الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

 


تتسارع الأحداث فى لحظة مخاض نظام عالمى جديد، تحاول فيه القوى العظمى، إعادة رسم خارطة ارتكازات التحالفات، وموازين القوى، وفى القلب منه المشرق العربي، حيث مصادر الثروات، والتحكم فى ممرات التجارة العالمية.

 

 

فما نشاهده حروب هجينة، تجمع بين الآلة العسكرية، والضربات الاقتصادية، والعمليات الاستخباراتية، والمعارك السيبرانية، ما هى إلا انعكاس لهذا الصراع الخفى بين القوى العظمى المتدافعة لخلق مواضع نفوذ جديدة لأقدامها.  

 

هذا التصارع المحموم، تمخضت عنه الحرب الروسية الأوروبية فى أوكرانيا، ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية، ومؤخرًا الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وما سبقها من إسقاط أنظمة مثل سوريا، ثم اختطاف رئيس فنزويلا وتحول سياساتها من التفاهم مع الصين إلى التبعية لأمريكا.

 

فى هذا المشهد الدامى، من الصراعات يجدر بنا أن نتوقف لحظات لتأمل الدروس، والتحركات المصرية، واستخلاص الرسائل التى يبعث بها الواقع العملى بعلم الوصول:

 

الدرس الأول:

 

الدول لا يمكن إسقاطها بالآلة العسكرية وحدها، بل تسقط عندما تنهار الجبهة الداخلية، وتصمد ما صمد شعبها، مهما كانت قوة الخصم المعتدى.

 

النموذج الأول:

 

مصر عبرت نكسة 1967، عندما التف الشعب خلف قيادته الوطنية، ورفض تنحى الرئيس جمال عبدالناصر، وصمم على استعادة الأرض المنهوبة، وخضنا حرب الاستنزاف وانتصرنا فى حرب الكرامة «السادس من أكتوبر» 1973.

 

النموذج الثانى:

 

2013 استعاد الشعب المصرى دولته، وحمى هويته، والتف خلف قيادته الوطنية، وهزم أخطر عدوان استخدمت فيه أسلحة الحصار الاقتصادى والسياسي، والتنظيمات الإرهابية، والحرب النفسية والشائعات والهجمات السيبرانية.

 

وقف الشعب بوعيه وصموده داعمًا لدولته وقيادته، فانتصرت مصر فى معارك السيادة والتنمية وتطهير البلاد من الإرهاب، عززت قدراتها الشاملة الدفاعية والاقتصادية والتنموية والدبلوماسية، حمت أمنها القومى، دعمت القضية الفلسطينية، وعبرت تحدى مخطط التهجير وتؤدى اليوم دورًا بالغ الفاعلية فى حماية الأمن القومى العربى ودعم الأشقاء فى الخليج، ووساطة فاعلة لخفض التصعيد فى المنطقة وإحلال السلم.

 

النموذج الثالث:

 

بوحدتنا العربية 1973، وتوظيف كل مقومات القدرة الشاملة العربية، انتصرنا على إسرائيل ومن وقف خلفها من قوى عالمية، بقدرة مصر: العسكرية، والأخذ بكل أسباب القوة، من استخبارات وتخطيط وتدريب وخداع استراتيجي، وحشد القوى الشاملة وطنيًا وعربيًا، وتنسيق بين جبهتى مصر وسوريا لتشتيت قدرات العدو على جبهتين.

 

اليوم القدرة العربية الشاملة تم خصم منها قدرات عسكرية واقتصادية لدول بالغة التأثير عبر مؤامرات تدمير دول عربية من الداخل بأيدى شعوبها عبر فتن وحروب أهلية، والنماذج فى السودان وليبيا واليمن وتدمير العدو لجيش العراق، واستهدافه للبنية التحتية للجيش السورى نماذج لا تخطئها عين.

 

وما يحدث الآن هو محاولة لاستنزاف جزء مهم من القدرة العربية الشاملة بشقها الاقتصادي، المتمثل فى الطاقة بدول الخليج، التى كان لها دورها فى مواجهة الكيان وداعميه 1973، بخفض إمدادات البترول.

 

محاولة الاستنزاف تلك، بإشعال حرب فى المنطقة، تتمثل فى العدوان غير المبرر على إيران من إسرائيل والأمريكان، وهى التى خدمت بطرق غير مباشرة على مدار أربعة عقود أهدافهم، بمحاولاتها اختراق منظومة الأمن القومى العربي، عبر صناعتها لمليشيات ذات ولاءات مذهبية لنظام الملالى خارج أطر الدولة الوطنية العربية فى العراق ولبنان واليمن.

 

وفى المقابل العدوان الإيرانى على الأشقاء بدول الخليج، المرفوض والمدان بشكل قاطع من مصر بكل حزم منذ اللحظة الأولى، ولقد أكدت مصر بمؤسساتها وعلى رأسها الرئيس عبدالفتاح السيسى الذى قام بزيارات تاريخيّة لعواصم دول الخليج العربى فى لحظات بالغة الخطورة، يومى وقفة عيد الفطر وثانى أيام العيد، بما حملته تلك الزيارات من رسائل ودلالات بالغة القوة والأهمية.

