كيف تحافظ مصر على صمودها فى إقليم يتآكل؟
خلال ثلاثين يومًا من الحرب الأمريكية- الإسرائيلية، على إيران، بما تضمنته من تطورات وارتدادات متسارعة ومتلاحقة، كان قد تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسى فى نحو عشر مناسبات وفعاليات وأحداث عامة، بشأن تقدير الموقف المصرى لهذه الحرب ومخاطرها، وسبل التعاطى معها داخليًا وخارجيًا، إلى جانب الزيارات والاتصالات الدبلوماسية المكثفة، وفيها عبرت أحاديث القيادة السياسية، عن الإدراك المصرى لحجم الخطر الذى تشكله الحرب الإيرانية على الجميع دون استثناء.
فى نفس الوقت، استمعتُ إلى تشخيص مباشر من وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطى، قبل عدة أيام، بشأن الخطر الصاعد فى المنطقة، ومسارات التحرك المصرى، وكيف أن الحسابات المصرية، ترى أن «الإقليم على حافة الانفجار، ذلك أن الصراع العسكرى لن يتقيد بحدود إيران، بل سيمتد إلى جبهات أخرى»، وهو ما يستدعى من دولة بحجم ووزن مصر، أن يكون لها دور ورؤية للحل والتهدئة، بالنظر إلى كونها عمود ارتكاز بالمنطقة.
ليس المقصود هنا، إعادة طرح رسائل الخطاب الرسمى المصرى، على مدار شهر منذ اندلاع الحرب، وإنما تقصى التقديرات الموضوعية لمنطق الصراع الماثل فى المنطقة ومآلاته، ذلك أن مجمل الحسابات المصرية التى عكستها الأحاديث الرسمية فى مناسبات عدة، خلال الشهر الماضى، تشير إلى أن الحرب التى قامت على حسابات خاطئة قد ينتج عنها انهيار لدول أخرى بالإقليم، ومعها لن يتوقف حراك التغيير بالمنطقة، والأهم أن هناك صعوبة شديدة فى تقدير سيناريوهات القادم، أو متى ستتوقف الحرب، بالنظر إلى أن ما يحدث مرتبط بشكل أساسى بأفكار ومصالح ورؤى قوى كبرى بالإقليم، والمقصود هنا الولايات المتحدة.
وبموازاة هذه الرؤية الضبابية، لم يسلم الموقف المصرى من مزايدات بعض النخب، التى عكسها سجال «سوشيالي» على بعض المنصات الفترة الأخيرة، وتناول العلاقات المصرية الخليجية بشكل سلبى، وهنا لا يزال تساؤل المصير يفرض نفسه، فكيف إذن تحافظ الدولة المصرية على صمودها وسط حراك التغيير والتفتيت القائم؟، وكيف تتعاطى مع هذا الخطر داخليًا وخارجيًا؟، وما هى الأولويات التى يجب أن تسير فيها؟، وهل فعلًا تأخرت فى تحركها كما يزعم البعض؟، وإلى أى مدى يمكن أن يتطور دورها إلى وسيط محتمل للتفاوض والتهدئة؟.
ربما الإجابات على هذه التساؤلات، كانت حاضرة فى أحاديث الرئيس خلال المناسبات التى تحدث فيها طوال الشهر الماضى، وفى الإيضاحات التى قدمها وزير الخارجية فى لقائه مع إعلاميين ورؤساء التحرير نهاية شهر رمضان، ومجملها أشارت إلى أن هناك ثلاثة أهداف أساسية تعمل عليها الدولة المصرية فى التعاطى مع خطر الحرب والتغيير بالمنطقة، تبدأ برفض أى اعتداء على الدول العربية والخليجية ودعم هذه الدول فى مواجهة الظروف الصعبة للحرب، ثم التحرك لوقف التصعيد ومحاولة وقف الحرب باتصالات إقليمية ودولية، ثم طرح نقاش عربى وإقليمى بشأن ترتيبات أمنية إقليمية تحفظ سيادة دول المنطقة، وحتى لا تفرض عليها ترتيبات أخرى من الخارج.
