الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

تطور مشهد الصراع المسلح بين إيران وإسرائيل منذ بداية سنة 2026، من مواجهة متقطعة إلى حرب أوسع نطاقًا.. بدأت فى 28 فبراير 2026 بهجوم واسع نفذته الولايات المتحدة وإسرائيل على مواقع داخل إيران. وتلا ذلك تصعيدات متبادلة متعددة الجبهات تشمل: ضربات صاروخية، وهجمات بطائرات مسيرة، واستهداف قواعد عسكرية موزعة فى المنطقة. الأزمة لا تعبر فقط عن مجرد مواجهة عسكرية، بل عما حدث من تحول فى ميكانزيم القوة الإقليمية واندماجها مع أبعاد طائفية ودينية، وحالة استقطاب ثقافى واجتماعى.. على خلفية إعادة ترسيم التحالفات الدولية فى الشرق الأوسط.


انفجار عسكرى متبادل..


فى 28 فبراير 2026، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل حملة من الضربات الجوية  والبحرية على أهداف عسكرية وإدارية فى طهران والعديد من الأهداف الاستراتيجية الإيرانية فيما أُطلق عليه حملة مشتركة.. تضمنت تفجير مواقع للقيادة العليا، مما أدى إلى مقتل عدد من كبار القادة العسكريين الإيرانيين. 


استهدفت طهران مواقع إسرائيلية.. بقصف صاروخى موسع. وأطلقت موجات متتالية من الصواريخ على القواعد الأمريكية فى الخليج. واستهدفت مطار بن جوريون فى إسرائيل بطائرات مسيرة من نوع «أرش 2» يمتد مداها إلى نحو 2000 كلم. كما شهدت الحرب.. ضربات متبادلة للبنية التحتية واللوجستية النفطية، إذ أعلن الحرس الثورى الإيرانى عن ضرب مصفاة حيفا النفطية، بينما استهدفت إسرائيل خزانات وقود فى إيران، مما يؤكد أن اتجاه الصراع.. شمل تبعات اقتصادية استراتيجية. 


صاحب قرار الحرب..


لا يزال الصراع ممتدًا لأكثر من ثلاثة أسابيع مع استمرار إطلاق الصواريخ على مناطق متعددة داخل الأراضى الإسرائيلية.. فى مقدمتها تل أبيب، حيث أدت الضربات إلى إصابات وخسائر ضخمة، بينما واصلت إسرائيل.. ضرب مواقع تابعة لحلفاء إيران ووكلائها فى لبنان.. خاصة مواقع حزب الله ومراكزه. وتزامن مع هذه العمليات.. محاولات إدارة للقتال ضمن حدود معينة تجنبًا لانفجار إقليمى شامل متعدد الأطراف، وهو ما يشير إلى نمط صراع جديد غير تقليدى فى الإقليم.


القرار العسكرى الأول لإطلاق النار فى هذا الصراع.. بيد إسرائيل والولايات المتحدة، وهو ما دعم عملياتهما العسكرية فى الضربات ضد إيران عبر عمليات متنوعة جوية وصاروخية مشتركة. وهو ما جعل إسرائيل.. لاعبًا مركزيًا فى إدارة قواعد الحرب على إيران، بينما ظلت الولايات المتحدة الأمريكية تمدها بدعم لوجستى واستراتيجى مستمر. 


فى هذا السياق، فإن الولايات المتحدة الأمريكية.. ليست مجرد طرف تقليدى مساند وداعم، بل تشكل شريك قرار استراتيجى فى اتساع نطاق المواجهة أو احتوائها. ولذا نجد أن القرارات الأمريكية المتعلقة بتفعيل أو تأجيل العمليات العسكرية ضد بنية الطاقة الإيرانية.. حسبما أعلن مؤخرًا الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الذى وصف المفاوضات مع إيران بأنها منتجة للغاية.. تعكس قدرة واضحة للولايات المتحدة على تحديد مسار المواجهة خلال الأيام القليلة المقبلة. 
مفترق قرار الحرب..


تمتلك إسرائيل القدرة على اتخاذ إجراءات مستقلة فى ميدان الحرب، خاصة ضد أهداف داخل الأراضى الإيرانية وباستخدام تقنياتها العسكرية المتقدمة، ولكن.. يظل وجود الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانبها.. خاصة فى مجال إمدادها بالمعلومات الاستخباراتية والأسلحة الاستراتيجية، يضعها فى موقع اتخاذ قرار مشترك مع البيت الأبيض فى مراحل التصعيد المتتالية.


لا يبدو فى هذه الحرب.. أن مجلس الأمن أو المنظمات الدولية والأممية.. سيكون لها  دور حقيقي مؤثر فى توجيه أو احتواء الحرب، بخلاف دعوات بعض دول العالم للخروج من المواجهة.. بعيدًا عن قرارات القوى الإقليمية الكبرى والتحالفات العسكرية بين الدول الكبرى.


منزلقات الاستقطاب الطائفى..


تحفل الحرب الإيرانية بخلاف النزاعات التقليدية بين الدول العابرة للهويات.. بعناصر طائفية تنعكس فى دعم جماعات مسلحة تربطها إيران بمعتقدات أهل الشيعة فى المنطقة، فى مقابل تحالفات غالبًا ما تكون ضمن سياقات دينية أو قومية أو عرقية.


هذا المسار.. يعزز احتمالية أن تتحول المواجهة من صراع دولة فى مواجهة دولة إلى صراع طائفى ممتد.. يدفع جهات وسيطة للانخراط بشكل مستقل فى ساحة الحرب، مما يزيد من تعقيد مشهد إدارة الصراع ومن عدم القدرة على تكلفة التحكم فى عدم اتساع دائرة الحرب.