 

ومع إدراك أخطاء النظام الإيراني، واستثمار الغرب لها على مدار عقود، لاستنزاف جزء من القدرة العربية الشاملة، إلا أن معادلة الصراع اليوم عالميًا، وإقليميًا، وما يخطط للمنطقة ومحاولات العبث بخرائطها، وموازين القوى بها، يفرض على الجميع اليقظة والانتباه، حيث ليس من مصلحة العرب سقوط الدولة الإيرانية وتقسيمها والهيمنة الخارجية على ثرواتها وموقعها الجيوسياسي، فتقسيم دولة بالإقليم يتبعه فوضى ومخاطر تهدد دول الجوار، وفى الوقت ذاته تنامى نفوذ الكيان الصهيونى العدو الأخطر بأطماعه ودوره الوظيفى فى الإقليم.

 

لكن كيف صمدت إيران حتى الأسبوع الثالث من الحرب؟

 

الإجابة: بقدرتها على حماية جبهتها الداخلية، فكانت تقديرات ديفيد برنياع رئيس جهاز الموساد الإسرائيلى الذى أقنع بها ترامب ونتنياهو أنه قادر عبر عملائه بالداخل الإيرانى على تحريك الشارع عقب الضربة العسكرية الأولى التى اغتالت المرشد الإيرانى على خامنئى ووزير الدفاع وقائد الحرس الثوري، وهو ما ثبت فشله، فلم يتحرك الشعب، لتحقيق ما يخدم أهداف العدو.

 

إذن الجبهة الداخلية الإيرانية نموذج صمد ضد مؤامرات الصهاينة لإسقاط الدول من الداخل، ونموذج قائم لدرس مفاده أنه مهما كانت قوة العدوان لا يمكنها إسقاط دولة ما دام شعبها عصيًا على تنفيذ مخططات الأعداء والعملاء، وهو الدرس الأهم على وعى الشعوب وقوة الجبهة الداخلية أهم مقومات القدرة الشاملة للدولة.

 

الدرس الثاني:

 

عندما تفشل القوى المعادية فى شق صف شعب الدولة الوطنية المستهدفة، تسعى لشق الصف العربى بإثارة الفتن بين شعوب الدول الشقيقة عبر عملاء وجهلاء وحملات موجهة.

 

وكما ذكرنا القدرة الشاملة العربية، محصلة مجموع القدرات الشاملة لكل دولة عربية منفردة، لذلك على الشعوب العربية الحذر من محاولات تدمير الدولة العربية الوطنية، والحذر من مؤامرات إثارة الفتن بين الشعوب، فقوة العرب فى وحدتهم وتضامنهم وتكاتفهم.

 

بالتزامن مع الحرب التى تجرى رحاها فى الإقليم، خرجت أصوات شاذة تحاول التقليل من دور مصر، وخرج ما يشعل الفتن بين الشعوب فى بعض وسائل الإعلام المشبوهة ووسائل التواصل الاجتماعي، وهم لا يخدمون إلا العدو «الكيان الصهيونى».

 

نعم، الكيان الصهيونى هو العدو الأساسى الدائم، ومصدر تهديد الأمن والسلم الإقليمي، ما دامت القضية الفلسطينية بلا حل نهائى عادل وشامل يضمن قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو وعاصمتها القدس الشرقية.

 

وهنا الدرس.. تجنب الوقوع فى فخاخ إثارة الفتن بين الشعوب، وأن الأصوات الشاذة مثل فؤاد الهاشم لا تمثل إلا أنفسها ومن يحركها خلف ستار من أعداء الأمة العربية، فهذا الموتور الحاقد وأمثاله أدوات وظيفية تتحرك لصالح الأعداء.

 

الدرس الثالث:

 

هدف «الأمريكان والصهاينة» بعد فشلهم للأسبوع الثالث فى حسم الحرب لصالحهم، توريط دول الخليج فى الحرب مع إيران هجوميًا، ليدفع الخليج الفاتورة من مقدراته، وتنسحب أمريكا والكيان وتستنزف إيران والخليج قدراتهم، الاقتصادية والعسكرية والطاقية، لحساب تنامى قدرات ونفوذ الكيان الصهيونى بالمنطقة.

 

إذن مواجهة التحديات بالوعى والتوحد وإحباط مؤامرات شق الصف هو السبيل الوحيد للنجاة بأقل أضرار ممكنة.

 

الدرس الرابع:

فى 19 مارس الجارى حلت ذكرى تحرير طابا، وهى درس بليغ، فسيناء الحبيبة حررنا جزءًا منها بالقوة العسكرية بانتصار أكتوبر المجيد 1973، ثم بالسياسة باتفاقية السلام 1979، ثم الخلاف على نقاط حدودية 14 نقطة أهمها طابا بالمعركة القانونية والتحكيم الدولى الذى لا يقل أهمية عن المعارك العسكرية حتى تحرر كامل التراب الوطنى 1989.

 

وهنا الدرس.. مصر لا تفرط فى ذرة من ترابها، وأن القدرة العسكرية محركة سواء باستخدامها أو بكونها قدرة ردع، وأن هناك أسلحة أخرى سياسية ودبلوماسية وقانونية.