الهدف الأول: وقف العدوان على الدول العربية
ينطلق التحرك المصرى، من ضرورة وقف الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية والخليجية، باعتبار أن هذه الدول لم تتخذ مواقف عدائية ضد إيران، وعلى هذا الأساس سجلت الدولة المصرية موقفها من اليوم الأول لاندلاع الحرب ورد الفعل الإيرانى، بضرورة وقف هذه الاعتداءات الآثمة، واعتبارها من «الحسابات الخاطئة» فى تلك الحرب.
ولم تكتف مصر بالبيانات، بل ترجمت موقفها، عبر مسارات عديدة، بداية من الاتصالات المتكررة للرئيس السيسى مع قادة الدول الخليجية، ومعها الاتصالات الدبلوماسية لوزير الخارجية بنظرائه العرب وفى الخليج، ثم تلى ذلك زيارات رئاسية أجراها الرئيس السيسى لأربع دول خليجية، فضلا عن زيارات لوزير الخارجية، وجميع هذه التحركات أكدت على ثوابت مصرية، قائمة على أن «وحدة المصير، وأن الأمن القومى الخليجى لا ينفصل عن الأمن القومى المصري».
وأجرى الرئيس السيسي، زيارات أخوية، بدأت بالإمارات ثم قطر، وأتبعها بجولة مماثلة إلى البحرين والمملكة العربية السعودية، وجاءت هذه الزيارات، برسائل ثابتة وموحدة إلى الدول الخليجية، حسب المعانى التى حملتها البيانات الرئاسية، والتى أكدت على «الاصطفاف المصرى مع كافة الدول الخليجية، فى مواجهة الاعتداءات على أراضيها»، إلى جانب «دعم ومساندة الإجراءات التى تتخذها كل دولة فى الدفاع عن أمنها وسيادتها وسلامة أراضيها»، مع التأكيد على أن «مصر ودول الخليج يجمعهم مصير واحد، وضرورة العمل المشترك لاحتواء التوتر الراهن، وتكريس مفهوم الأمن العربى الجماعى، باعتبار أن «أمن الخليج العربى هو امتداد للأمن القومى المصرى، بعدّهما كلا لا يتجزأ».
وتتجاوز زيارات السيسى الخليجية، مسألة التضامن البروتوكولى، لتعكس «الشراكة العربية ووحدة المصير»، وهذا المعنى أكد عليه أيضا وزير الخارجية فى لقائه مع الإعلاميين ورؤساء التحرير، والذى جاء بعد جولة لخمس دول عربية وخليجية، حينما أشار إلى أنه «لمس تقديرا كبيرا من هذه الدول للموقف المصري»، كما أن «العلاقات صلبة وراسخة، وما يثار على (السوشيال ميديا)، لا يعكس واقعها الحقيقي».
هل تأخرت مصر؟
نقطة التوقف الأخرى، تتعلق بتفنيد المزاعم التى رددها بعض أصحاب النوايا السيئة والرؤى المنقوصة، بخصوص الموقف المصرى، وترديد مثلًا أحاديث من قبيل تأخر الدعم المصرى، أو لماذا لا تحارب دفاعًا عن الأشقاء فى الخليج؟!!.. والواقع أن الحقائق المعلنة والواضحة كفيلة بدحض حديث «الإفك» الذى استخدمه البعض ضد الدولة المصرية، ومن بينها شهادات قادة دول الخليج أنفسهم، وأهم هذه الحقائق ما يلي:
أولًا، كانت رسالة الدعم المصرى للدول الخليجية واضحة بالقول والفعل، وبدا ذلك فى رسائلها التى نقلتها إلى الجانب الإيرانى، بضرورة وقف الاعتداءات على الدول العربية فورًا والعودة إلى المسار التفاوضى حفاظا على استقرار وسيادة الدول العربية ومقدرات شعوبها، والالتزام بمبادئ حسن الجوار.
ثانيًا، أن جزءا من محددات الموقف المصرى، هو ضرورة ضبط النفس، وتجنيب منطق الصراع المسلح، وإتاحة فرصة للحوار والحلول السياسية، وعدم الانجرار فى الصراع الدائر، وهو ما يتطابق مع الموقف الخليجى، القائم على ضبط النفس والدفاع عن سيادة وأمن هذه الدول، دون الانجرار فى الصراع الدائر، والغاية هنا، أن الانجراف العربى فى الصراع والهجوم ضد إيران، قد يتصاعد إلى حرب دينية (سنى وشيعي)، وهذا لن يخدم سوى مصالح دولة الاحتلال الإسرائيلى وخطتها الإقليمية التى تحدثت عنها مرارًا بإقامة ما يسمى «إسرائيل الكبرى».
