الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

"فورين بوليسي": خطة الخروج من إيران أصبحت حتمية ولا تحتمل الإرجاء

ارشيفية
ارشيفية

أكدت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية أن الحكمة في السياسة الخارجية تبدأ بالقدرة على التمييز بين المشكلات التي يمكن حلها وتلك التي لا يمكن سوى إدارتها واحتوائها.

 

وأوضحت المجلة أن عددا من الرؤساء الأمريكيين السابقين تعلموا هذا الدرس بالطريقة الصعبة، فقد اعتقد جورج دبليو بوش أن إسقاط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، سيحدث تحولا جذريا في الشرق الأوسط، فيما رأى باراك أوباما أن إنهاء حكم الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، سيسهم في استقرار ليبيا وتسريع زخم الربيع العربي، غير أن أيا من هذين التصورين لم يتحقق.

 

وشددت المجلة على أن احتواء تلك التهديدات وإدارتها كان ليكون خيارا أقل كلفة بكثير من التداعيات السلبية التي نجمت عن محاولات القضاء عليها بالكامل، حيث إن هذه التداعيات ما تزال تلقي بظلالها على أوروبا والشرق الأوسط حتى اليوم.

 

وترى مجلة "فورين بوليسي" أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يبدو أنه قد وقع هو الآخر في الفخ ذاته، إذ يراهن على إنهاء التحديات التي تمثلها إيران بدلا من إدارتها وتقليص آثارها. والآن، وبعد أكثر من ثلاثة أسابيع على بدء العملية العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بات واضحا أن القوة الجوية وحدها لن تفضي إلى تغيير النظام في إيران، رغم فعاليتها في استهداف قيادات بعينها.

 

وبالمثل، فإن الضربات الجوية رغم قدرتها على تقليص عدد السفن الإيرانية ومنصات إطلاق الصواريخ، إلا أنها لن تتمكن من القضاء على المعرفة النووية الإيرانية، كما أنها عاجزة عن القضاء على قدرات طهران في مجال الطائرات المسيرة، أو ترسانتها المرنة من الألغام والزوارق الهجومية السريعة والطوربيدات، فضلا عن وسائل أخرى تتيح لها تهديد طرق الملاحة والبنية التحتية الحيوية التي تعتمد عليها دول الخليج والاقتصاد العالمي.

 

أما الخيار البري، فلا يبدو -وفقا للمجلة- أكثر جدوى، فالعمليات الخاصة محدودة النطاق غير قادرة على تأمين السواحل الإيرانية المحصنة، ولا على تدمير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، فضلا عن عجزها عن منع إيران من استهداف منشآت الطاقة أو محطات تحلية المياه في المنطقة.

 

ودللت المجلة على ذلك بالتأكيد أنه يكفي إلقاء نظرة سريعة على الجغرافيا الإيرانية بجبالها الشاسعة والمعقدة؛ لإدراك أن أي غزو بري واسع النطاق سيحتاج إلى قوة لا تقل عن حجم الجيش الأمريكي بأكمله، وسيستلزم على الأرجح تجنيدا إجباريا وخسائر بشرية تفوق ما شهدته حروب العراق وفيتنام وكوريا، كما أن الاستعداد لمثل هذه العملية قد يستغرق أشهرا، في وقت يبدو فيه الرأي العام الأمريكي غير مستعد لدعمها.

 

وعليه، تساءلت المجلة الأمريكية عن البديل إذا كان القضاء على التهديد الإيراني أمرا شبه مستحيل؟.

 

وترى المجلة أن أحد الخيارات المطروحة هو استراتيجية "جز العشب"، المستوحاة من النهج الإسرائيلي في توجيه ضربات دورية لترسانات خصومها كلما أعيد بناؤها. ووفق هذا النهج، يمكن لترامب إعلان النصر ووقف العمليات، مع الاحتفاظ بخيار استئنافها عند الحاجة.

 

لكن هذا الخيار، رغم جاذبيته الظاهرية، ينطوي على إشكاليات كبيرة في الحالة الإيرانية.

 

 فهو يفترض أن طهران ستوقف هجماتها إذا أوقفت واشنطن ضرباتها، وهو افتراض غير مضمون. بل إن إيران قد لا ترى سببا للالتزام بوقف أحادي الجانب لإطلاق النار دون ضمانات تمنع تكرار الهجمات مستقبلا، ما قد يدفع طهران إلى زيادة الضغط الاقتصادي على واشنطن خصوصا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي (للكونجرس) عبر التأثير على أسعار الطاقة والغذاء.

 

وأشارت المجلة إلى أنه بما أن إنهاء الحرب يتطلب موافقة إيران، فإن التحدي يكمن في إيجاد صيغة تلبي مخاوف طهران الأساسية، مع الحد في الوقت نفسه من تهديداتها، وأن أي اتفاق ناجح يجب أن يضمن وقفا دائما لإطلاق النار يشمل الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل.

 

وفي هذا الإطار، يمكن أن تلتزم إيران بوقف جميع الهجمات على إسرائيل، سواء بشكل مباشر أو عبر وكلائها، مقابل التزام أمريكي بوقف الهجمات الإسرائيلية على إيران وحلفائها، مثل حزب الله، كما يمكن لطهران أن تجدد تعهدها بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، وتضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز، وتعتمد جزئيا على الدولار في مبيعاتها النفطية .

 

وفي المقابل، يمكن لواشنطن تقديم إعفاءات من العقوبات للدول الراغبة في تمويل إعادة إعمار إيران، والسماح باستئناف التجارة وشراء النفط الإيراني، بما يسهم في تهدئة أسعار الطاقة عالميا.

 

ومع ذلك، فإن هذا الاتفاق لن يكون سوى خطوة أولى، ينبغي أن تعقبها مفاوضات نووية جديدة تهدف إلى التخلص من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، بما يضمن استحالة تطوير سلاح نووي إيراني.

 

وفي هذا السياق، قد تلعب روسيا دور الوسيط الفاعل، خاصة في ظل عرضها استضافة مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب. كما أن تراجع الثقة الإيرانية في الوسطاء الأمريكيين يفتح المجال أمام دور روسي أكثر تأثيرا، حيث يمتلك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دوافع متعددة للاضطلاع بهذا الدور، إذ من شأنه تعزيز مكانة بلاده الدولية، فضلا عن أن موسكو تعارض امتلاك إيران للسلاح النووي، وأن استمرار الحرب قد يفضي إلى ركود عالمي يضر بمصالح روسيا الاقتصادية.

 

وعلى الرغم من أن الاتفاق المقترح ينطوي على تنازلات صعبة قد تواجه رفضا في واشنطن وطهران، إلا أن البديل (حرب طويلة) سيكون أكثر كلفة على الطرفين، فالولايات المتحدة وإيران عالقتان في صراع لا يستطيع أي منهما حسمه لصالحه.

 

وعليه، فإنه لا مفر حاليا من البحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه للطرفين، إذ إن كليهما في قارب واحد: إما أن ينجوا معا، أو يغرقا معا.

تم نسخ الرابط