لا تخلو الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران من الأكاذيب والألاعيب والخداع والمناورات، كذلك المفاوضات الدولية التى تحاول أن تشق ثغرة إلى اتفاق لوقف الحرب، والذى تتوسط فيه مصر وتركيا وباكستان «لمحاصرة النيران العشوائية» من التوسع إلى المنطقة كلها، فالولايات المتحدة على لسان رئيسها دونالد ترامب تذيع أخبارًا عن هذه المفاوضات، بينما إيران تنكر تمامًا وجودها أصلا، وهذا شىء متوقع وراجع إلى حالة من عدم الثقة العميق.
أمريكا لا تثق فى أنها حققت أهدافها من الحرب، وإيران لا تثق فى أن الأمريكان لن يغالوا فى شروط وقف الحرب، بالرغم من الشكوك التى تحيط بأهدافها ونتائجها، بينما العالم كله يئن من «الكارثة الاقتصادية» التى ألحقتها الحرب بمعيشة سكان المعمورة جميعًا!
وحين تفتح أبواب التفاوض فى صراع معقد بهذا الحجم، لا تتصدره النقاط الـ15 التى تسربت ويُقال إنها محور المفاوضات، بقدر ما تتحكم فى أطراف الصراع المخاوف الوجودية والضغوط الداخلية وحسابات دقيقة لما يمكن التنازل عنه وما لا يمكن الاقتراب منه!
والمعضلة التى تبدو من شكل هذه المفاوضات السرية أن النقاط الـ15 مترابطة كحزمة متمسكة، أى تحريك فى نقطة منها يهز بقية النقاط، وأى تنازل فى ملف يفتح تلقائيًا نافذة للمطالبة بتنازل مقابل.. وهذه هى الصعوبة الحقيقية..
بالطبع لا يدخل الحديث فى البداية إلى البرنامج النووى الإيرانى أو الصواريخ البالستية أو النفوذ الإقليمى، بل إلى شىء أبسط وأكثر هشاشة: هل يمكن إيقاف الأعمال العدائية ولو مؤقتًا، وتخفيف الخطاب الإعلامى السياسى من باب اختبار النوايا حتى تُتاح الفرصة أمام المفاوضات لتأخذ طريقًا جادًا؟، والأهم هل يمكن أن تتوصل كل الأطراف إلى آلية تمنع إعادة إنفجار الموقف عند أول سوء تفاهم؟، كيف يمكن تشكيل قناة اتصال أو إطار أولى لحل النزاعات حتى لا تعود الأمور إلى نقطة الصفر؟!
هذا الأطار المرجعى قد يصلح أن يكون نقطة انطلاق إلى الملفات الصعبة، وهنا يطفو البرنامج النووى الإيرانى على السطح تلقائيًا، ليس كقضية سياسية فقط، بل كمعادلات تقنية مثل نسب التخصيب، عدد الأجهزة، نطاق التفتيش، وهى معادلات شديدة الحساسية بالنسبة لأمريكا وإيران، أمريكا تُريد أن تفرض شروطها، وإيران تُريد أن تحافظ على ماء وجهها!
ومن هذه النقطة يمكن الانتقال إلى إجراءات تنفيذية، من يبدأ أولًا؟، كيف يمكن التأكد أن ما اتفق عليه سوف ينفذ فى الواقع؟. لكن فى هذه المرحلة التى تحتل التقنية بداية الحوار، لا يغيب البعد السياسى، فكل طرف يدخلها وهو يحمل تصورًا واضحًا لما يُريد وما لا يمكنه التنازل عنه، إيران تسعى إلى الحفاظ على برنامج نووى وفق شروط وكالة الطاقة النووية، ويكتسب صفة «الشرعية» دوليًا دون أن تفقد جوهره، وترفض أى صيغة أخرى يمكن أن يفسره الداخل الإيرانى تنازلا عن حقها السيادى، الولايات المتحدة كعادتها تركز على إطالة الزمن، الذى تحتاجه إيران فعليًا للملمة خسائرها، ثم العمل على إعادة قدراتها العسكرية إلى الدرجة التى تُريحها نفسيًا وسياسيًا، فى الوقت نفسه تُصر الولايات المتحدة على رقابة كل خطوة تخطوها إيران فى هذا الاتجاه.
أما إسرائيل أس البلاء ومصدر الاضطرابات والمحرض الأول على الحرب مع اللوبى الصهيونى فى واشنطن، فهى تنظر إلى كل التفاصيل بعين «أمن إسرائيل» حسب تصورها عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط، سواء كان هذا التصور ينسجم مع الواقع أو لا ينسجم ويصعب فرضه، فلن يكفيها ضبط البرنامج النووى، بل تريد أن تضمن ابتعاده تمامًا عن أى قدرة تهديدية فى المستقبل!