ثالثًا، أن أولويات التحرك المصرى، تستند إلى نصوص الدستور الذى حدد بوضوح لا ريب فيه أولويات دوائر التحرك المصرى خارجيًا، والتى تبدأ من الدائرة العربية والإسلامية، والمعنى هنا أن المواجهة تنطلق بتنسيق عربى جماعى، وهذا ما يفسر دعوات القيادة السياسية بضرورة «ترسيخ مفهوم الأمن العربى الجماعي»، ويشرح أسباب قنوات التواصل المستمرة مع الأطراف العربية والإقليمية بشأن توترات الإقليم الفترة الأخيرة.
رابعًا، تقدير الموقف المصرى، جاء بشهادات من قادة الخليج وهو ما عكسته تصريحاتهم خلال زيارات الرئيس السيسى لهذه الدول، هنا نذكر حديث العاهل البحرينى الملك حمد بن عيسى، حينما أعرب عن «تقديره لدور مصر الداعم لأمن واستقرار البحرين وكافة دول مجلس التعاون الخليجى، والمساند للدول العربية والإسلامية على مدار السنوات، واصفًا مصر بصمام الأمان».
نفس التقدير عبر عنه الأمير محمد بن سلمان، ولى العهد السعودى، خلال لقائه مع الرئيس السيسى، حينما أشاد بموقف مصر الداعم والمتضامن مع دول مجلس التعاون الخليجى، مشيرًا فى هذا الخصوص إلى أن موقف مصر فى الأزمة الراهنة يأتى فى إطار الدور التاريخى لمصر كونها قلب العالم العربى، مؤكدًا على أن المملكة لن تنساه.
وامتد التقدير أيضا من الشيخ محمد بن زايد رئيس دولة الإمارات، ومن أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثانى، حينما أشاد بدور مصر الراسخ والداعم لاستقرار كافة دول مجلس التعاون الخليجى، ومن أجل الحفاظ على السلم والاستقرار الإقليمى، للتوصل لحلول سلمية لكافة أزمات المنطقة.. والمعنى من استعراض هذه الرسائل، أنه لا يمكن أن يأتى التقدير من قادة الدول الخليجية بهذه الصيغة دون تضامن ودعم مصرى صادق لهذه الدول.
الهدف الثانى: عدم اليأس فى وقف الحرب
الهدف الثانى من التحركات المصرية، يسعى إلى تهيئة المناخ لإيجاد فرصة لوقف الحرب والعودة إلى مسار الحوار والحلول السلمية، وهنا تتعدد التحركات المصرية ما بين اتصالات دبلوماسية مع أطراف الصراع، وقوى إقليمية ودولية مؤثرة، تدعم هذا التوجه، وينطلق التحرك المصرى، بدعم عربى وإسلامى، من خلال تنسيق المواقف بين القاهرة والعواصم العربية، باعتبار أن مسار الحل السلمى فى مصلحة الجميع.
والغاية هنا، أن جزءا من إدارة أزمة الحرب، تشكيل جبهة إقليمية ودولية، داعمة للحلول السلمية من قوى عربية وإسلامية، وهو ما تترجمه التحركات الدبلوماسية خلال الأيام الأخيرة، ومشاركات وزير الخارجية فى أكثر من اجتماع عربى وإسلامى جماعى، لتنسيق المواقف والتحركات، ضم دولا خليجية وإسلامية مثل تركيا وباكستان، إلى جانب التحرك على صعيد الجامعة العربية، والغاية كما تحدث وزير الخارجية المصرى، هى «بناء تحالف إقليمي» لإدانة الحرب والعمل على وقفها.
وتمتد التحركات المصرية، إلى القوى الدولية، باتصالات مستمرة مع الإدارة الأمريكية، تحت مظلة الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وواشنطن، وأيضا مع روسيا والصين، لدعم رؤى التهدئة فى المحافل الدولية خصوصا مجلس الأمن الدولي.
