الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

عندما نتحدث عن الجيش المصري يجب أن ندرك جيدا أن الحديث هنا ليس عن قوةٍ عسكرية فقط، بل عن مؤسسة وطنية كبرى تشكل أحد أهم أعمدة الدولة المصرية، وحائطها الصلب في لحظات الخطر، وركيزتها الأساسية في حماية الأمن القومي داخل الحدود وخارجها، لهذا، فإن أي نقاش حول عقيدة الجيش المصري في التدخل العسكري خارج حدوده يجب أن يبدأ من حقيقة ثابتة، وهي أن الجيش المصري ليس جيشًا عدوانيًا، ولا تحكمه نزعات المغامرة، بل تحكمه عقيدة راسخة قوامها الشرف العسكري، والانضباط، وحماية الدولة، وصون مقدرات الشعب.

 

عقيدة الجيش المصري عبر تاريخه لم تُبنَ على التوسع ولا على فرض النفوذ، بل بُنيت على الدفاع، والردع، وحماية الأمن القومي المصري والعربي عندما تقتضي الضرورة، وهذه نقطة جوهرية تميز المؤسسة العسكرية المصرية، إذ إن القوة فيها ليست وسيلة استعراض، بل أداة مسؤولية، والقرار العسكري المصري ليس قرارًا متسرعًا أو عاطفيًا، بل قرار دولة تعرف جيدًا متى تتحرك، ولماذا تتحرك، وكيف تتحرك.

 

من هنا، فإن أي تدخل عسكري مصري خارج الحدود لا يُفهم أبدًا باعتباره رغبة في الحرب، بل باعتباره امتدادًا طبيعيًا لعقيدة استراتيجية ترى أن أمن مصر لا ينفصل عن محيطها، وأن التهديدات الكبرى لا يجب انتظارها حتى تصل إلى الداخل. فالدولة المصرية، بما لها من موقع جغرافي وتاريخ سياسي وثقل إقليمي، تدرك أن حماية الوطن قد تبدأ أحيانًا من خارج خطوطه المباشرة، عندما يصبح الخطر قريبًا من دوائر الأمن القومي أو من المصالح الحيوية التي تمس استقرار البلاد.

 

والجيش المصري، في هذا الإطار، يقدم نموذجًا مختلفًا عن كثير من الجيوش في المنطقة، فهو جيش وطني بالمعنى الكامل للكلمة، جيش دولة لا جيش جماعة، جيش مؤسسة لا جيش انفعال، جيش يعرف قيمة الأرض كما يعرف قيمة القرار، لذلك ظل على الدوام مرتبطًا بفكرة الاتزان، فلا يندفع تحت ضغط الشعارات، ولا يتراجع حين تُمس الثوابت. وهذه المعادلة بالذات هي التي صنعت له مكانة استثنائية في وجدان المصريين وفي حسابات الإقليم.

 

قوة الجيش المصري الحقيقية لا تكمن فقط في تسليحه أو عدده أو جاهزيته، رغم أهمية كل ذلك، بل تكمن قبل كل شيء في عقيدته، عقيدة تعتبر أن حماية الدولة مسؤولية مقدسة، وأن السلاح لا يُستخدم إلا حين يصبح الاستخدام واجبًا، وأن الدم المصري عزيز فلا يُدفع إلا في معركة مفروضة تفرضها ضرورات الأمن القومي ومقتضيات الدفاع عن الوطن. ولهذا ظل الجيش المصري، في نظر شعبه، عنوانًا للثقة والطمأنينة، لا مصدرًا للقلق أو الاضطراب.

 

ولعل ما يمنح هذه العقيدة احترامها الكبير هو أنها تمزج بين الحسم والحكمة، فالجيش المصري قادر، لكنه لا يلوّح كثيرًا.. قوي، لكنه لا يتهور.. حاضر، لكنه لا ينجرف إلى استعراض مجاني للقوة، وهذه ليست علامات تردد كما يظن البعض، بل علامات نضج دولة عظيمة ومؤسسة عسكرية محترفة تعرف أن القوة الحقيقية ليست في كثرة الحركة، بل في دقة التوقيت، وفي أن تكون الرسالة واضحة وهي أن مصر لا تعتدي، لكنها لا تسمح بالمساس بأمنها ولا بأمن دوائرها الحيوية.

 

وعندما يضطر الجيش المصري إلى التحرك خارج الحدود، فإنه يتحرك من منطلق وطني وقومي وأخلاقي، محمولًا على تاريخ طويل من الانحياز لاستقرار الدول، ورفض الفوضى، ومواجهة التهديدات التي تهدد توازن المنطقة بأكملها. فهو جيش نشأ على معنى الواجب، لا على شهوة الحرب، وعلى معنى الحماية، لا على منطق الهيمنة، ولهذا يحظى باحترام واسع، لأن صورته لم تُبنَ على الدعاية وحدها، بل على تاريخ من التضحيات والانضباط والالتزام.

 

يمكن القول بكل ثقة إن عقيدة الجيش المصري في أي تدخل عسكري خارج حدوده هي انعكاس مباشر لعقيدة الدولة المصرية نفسها، دولة قوية، لكنها رشيدة، قادرة، لكنها مسؤولة، تعرف متى تصبر، ومتى تحذر، ومتى تتحرك، ولذلك فإن الجيش المصري سيظل، في وعي المصريين، ليس فقط درع الوطن، بل عنوان كرامته وهيبته، ورمزًا لمؤسسة تعرف أن القوة الحقيقية لا تُقاس فقط بما تملكه من سلاح، بل بما تملكه من شرف وانضباط وحكمة.

تم نسخ الرابط