وإذا تحركت المفاوضات خطوات إيجابية، سرعان ما تصل إلى قلب التوتر الحقيقى، هنا يختفى أى كلام عن التقنية ويحتل الصراع السياسى المشهد كاملا، أولا العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، وإيران لا تعتبرها ضغطًا اقتصاديًا، بل مسألة كرامة وطنية، وستريد رفعها فى أقرب وقت لتنعكس نتائج هذا الرفع على الواقع الداخلى، لكن أمريكا لا يمكن أن تتخلى عنها بسهولة، قد تفعلها تدريجيًا حسب تطور تنفيذ الاتفاق على أرض الواقع، لتظل أداة ضغط أساسية فى يدها.
أما إسرائيل فهى ستكون خميرة العكننة، وستراقب بحذر خشية أن يؤدى أى اتفاق إلى تعزيز قدرات إيران، وستطلب آلية مراقبة صارمة تضمن عدم حدوث ذلك.
وحتى لو تجاوزت الأطراف هذه العقبات بطريقة أو بأخرى، ستظهر اللحظة الأكثر هشاشة فى العملية كلها، عندما تتحول الوعود إلى أفعال، فكل طرف سيطلب من الطرف الثانى أن يبدأ بالخطوة الأولى، وهنا الأزمة، لأن كل خطوة لها تكاليف سياسية داخلية، قد تفسر كضعف أو تنازل مجانى.
قطعًا لا ترغب إيران فى تقليص برنامجها النووى قبل أن ترى أثرًا حقيقيًا لرفع العقوبات وضمانات عدم تكرار الهجوم عليها، والولايات المتحدة لن تقبل بسهولة أن تقدم ضمانات -أية ضمانات- قبل أن تتحقق ميدانيًا من التزام إيران بالشروط المتفق عليها، وهذا التردد المتبادل يمكن أن تلعب إسرائيل فيه بما اعتادت عليه لإعادة الموقف إلى حالة التربص والعداء، أو على الأقل تحويله إلى أزمة يمكن أن تتفاقم تدريجيًا، فإسرائيل تعيش على العدوانية والحرب والتوتر لا السلام، وهى وسائلها إلى تحقيق حلم إعادة تشكيل الشرق الأوسط.
ومع ذلك، لا تتوقف المفاوضات عند هذه العقدة، بل تمتد إلى ملفات أكثر حساسية، حيث تتداخل مفاهيم الأمن والسيادة والنفوذ، على سبيل المثال لا ترى إيران برنامجها الصاروخى، خاصة بعد أن أثبت فاعليته فى الحرب الحالية، مجرد سلاح بل جزء من منظومة ردع توفر لها قدرات يعمل لها ألف حساب عند أى عدوان عليها أو مفاوضات تدخلها، بينما يُنظر إليه من الأمريكان كتهديد مباشر إلى إسرائيل وحلفائها، وتعتبره إسرائيل خطرًا محلقًا فى سمائها فى أى وقت.
ومن الصواريخ البالستية إلى الدور الإقليمى، الذى لا يمكن فصله عن شبكة التحالفات والتوازنات، وهو يحتاج إلى لغة تفاوضية لغة أكثر دقة لتكون مقبولة، كأن يستبدل بالحديث عن نزع النفوذ الإقليمى وإنهائه إلى الحديث عن ضبط هذا النفوذ وتقليل تأثيره، فى محاولة للتوصل إلى صيغة لا تظهر أى طرف بمظهر الخاسر.
فى الخلفية أيضًا سينال الوجود العسكرى الأمريكى مساحة حاضرة بقوة فى الحسابات، ليس كقوة مادية على الأرض، بل كرمز أكبر للتوازن، خاصة بعد الاعتداءات على دول الخليج العربية وغلق مضيق هرمز، ولن تقبل الولايات المتحدة تقليصه بأى شكل من الأشكال، بل ستعمل على وجوده بما يضمن دوام حرية الملاحة فى المضيق.
وشىء طبيعى جدًا أن تفكر إيران فى ضمانات دولية بغض النظر عن توقيع أمريكا وإسرائيل على أية تعهدات، فالضمانات الدولية عنصر أساسيى، ليس فقط لإكساب الاتفاق الشرعية بل لجعل المجتمع الدولى طرفًا فيه لتكون كلفة الانسحاب منه عالية.
باختصار لا تعود النقاط الخمس عشرة التى تسرب عنها كلام عام دون تفاصيل مجرد قائمة بنود، بل هى بالضرورة مسار معقد يبدأ بخطوات صغيرة لبناء الثقة، ثم تعبر أرض ملغمًا بقضايا حرجة قد تنفجر فى أى وقت، قبل أن تصل المفاوضات إلى نقطة توازن مقبولة من الأطراف، وكما قلت هناك لحظة فاصلة حاسمة ستكون البوابة إلى نجاح الاتفاق، وهى لحظة اتخاذ الخطوة الأولى، لأنها لحظة السؤال الأصعب فى الصراع، من سيبدأ، وكيف يفعلها دون أن يبدو وكأنه خاسر!
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



