لم تعد الدراما فى زمن تتكسر فيه الحدود بين الخيال والواقع، مجرد حكاية تُروى على شاشة، بل تحولت إلى ما يشبه «غرفة عمليات ناعمة» تُعاد فيها صياغة العالم، مشهدًا بعد آخر، قبل أن يُستدعى إلى مسرح الأحداث.
ما نشهده اليوم فى قلب الشرق الأوسط، ليس وليد لحظة طارئة، ولا انفجارًا مفاجئًا لصراع عابر، بل هو أقرب إلى حرب مؤجلة جرى إعدادها على نار باردة طوال أربعة عقود، حيث تداخلت الاستخبارات مع الفن، والسياسة مع السرد، حتى باتت بعض الأعمال الدرامية وكأنها «بيانات عمليات» مصورة.
عند استدعاء أعمال مثل Homeland وTehran، لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد ترفيه سياسى، بل باعتبارها نصوصًا موازية لما جرى أو ما كان يُراد له أن يجرى. فى هذه الأعمال، نرى بوضوح ملامح سيناريو متكامل، تجنيد عناصر من داخل النخبة، اختراق دوائر صنع القرار، التلاعب بالبنية التحتية الرقمية، وصولًا إلى تصفية قيادات عليا، وإعادة تشكيل هرم السلطة عبر عناصر تم إعدادها مسبقًا.
ليست المصادفة وحدها ما يجعل المتابع يشعر، وهو يعيد مشاهدة تلك الأعمال اليوم عبر منصات مثل Netflix أو Apple TV+، أنه يطالع نشرات أخبار استباقية، أو يقرأ مستقبلًا كُتب بعناية قبل أن يُنفذ، المشاهد التى بدت يومًا ضربًا من الخيال مثل اختراق أنظمة المراقبة، السيطرة على كاميرات المدن، توجيه الضربات الدقيقة عبر معلومات استخباراتية عميقة، باتت اليوم جزءًا من مفردات الحرب الحديثة.
الأخطر من ذلك، أن هذه الأعمال لم تكتف برصد الواقع أو استشرافه، بل أسهمت -بوعى أو دون وعى - فى تهيئة المسرح، إنها تقدم ما يمكن تسميته بـ«التدريب البصرى الجمعى»، حيث يُعاد تشكيل وعى المشاهد سواء كان مواطنًا عاديًا أو صانع قرار بكيفية إدارة الصراع، وحدود الممكن فيه، الدراما هنا لا تسبق الحدث فقط، بل تُطبع صورته فى الأذهان، وتجعله قابلًا للتصديق حين يقع.
من زاوية أخرى، تكشف هذه الظاهرة عن خلل بنيوى فى قراءة الخصم، حين تُعرض نماذج الاختراق والتجنيد والتصفية بهذا الوضوح، ثم تتكرر بصيغ مختلفة على أرض الواقع، فإن السؤال لا يعود عن «دهاء المنفذ» بقدر ما يصبح عن «غفلة المستهدف».
هل قرأت بعض الأنظمة هذه الرسائل المبطنة؟ وهل تعاملت معها بوصفها تحذيرا استراتيجيا أم مجرد خيال درامى؟ يبدو، من مجريات الأمور، أن هناك من شاهد..لكنه لم يرَ.
إن الحرب الدائرة الآن، بكل تعقيداتها، ليست فقط صراعًا على الأرض أو النفوذ، بل هى أيضًا صراع على السرد، من يملك القصة، يملك جزءًا من النصر، ومن ينجح فى تحويل عملياته إلى دراما مُقنعة، يسبق خصمه بخطوات فى معركة الوعى. وهنا تكمن المفارقة، بينما انشغلت بعض العواصم بمتابعة نشرات الأخبار، كانت الدراما فى صمت تكتب السيناريو وتبثه على العالم.
لقد آن الأوان لإعادة النظر فى موقع «القوة الناعمة» داخل معادلات الأمن القومى. فالمسألة لم تعد تتعلق بصورة ذهنية أو تأثير ثقافى فحسب، بل باتت تمس صميم إدراك التهديدات وكيفية الاستعداد لها.
الدراما، فى هذا السياق، ليست مرآة تعكس الواقع، بل عدسة تكبره، وأحيانًا خريطة تُرسم عليها خطوط المعركة قبل أن تُخاض.
هكذا، وبين شاشة تُعرض عليها الحكاية، وميدان تُكتب فيه الوقائع، تتلاشى المسافة. وما كان يُشاهد بالأمس كخيال، يُعاش اليوم كحقيقة، وبينهما، يقف سؤال معلق.. من يقرأ الدراما بوصفها إنذارًا مبكرًا…ومن يكتفى بمشاهدتها حتى يفوته زمن الاستعداد؟!
نقلًأ عن مجلة روزاليوسف