الصراع الطائفى هنا.. يساعد فى إعادة إنتاج هويات التحالفات حيث يصبح الدعم العسكرى والسياسى مرتبطًا بمنظومة الانتماءات المذهبية.. مما يسهم فى تثبيت فجوة الانقسام وإطالة أمد النزاع. ومع تدخل الميليشيات وحلفاء إيران وموالاتها من جانب، وتنشيط جماعات أخرى من أصحاب الهويات الدينية والإثنية من جانب آخر، فضلًا عن احتمالية توسع خطر انحراف الصراع إلى حرب متعددة الجبهات التى تستقطب.. دولًا أخرى إلى دوامة التصعيد، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريوهات.. تتجاوز إطار المواجهة المدمجة بين إيران وإسرائيل إلى صراع إقليمى طائفى غير قابل للسيطرة عليه.


تديين علاقات الإقليم..


أحد أهم مناحى الحرب الإيرانية.. هو ما يحدث من تديين للعلاقات الدولية من خلال ارتباط القضايا السياسية والدبلوماسية بالعوامل العقائدية والدينية. وهنا تصبح الولاءات والتحالفات مرتبطة بمعتقدات متجذرة. وهو ما يمثل نوعًا من الصراع له ملامح القوة.. ليس فقط على أساس جغرافى أو مصالح وطنية، بل بناء على مظاهر تمركزات جيوسياسية تحت مظلة دينية وتمييز طائفى.


تديين العلاقات الدولية.. أدى إلى ظهور نمط جديد من التحالفات غير المستقرة. دول ترى فى إيران حليفًا استراتيجيًا لقوة المقاومة. ودول تتماهى مع إسرائيل لأسباب تتعلق بالأمن القومى والاستقرار ضد ما اعتبروه تهديدات استراتيجية. ومن الطبيعى بعد كل ما سبق، أن يكون الصراع ليس مجرد توتر بين دولتين، بل حالة مختلفة فى نظام دولى.. تمزقه الولاءات المذهبية والدينية.


تصعيد شامل..


لم تقتصر الحرب على القصف الجوى فقط، بل امتدت إلى ضربات مباشرة للقيادات الإيرانية وأتباعهم إلى جانب استهداف مواقع مدنية واستراتيجية، وليست عسكرية فقط.. وهو ما ترك أثرًا واضحًا على القدرات العسكرية والبنية الاجتماعية. 


إن استهداف المناطق اللوجستية للطاقة والبنية التحتية النفطية.. زاد من حدة القلق فى الأسواق العالمية، وهو ما أثر على اختلال أسعار النفط والاستقرار الاقتصادى الدولى، وهى جانب من الصراع.. تتقاطع فيه الاعتبارات العسكرية مع تحديات اقتصادية عابرة للحدود. كما أن امتداد الهجمات الإيرانية إلى القواعد العسكرية البريطانية والأمريكية فى الخليج، ومواصلة طهران إطلاق الحملات الصاروخية على إسرائيل.. يؤكد على نقل الصراع من كونه صراع ثنائى إلى مواجهة تشمل استقطاب واستفزاز أطراف إقليمية ودولية أخرى جديدة.


مخاطر غير عسكرية..


تمسك الدولة المصرية بمواقفها التى تحكمها الحكمة العسكرية والعقلانية الوطنية.. تؤكد على تجنب أى تهديد عسكرى مباشر فى ظل تصاعد وتيرة الحرب. ورغم أن الحرب تدور على 


مسرح دولى واسع، فإنه لا يشمل مباشرة الحدود المصرية أو أهدافًا محورية داخل الأراضى 


المصرية.


وتبقى احتمالات التأثير غير المباشرة على مصر.. تتحدد فى ارتفاع أسعار الوقود والطاقة عالميًا، والتأثير على حركة التجارة فى البحر الأحمر وقناة السويس، وتصاعد الاضطرابات الاقتصادية الناتجة عن عدم الاستقرار الإقليمى.


توقعات شبه مرئية..


تحليل مشهد الحرب الآن، يشير إلى عدد من التوقعات. 


أولها دخول المواجهة لذروتها من خلال تدخلات عسكرية متجددة من أطراف الحرب، وزيادة حدة الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة، واتساع رقعة العمليات فى المناطق الاستراتيجية. 


وثانيها تصعيد الأبعاد الاقتصادية والدبلوماسية من خلال الضغوط الدولية لوضع حد للعمليات العسكرية، والمحاولات الدبلوماسية للتفاوض، ومحاولات تحجيم التصعيد على أرض الحرب بسبب التبعات الاقتصادية.


وثالثها المفترق الاستراتيجى سواء بالتهدئة النسبية وتجميد الصراع عبر الجهود والوساطة الدولية، أو بالتصعيد كرد فعل على الضربات الاستراتيجية. 
ويظل التوقع الأقرب والمرجح.. هو تهدئة مشروطة مع استمرار أحادى الجانب للعمليات المتقطعة فى حالة عدم حدوث ضربة فاصلة مفاجِئة تؤدى إلى اتساع كامل لرقعة الصراع.


نقطة ومن أول السطر..


تمثل الحرب الإيرانية – الإسرائيلية.. نموذجًا معقدًا للصراعات العسكرية المعاصرة التى تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الطائفية والدينية والتحالفات الدولية والاقتصاد العالمى. الحرب الحالية.. تدار ضمن فواصل دقيقة، تبدو وكأنها على حافة الانفجار. انفجار.. يمثل تهديدًا واسعًا للاستقرار الإقليمى.. بينما تظل مصر خارج نطاق التهديد العسكرى المباشر، وإن كانت فى مرمى.. لتداعيات غير مباشرة تتجاوز حدود العمليات العسكرية إلى المجال السياسى والاقتصادى.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط