الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

لا تخلو الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران من الأكاذيب والألاعيب والخداع ‏والمناورات، كذلك المفاوضات الدولية التى تحاول أن تشق ثغرة إلى اتفاق لوقف الحرب، والذى ‏تتوسط فيه مصر وتركيا وباكستان «لمحاصرة النيران العشوائية» من التوسع إلى المنطقة ‏كلها، فالولايات المتحدة على لسان رئيسها دونالد ترامب تذيع أخبارًا عن هذه المفاوضات، ‏بينما إيران تنكر تمامًا وجودها أصلا، وهذا شىء متوقع وراجع إلى حالة من عدم الثقة ‏العميق.

 

أمريكا لا تثق فى أنها حققت أهدافها من الحرب، وإيران لا تثق فى أن الأمريكان لن ‏يغالوا فى شروط وقف الحرب، بالرغم من الشكوك التى تحيط بأهدافها ونتائجها، بينما العالم ‏كله يئن من «الكارثة الاقتصادية» التى ألحقتها الحرب بمعيشة سكان المعمورة جميعًا!‏
 


وحين تفتح أبواب التفاوض فى صراع معقد بهذا الحجم، لا تتصدره النقاط الـ15 التى تسربت ‏ويُقال إنها محور المفاوضات، بقدر ما تتحكم فى أطراف الصراع المخاوف الوجودية ‏والضغوط الداخلية وحسابات دقيقة لما يمكن التنازل عنه وما لا يمكن الاقتراب منه!‏
 


والمعضلة التى تبدو من شكل هذه المفاوضات السرية أن النقاط الـ15 مترابطة كحزمة ‏متمسكة، أى تحريك فى نقطة منها يهز بقية النقاط، وأى تنازل فى ملف يفتح تلقائيًا نافذة ‏للمطالبة بتنازل مقابل.. وهذه هى الصعوبة الحقيقية..
 


بالطبع لا يدخل الحديث فى البداية إلى البرنامج النووى الإيرانى أو الصواريخ البالستية أو ‏النفوذ الإقليمى، بل إلى شىء أبسط وأكثر هشاشة: هل يمكن إيقاف الأعمال العدائية ولو مؤقتًا، ‏وتخفيف الخطاب الإعلامى السياسى من باب اختبار النوايا حتى تُتاح الفرصة أمام ‏المفاوضات لتأخذ طريقًا جادًا؟، والأهم هل يمكن أن تتوصل كل الأطراف إلى آلية تمنع إعادة ‏إنفجار الموقف عند أول سوء تفاهم؟، كيف يمكن تشكيل قناة اتصال أو إطار أولى لحل ‏النزاعات حتى لا تعود الأمور إلى نقطة الصفر؟!‏
 


هذا الأطار المرجعى قد يصلح أن يكون نقطة انطلاق إلى الملفات الصعبة، وهنا يطفو ‏البرنامج النووى الإيرانى على السطح تلقائيًا، ليس كقضية سياسية فقط، بل كمعادلات تقنية ‏مثل نسب التخصيب، عدد الأجهزة، نطاق التفتيش، وهى معادلات شديدة الحساسية بالنسبة ‏لأمريكا وإيران، أمريكا تُريد أن تفرض شروطها، وإيران تُريد أن تحافظ على ماء وجهها!‏
 


ومن هذه النقطة يمكن الانتقال إلى إجراءات تنفيذية، من يبدأ أولًا؟، كيف يمكن التأكد أن ما ‏اتفق عليه سوف ينفذ فى الواقع؟. لكن فى هذه المرحلة التى تحتل التقنية بداية الحوار، لا يغيب ‏البعد السياسى، فكل طرف يدخلها وهو يحمل تصورًا واضحًا لما يُريد وما لا يمكنه التنازل ‏عنه، إيران تسعى إلى الحفاظ على برنامج نووى وفق شروط وكالة الطاقة النووية، ويكتسب ‏صفة «الشرعية» دوليًا دون أن تفقد جوهره، وترفض أى صيغة أخرى يمكن أن يفسره الداخل ‏الإيرانى تنازلا عن حقها السيادى، الولايات المتحدة كعادتها تركز على إطالة الزمن، الذى ‏تحتاجه إيران فعليًا للملمة خسائرها، ثم العمل على إعادة قدراتها العسكرية إلى الدرجة التى ‏تُريحها نفسيًا وسياسيًا، فى الوقت نفسه تُصر الولايات المتحدة على رقابة كل خطوة ‏تخطوها إيران فى هذا الاتجاه.‏
 


أما إسرائيل أس البلاء ومصدر الاضطرابات والمحرض الأول على الحرب مع اللوبى ‏الصهيونى فى واشنطن، فهى تنظر إلى كل التفاصيل بعين «أمن إسرائيل» حسب تصورها ‏عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط، سواء كان هذا التصور ينسجم مع الواقع أو لا ينسجم ‏ويصعب فرضه، فلن يكفيها ضبط البرنامج النووى، بل تريد أن تضمن ابتعاده تمامًا عن أى ‏قدرة تهديدية فى المستقبل!‏
 


وإذا تحركت المفاوضات خطوات إيجابية، سرعان ما تصل إلى قلب التوتر الحقيقى، هنا ‏يختفى أى كلام عن التقنية ويحتل الصراع السياسى المشهد كاملا، أولا العقوبات الأمريكية ‏المفروضة على إيران، وإيران لا تعتبرها ضغطًا اقتصاديًا، بل مسألة كرامة وطنية، وستريد ‏رفعها فى أقرب وقت لتنعكس نتائج هذا الرفع على الواقع الداخلى، لكن أمريكا لا يمكن أن ‏تتخلى عنها بسهولة، قد تفعلها تدريجيًا حسب تطور تنفيذ الاتفاق على أرض الواقع، لتظل ‏أداة ضغط أساسية فى يدها.‏
 


أما إسرائيل فهى ستكون خميرة العكننة، وستراقب بحذر خشية أن يؤدى أى اتفاق إلى تعزيز ‏قدرات إيران، وستطلب آلية مراقبة صارمة تضمن عدم حدوث ذلك.‏
 


وحتى لو تجاوزت الأطراف هذه العقبات بطريقة أو بأخرى، ستظهر اللحظة الأكثر هشاشة ‏فى العملية كلها، عندما تتحول الوعود إلى أفعال، فكل طرف سيطلب من الطرف الثانى أن ‏يبدأ بالخطوة الأولى، وهنا الأزمة، لأن كل خطوة لها تكاليف سياسية داخلية، قد تفسر ‏كضعف أو تنازل مجانى.‏
 


قطعًا لا ترغب إيران فى تقليص برنامجها النووى قبل أن ترى أثرًا حقيقيًا لرفع العقوبات ‏وضمانات عدم تكرار الهجوم عليها، والولايات المتحدة لن تقبل بسهولة أن تقدم ضمانات -أية ‏ضمانات- قبل أن تتحقق ميدانيًا من التزام إيران بالشروط المتفق عليها، وهذا التردد المتبادل ‏يمكن أن تلعب إسرائيل فيه بما اعتادت عليه لإعادة الموقف إلى حالة التربص والعداء، أو ‏على الأقل تحويله إلى أزمة يمكن أن تتفاقم تدريجيًا، فإسرائيل تعيش على العدوانية والحرب ‏والتوتر لا السلام، وهى وسائلها إلى تحقيق حلم إعادة تشكيل الشرق الأوسط.‏
 


ومع ذلك، لا تتوقف المفاوضات عند هذه العقدة، بل تمتد إلى ملفات أكثر حساسية، حيث ‏تتداخل مفاهيم الأمن والسيادة والنفوذ، على سبيل المثال لا ترى إيران برنامجها الصاروخى، ‏خاصة بعد أن أثبت فاعليته فى الحرب الحالية، مجرد سلاح بل جزء من منظومة ردع توفر ‏لها قدرات يعمل لها ألف حساب عند أى عدوان عليها أو مفاوضات تدخلها، بينما يُنظر إليه ‏من الأمريكان كتهديد مباشر إلى إسرائيل وحلفائها، وتعتبره إسرائيل خطرًا محلقًا فى سمائها ‏فى أى وقت.‏
 


ومن الصواريخ البالستية إلى الدور الإقليمى، الذى لا يمكن فصله عن شبكة التحالفات ‏والتوازنات، وهو يحتاج إلى لغة تفاوضية لغة أكثر دقة لتكون مقبولة، كأن يستبدل بالحديث ‏عن نزع النفوذ الإقليمى وإنهائه إلى الحديث عن ضبط هذا النفوذ وتقليل تأثيره، فى محاولة ‏للتوصل إلى صيغة لا تظهر أى طرف بمظهر الخاسر.‏
 


فى الخلفية أيضًا سينال الوجود العسكرى الأمريكى مساحة حاضرة بقوة فى الحسابات، ليس ‏كقوة مادية على الأرض، بل كرمز أكبر للتوازن، خاصة بعد الاعتداءات على دول الخليج ‏العربية وغلق مضيق هرمز، ولن تقبل الولايات المتحدة تقليصه بأى شكل من الأشكال، بل ‏ستعمل على وجوده بما يضمن دوام حرية الملاحة فى المضيق.‏
 


وشىء طبيعى جدًا أن تفكر إيران فى ضمانات دولية بغض النظر عن توقيع أمريكا وإسرائيل ‏على أية تعهدات، فالضمانات الدولية عنصر أساسيى، ليس فقط لإكساب الاتفاق الشرعية بل ‏لجعل المجتمع الدولى طرفًا فيه لتكون كلفة الانسحاب منه عالية.
 


باختصار لا تعود النقاط الخمس عشرة التى تسرب عنها كلام عام دون تفاصيل مجرد قائمة ‏بنود، بل هى بالضرورة مسار معقد يبدأ بخطوات صغيرة لبناء الثقة، ثم تعبر أرض ملغمًا ‏بقضايا حرجة قد تنفجر فى أى وقت، قبل أن تصل المفاوضات إلى نقطة توازن مقبولة من ‏الأطراف، وكما قلت هناك لحظة فاصلة حاسمة ستكون البوابة إلى نجاح الاتفاق، وهى ‏لحظة اتخاذ الخطوة الأولى، لأنها لحظة السؤال الأصعب فى الصراع، من سيبدأ، وكيف ‏يفعلها دون أن يبدو وكأنه خاسر!‏ 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط