62 عامًا من السكينة.. هؤلاء هم "سفراء المصحف" الذين طمأنوا قلوبنا عبر أثير إذاعة القرآن الكريم
"هنا القاهرة".. عبارة لم تكن مجرد شارة انطلاق لبث إذاعي في تمام السادسة من صباح 25 مارس 1964، بل كانت إعلاناً عن ميلاد "الحصن الحصين" لكتاب الله. واليوم، ومع إتمامها 62 عاماً من العطاء، نستعرض قصة المحطة التي بدأت بمعركة "إنقاذ المصحف" من التحريف، لتتحول إلى أكبر مدرسة عالمية لتقديم "حناجر الذهب" التي طوعت القلوب قبل الآذان.
يعود الفضل في فكرة التأسيس إلى أوائل الستينيات، حين انتشرت طبعات محرفة من المصحف الشريف حُذفت منها كلمة «غير» في الآية 85 من سورة آل عمران، ليتحول المعنى إلى نقيضه تماماً. ومن هنا جاء القرار التاريخي لتوثيق القرآن صوتياً من قبل وزارة الأوقاف؛ فكانت البداية بتسجيل المصحف المرتل بصوت الشيخ محمود خليل الحصري، لتكون الإذاعة هي المرجع الأطهر والأمضى في مواجهة التزييف وتوثيق آيات الذكر الحكيم.
وعلى مدار ستة عقود، ارتبط وجدان الملايين بأصوات صبغت صباحات العالم الإسلامي بالخشوع، ولعل أبرز هؤلاء العمالقة الذين تربعوا على عرش الأثير:
الشيخ محمد رفعت

يعد "قيثارة السماء" والصوت الباكي الذي افتتح بث الإذاعة المصرية عام 1934 بسورة مريم. ولد في حي المغربلين بالقاهرة وفقد بصره صغيراً، لكنه نال شهرة واسعة ومحبة جارفة من الملوك والبسطاء على حد سواء. وصفه الشيخ الشعراوي بأنه "جامع المزايا"؛ ففيه أحكام الحصري، وحلاوة عبد الباسط، ونفس مصطفى إسماعيل، ليرحل عن عالمنا عام 1950 تاركاً بصمة لا تُنسى.
الشيخ عبد الباسط عبد الصمد

لُقب بـ "صوت مكة"، وهو ابن محافظة قنا الذي دخل الإذاعة المصرية عام 1951 ليتحول إلى ظاهرة عالمية. جاب مشارق الأرض ومغاربها حاملاً رسالة القرآن، ونال أرفع الأوسمة من سوريا ولبنان وماليزيا، وكرمه الرئيس الأسبق حسني مبارك عام 1987. ظل صوته الصداح يملأ الآفاق حتى رحيله عام 1988 متأثراً بمضاعفات مرض السكري.
الشيخ محمود خليل الحصري

المعلم الأول وابن محافظة الفيوم، الذي كان أول من سجل المصحف المرتل برواية حفص عن عاصم في التاريخ. تميز بأدائه المنضبط وعذوبة صوته، وكان ترتيبه الأول في امتحان الإذاعة عام 1944. نادى بإنشاء نقابة للقراء لضمان رفعة أهل القرآن، وأوصى في خاتمة حياته بثلث أمواله لخدمة كتاب الله وحفاظه قبل وفاته عام 1980.
الشيخ محمود علي البنا

"سفير القرآن" وابن محافظة المنوفية، الذي التحق بالإذاعة عام 1948 وكانت أولى تلاواته على الهواء من سورة "هود". عُرف بمواقفه المناضلة لإنشاء نقابة القراء واختير نائباً للنقيب عام 1984. طاف دول العالم حاملاً رسالة المصحف، ومنحه الرئيس الأسبق حسني مبارك وسام العلوم والفنون عام 1990 تقديراً لمسيرته الحافلة.
الشيخ سيد النقشبندي

أستاذ المداحين وصاحب المدرسة المتفردة في الابتهالات والإنشاد الديني. ولد في الدقهلية ودخل الإذاعة عام 1967، ليترك ثروة من الأناشيد والابتهالات التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من التراث الروحي المصري. تميز بصوته القوي القادر على بلوغ طبقات عالية من الخشوع والتأثير، ورحل بشكل مفاجئ عام 1976 تاركاً إرثاً يتردد صداه حتى اليوم.
الشيخ محمد صديق المنشاوي

رائد المدرسة الشجية و"الصوت الباكي" الذي أتم حفظ القرآن في الثامنة من عمره بسوهاج. تميز بأسلوب حزين وفريد في التلاوة جعل القلوب تخشع لآيات الله. سجل الختمة القرآنية المرتلة والمجودة بالإذاعة المصرية، وحصل على أوسمة رفيعة من دول عدة، ليرحل عن عالمنا عام 1966 تاركاً مدرسة فريدة في فن التلاوة.
اليوم، وفي ذكراها الثانية والستين، لم تعد إذاعة القرآن الكريم مجرد محطة، بل أصبحت هوية مصرية بامتياز ورسالة سلام للعالم أجمع، مؤكدة أن "صوت الحق" الذي انطلق من القاهرة سيظل دائماً المنارة التي تضيء العقول وتطمئن القلوب.