 

وهو ما يجب أن يدركه المتصارعون الآن. الانتقال من المواجهة العسكرية إلى الحلول السلمية والدبلوماسية والقانونية.

 

فما تقدمه مصر من رؤية وما تتخذه من قرارات فى التعاطى مع التحديات ثمرة خبرات تاريخيّة ومعارك خاضتها بمختلف المحافل والمجالات حكمة حضارة وتاريخ من الانتصارات.

 

الرسائل المصرية بعلم الوصول

 

-1 زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى عواصم عربية خليجية، الإمارات وقطر يوم وقفة عيد الفطر، والبحرين والسعودية ثانى أيام العيد، رسالة دعم للأشقاء وقدرة شاملة للدولة المصرية، فمثل هذه الزيارة فى سماوات تشهد قصفًا ومسيرات وصواريخ ودفاعات جوية، تستلزم قدرة دولة على التنسيق مع كل الأطراف لتأمين المجال الجوي، وقدرة مصر على تأمين رحلة قائدها.

 

-2 مصر التى استطاعت القيام بهذه الزيارات فى مثل هذا التوقيت الحرج، قادرة على أداء دور تاريخى مع شركائها لخفض التصعيد، ومساعدة الأطراف المتصارعة على الانتقال من الصراع المسلح المدمر، إلى الحوار على مائدة التفاوض، لتجنيب المنطقة وشعوبها والعالم ويلات الحرب وآثارها.

 

-3 الإقليم اشتعل فى شهر رمضان الكريم، بينما مصر آمنة مستقرة، المطرية تستضيف فى إفطارها سفراء دول العالم فى مصر، وفى كل شارع رغم التحديات الاقتصادية موائد إفطار، وكثير من الخيرين الذين لم يستطيعوا إقامة مائدة تجدهم على الطرقات مع اقتراب أذان المغرب، يستوقفون المارة ويهدونهم تمرًا وعصائر ووجبات خفيفة.. الرسالة.. مصر عامرة بالخير آمنة مستقرة بفضل الله.

 

-4 الموازنة الجديدة التى عرضها وزير المالية أحمد كوجك، والدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء على السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، تتضمن سياسة متوازنة بين دعم مسيرة التنمية لبلوغ مستهدفات نمو 5,4%، وتعزيز دعم منظومة الصحة والتعليم، وفى الوقت ذاته دعم منظومة الحماية الاجتماعية لمساعدة المواطن على مجابهة تحديات اقتصادية وآثار سلبية للحرب المشتعلة  فى الإقليم.

 

-5 مصر تنتهج مثلث توازن ذهبي، فى سياستها الخارجية، تقدم التقديرات المخلصة الرشيدة، وتحذر من الحرب وآثارها المدمرة قبل اندلاعها، وعندما تتجاهل الأطراف المعنية ذلك، تدرك عندما تتورط فى الصراع المسلح صدق تقديرات مصر، فتكون لمصر مصداقية تعزز دورها التالى فى محاولة خفض التصعيد، وإنهاء الصراعات سلميًا.

 

فمصر تدعم السلم وحلول الأزمات بالحوار والمسارات الدبلوماسية لا الحرب والدمار ومهما كانت التحديات لا تشغلها أزمة عن العمل بحكمة فى مختلف الاتجاهات، فمصر تواصل جهود التنمية الوطنية، وجهود احتواء الصراعات فى دول الجوار بالسودان وليبيا ودعم جهود استعادة قوة المؤسسات بالدول العربية التى شهدت انقسامات وهزات داخلية.

 

تدعم حلولًا سياسية وطنية «سودانية-سودانية»، وبالأمس القريب استقبل وزير التربية والتعليم  محمد عبداللطيف، وزير التربية والتعليم السودانى الدكتور التهامى الزين، لبحث سبل التعاون وتبادل الخبرات وتقديم كل سُبل الدعم للأشقاء فى السودان لتعزيز قدرة المنظومة التعليمية فى السودان لأداء دورها فى خدمة أبناء الشعب السودانى الشقيق.

 

-6 تواصل مصر فى ظل الأزمة العالمية فى مجال الطاقة الناجمة عن الحرب، تنمية قدراتها من الإنتاج المحلى وبالأمس أعلن وزير البترول اكتشاف بئر غاز طبيعى بالصحراء الغربية قدرته الإنتاجية 26 مليون قدم يوميًا، وهو ما يعزز قدرة الإنتاج المحلي، وخفض الفاتورة الاستيرادية، مع رفع كفاءة موارد الطاقة القائمة وفى ذات السياق ترشيد الاستهلاك بما يضمن استدامة تقديم الخدمات ومتطلبات المنظومة الإنتاجية على الوجه الأكمل.

 

الرسالة هنا.. تعاظم قدرة الدولة على إدارة التحديات والأزمات.

حفظ الله مصر آمنة راعية للسلم، وأدام وعى الشعب ووحدته وحفظ الأمتين العربية والإسلامية

 

نقلا عن صحيفة روز اليوسف

تم نسخ الرابط