قد تبدو المهمة صعبة أو مستحيلة، بالنظر إلى تطورات الحرب، والحشد العسكرى القائم من أطرافها، غير أن وزير الخارجية أشار فى لقائه مع الإعلاميين ورؤساء التحرير، إلى توجيه رئاسى بـ«عدم اليأس»، وضرورة التحلى بالصبر الدبلوماسى فى التحركات والاتصالات المصرية، وصولًا للحظة التهدئة.
ولعل من ثمار الدأب المصرى، ما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، عن «نجاح مصر فى فتح قنوات اتصال مباشرة مع الحرس الثورى الإيرانى، على عكس أطراف دولية كبرى لم تفلح فى التواصل»، وبالتالى أصبحت القاهرة «طرفا موثوقا فيه» من جميع الأطراف، يؤهلها لدفع عجلة الحوار والتفاوض.
الهدف الثالث: ترتيبات أمنية جديدة للمنطقة
الهدف الثالث من التحركات المصرية، يستهدف صياغة رؤية إقليمية جديدة للإقليم، بترتيبات أمنية مشتركة، تحفظ سيادة وسلامة دول المنطقة، أمام أى سيناريوهات أو رؤى خارجية مطروحة، وتلك واحدة من محاور النقاش القائمة مع الدول العربية والإقليمية، لصياغة مستقبل المنطقة ما بعد انتهاء الحرب.
وهنا تدعو مصر إلى «ضرورة بلورة مفهوم عملى للأمن الجماعى العربى والإقليمى، ووضع آليات تنفيذية له»، وهو ما أشار إليه وزير الخارجية فى أكثر من مناسبة بأن «الشروع فى وضع ترتيبات أمنية فى الإطار الإقليمى سواء بالجامعة العربية أو بالتعاون مع أطراف إقليمية غير عربية، ضرورة استراتيجية ملحة للتعامل مع التحديات غير المسبوقة التى تستهدف سيادة الدول العربية».
وبخصوص هذه الترتيبات، كان قد أفصح الدكتور بدر عبد العاطى، عن بعض محدداتها، فى (لقائنا معه)، ذلك أنه أشار إلى أن «مصر تجرى حوارا موضوعيا مع الأشقاء فى الخليج، بشأن الترتيبات الجديدة فى الإقليم، ومستقبل المنطقة ما بعد الحرب»، وقال إن «جزءا من النقاش يتضمن الترتيبات الأمنية بعد انتهاء الحرب، وصيغة العلاقات العربية مع إيران، وتصور الوضع الإقليمي»، وشدد على أن «الأطراف الإقليمية يجب أن يكون لها الدور المؤثر فى صياغة ترتيبات مستقبل المنطقة، ولا تفرض من أطراف خارج الإقليم».
وأشار إلى بعض النقاط التى يجب أن تشملها هذه الترتيبات، ومنها «حظر استخدام القوة، واحترام قواعد القانون الدولى ومبادئ حسن الجوار، واحترام سيادة الدول، ودعم المؤسسات الوطنية للدول»، وهى مفاهيم نصت عليها اتفاقية الدفاع العربى المشترك الموقعة منذ عام 1950.
والغاية المصرية هنا، هى امتلاك دول الإقليم لرؤية خاصة بمستقبل المنطقة، بمحددات فى صورة «إعلان مبادئ»، يحفظ أمن واستقرار هذه الدول، ذلك أن البديل، ربما يكون حالة من الفراغ الأمنى والفوضى فى اليوم التالى للحرب، فضلا عن فرض رؤى أخرى من خارج الإقليم، بالتأكيد ستكون على حساب سيادة عديد من الدول.
والخلاصة، أن الأهداف التى تسعى إليها الدولة المصرية، فى تعاطيها مع أزمة الحرب، ما هى إلا مسارات تدعم صمود الدولة فى مواجهة حراك التغيير والتفتيت القائم بالمنطقة، وتشكل فى نفس الوقت حائط صد أمام سيناريوهات ومخططات «العدو» للإقليم، التى تدركها القاهرة جيدًا، وتتحلى فى تعاطيها مع تعقيدات وتباينات الأزمة بالصبر، إدراكًا بأنه ما أسهل أن تبدأ حربًا، ولكن من الصعب أن تضع نهاية لوقفها.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



