياسة المالية
التحول في فكر أحمد كجوك لا يقتصر على الإجراءات، بل يمتد إلى فلسفة إدارة المالية العامة نفسها. فبدلًا من النهج التقليدي القائم على زيادة الضرائب لزيادة الإيرادات، تعتمد الرؤية الجديدة على معادلة مختلفة وهي:
تنمية الاقتصاد → زيادة النشاط الاقتصادي → زيادة الحصيلة الضريبية تلقائيًا.
وهو ما يفسر الزيادة الكبيرة في الإيرادات الضريبية دون فرض ضرائب جديدة.
أثر الإصلاحات على مؤشرات الاقتصاد الكلي
وقد انعكست هذه السياسات بالفعل على عدد من المؤشرات الاقتصادية المهمة، حيث نجحت الدولة في زيادة الإيرادات الضريبية بأكثر من 30٪ دون فرض ضرائب جديدة، نتيجة توسيع القاعدة الضريبية وتحسين كفاءة التحصيل.
كما أسهم استمرار تحقيق فائض أولي في الموازنة العامة للدولة للعام السابع على التوالي في وضع الدين العام على مسار نزولي واضح، حيث تراجع دين أجهزة الموازنة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 83.8٪ في يونيو 2025 مقارنة بنحو 95.7٪ في العام السابق.، وهو ما يعكس تحسن مؤشرات الاستدامة المالية.
وفي الوقت نفسه، أسهمت السياسات التحفيزية في زيادة الاستثمارات الخاصة بشكل ملحوظ، لتصبح المحرك الرئيسي للنشاط الاستثماري في الاقتصاد المصري، وهو ما يعكس تحسن بيئة الاستثمار وتعزيز ثقة القطاع الخاص في الاقتصاد.
وهكذا فإن وزارة المالية تحت قيادة أحمد كجوك تُقدم نموذجًا لإدارة مالية عامة حديثة تقوم على الشفافية والرقمنة والانضباط المالي وتحفيز الاستثمار.
وقد بدأت نتائج هذه السياسات تظهر بالفعل من خلال زيادة الإيرادات الضريبية بأكثر من 30٪ دون ضرائب جديدة، واستمرار تحقيق فائض أولي مستدام، وتحسن مؤشرات الدين العام، وزيادة الاستثمارات الخاصة، وتعزيز ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري. وهو ما يعكس تحولًا مهمًا نحو نموذج المالية العامة الذكية في إدارة الاقتصاد المصري.
ورغم هذه النتائج الإيجابية، فإن مسار الإصلاح لا يزال مستمرًا، إذ تبقى فرص واسعة لتعميق الإصلاحات وتعزيز دور السياسات المالية في دعم النمو الاقتصادي والإنتاج والاستثمار.
وفي ظل هذه الرؤية التي تسعى إلى تحويل المالية العامة إلى محرك للنمو الاقتصادي وليس مجرد أداة لإدارة الموازنة، يظل الأمل قائمًا في استمرار تنفيذ المزيد من الإصلاحات التي تعزز كفاءة إدارة المال العام وتدعم تنافسية الاقتصاد المصري في السنوات المقبلة.
خبير مالي متخصص في المالية العامة والتمويل المستدام



