يبقى حضور الإرادة السياسية إلى عالم الثقافة والفنون في ظل التوتر الكبير والتهديدات التي تضرب مستقبل المنطقة العربية ومحيطها الإقليمي أمراً مثيراً للاهتمام والتقدير، معبراً عن رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي لمستقبل مصر، وهي رؤية واثقة في حكمة الدولة المصرية واختيارها للتنمية المستدامة والحفاظ على وحدة الوطن وسلامة أراضيه، بعيداً عن المغامرات غير المحسوبة في عالم مضطرب تسوده صراعات ضد الإنسانية، وكضرورة لبقاء وعيش البشر المشترك في عالم ينفي الآخر ويقتله ويسعى للمصلحة العمياء المجردة عبر القوة المفرطة المناهضة لأي معنى عقلاني أو عقائدي لأسباب الصراعات الإنسانية.
وهكذا يأتي حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي معبراً عن رؤية ترى ضرورة الخروج من تلك الحرب الطاحنة بدون فقد لجوهر مصر، ألا وهو إنسانيتها كأول حضارة في التاريخ وبينما تدق طبول الحرب يأتي صوت الثقة في الله وفي مصر يتحدث عن مستقبلها وحاضرها ممثلاً في علامة مصر الحضارية ألا وهي الإبداع.
إذ يمكنني تأمل ما جاء نصاً صادراً من إرادة سياسية قوية وقادرة، تأملا يبتعد بعيداً عن التأويلات المتعددة التي علقت على تلك الإشارة رفيعة المستوى.
إذ قال الرئيس السيسي:
"أريد أن تتحول مصر إلى دولة الفنون والإبداع، حيث يكون للإبداع دوره المحوري في صناعة المستقبل وصياغة الهوية".
كما أضاف الرئيس:
"الإبداع المصري لن يظل حكراً على أحد، بل هو ملك لكل من يسعى لبناء حاضر وطنه ومستقبل أجياله".
ولعل حضور الإرادة السياسية المعلن بوضوح من رأس الدولة المصرية بمثابة باب كبير للأمل ورسالة واضحة تقول للمبدعين المصريين أنتم في عقل وضمير الدولة المصرية، وهي الرسالة التي شغلت اهتمام كل الحالمين بمستقبل أفضل لمصر.
وفي هذا الاتجاه تابعت ردود الأفعال الصادرة عن المسؤولين الرسميين عن الثقافة والفنون، والاستقبال الحافل لعدد كبير من الكتاب والفنانين كرد فعل فوري وسريع لرسالة الرئيس، بينما في تقديري تحتاج تلك الرسالة إلى تأمل أعمق لمضمونها ودلالاتها المتعددة.
إذ يأتي هذا الحضور للإرادة السياسية معبراً عن قراءة للواقع تعبر عن إرادة الشعب المصري، الذي لا يزال يلحظ انفصالاً مستمراً للدراما التليفزيونية عن الآمال والآلام المصرية، وعن قراءة الواقع، وعن السعي لتحسين وجهه العام.
كما تأتي أيضاً في ضوء تفهم مؤسسي لضرورة العمل التكاملي التراكمي للمؤسسات الثقافية والإبداعية المتعددة.
ولذلك فأول ما يؤدي إلى الدوران حول النقطة الأولى وهي ضرورة الإصلاح والعودة في دولة الفنون، هو ردود الأفعال الاختزالية التي تؤدي إلى ضبابية في الرؤية والعمل.
ولذلك فيجب حقاً التمهل والتأمل والعمل على تكاملية الرؤى والأدوار، والتي تتناقض أحياناً من أجل التكامل، إذ يأتي المسرح المدرسي والجامعي على سبيل المثال في دائرة اختصاص تتناقض مع المساحات التاريخية للفرق المسرحية والبيوت الفنية الرسمية، بل وتتناقض مع الهواة المسرحيين في الهيئة العامة لقصور الثقافة على سبيل المثال، وعدم إدراك ذلك يأتي تحت تراكم لسنوات عملت فيها تلك الدوائر والمؤسسات الرسمية خارج قرارات الإنشاء والتأسيس وخارج أدوارها التي يجب عليها القيام بها.
ويصبح المطلوب منا الآن هو المراجعة المخلصة للسنوات التي تراجع الإبداع، والوقوف على الأسباب الموضوعية، وهي أسباب تراكمية تاريخية مرتبطة بغياب فكرة فهم التضاد بين أدوار الهواة والتعليم والتشجيع والاكتشاف، وبين الاحتراف المسرحي كمكون رئيس في عالم الصناعات الإبداعية، وما سبق الإشارة إليه عبر التخصيص بالمسرح كمثال تطبيقي ينسحب على كل المجالات الإبداعية الأخرى على تعددها وتنوعها المصري الثري.
وفي هذا الإطار حدث ولا حرج عن الدراسات والرؤى والخطط والمؤتمرات واللجان التي اجتمعت وأوصت وحللت ما يحدث، إلا أن الدور التنفيذي لمديري الإنتاج في كل القطاعات في المؤسسات ذات الصلة، وفي امتداداها في المجتمع المدني يبقى هو صاحب القرار في الحفاظ على المصالح الصغيرة والحضور الدائم الملح المتكرر والمكاسب المالية الكبيرة لمجموعة بعينها، ذات صلة بمجموعات مصالح تنفيذية تستخدم الإجراءات القانونية والترتيبات الإجرائية الحكومية للبيروقراطية المصرية التي لها كما عليها، استخداماً يؤطر للولاءات الخاصة لمجموعات المصالح الضيقة الكثيرة والمتضامنة في كل دوائر العمل التنفيذي الثقافي والإبداعي في مصر الحبيبة إذ تبقى تلك البيروقراطية شاهدة بلا شك وقادرة عبر مراجعة دفاترها على رصد كم الانحياز للمصالح الصغيرة في دوائر الإنتاج الإبداعي والثقافي والإعلامي التنفيذي القادر على الفعل، لا على صياغة رؤى وأفكار نظرية فقط.
إنها المسافة الشاسعة بين من يفكر ويخطط، وبين من يقوم بتنفيذ تلك الخطط والأفكار، مما يدفع لأن تظل الدائرة العبثية قائمة بين الفكرة والفعل، بين وفرة المبدعين المصريين وقدراتهم، وبين هؤلاء أنصاف الفنانين وأشباههم الذي يحتكرون الفضاء العام الإبداعي في مصر، ثم يبقون يثرثرون حول ضعف الموارد المالية، وعن سعيهم لتوفير موارد ذاتية بعيداً عن الميزانية العامة للدولة، بل ويساهمون بوعي أو بغير وعي في تبديد الميزانية المتاحة التي توفرها الحكومة المصرية في موازنتها العامة السنوية.
ويبقون يبررون بخجل مصطنع اضطرارهم للعمل الاحترافي خارج مصر من أجل توفير موارد مالية لهم كي يستطيعوا الاستمرار في العمل العام.
بينما يبقى هؤلاء يديرون الإنتاج التنفيذي المصري ويقيدون حيويته، ثم يطيرون لحصد الأرباح المالية الكبرى في المراكز المحيطة الناشئة حولنا.
وذلك لصالح تراجع الدور المحوري المصري في الإبداع الثقافة والفنون، والذي لا يزال حياً كبيراً قادراً رغم كل الظروف الموضوعية التي سعت لتراجعه والحلول محله، إذ تبقى مصر الكبيرة أكثر اقتداراً من كل التفاصيل الصغيرة.



