فى لحظة بدت وكأنها مقتطعة من زمن الحروب الكبرى، جلس العالم مترقبًا، عيون شاخصة نحو الشاشات، وساعات تُقاوم النعاس حتى فجر الخميس؛ انتظارًا لما سيقوله ترامب. لم يكن خطابًا عاديًا؛ بل كان أقرب إلى «بيان مصير»، علَّ كلماته تحمل بارقة أمل تُطفئ نيران حرب تتسع دوائرها. لكن ما خرج من بين سطور الخطاب لم يكن وعدًا بالسلام؛ بل إشارات صريحة إلى أن طبول الحرب لم تبلغ ذروتها بعد.
الحقيقة التى تجاهلها بعض المتفائلين- أو ربما آثروا تجاهلها- أن دولة بحجم الولايات المتحدة، دفعت بما يقارب خمسين ألف جندى، مدعومين بغواصات شبحية وحاملات طائرات عملاقة، إلى قلب المنطقة، لا تفعل ذلك من أجل استعراض عابر أو رسالة رمزية. هذا الحشد العسكرى الكثيف لم يكن إلاّ تمهيدًا لمرحلة أكثر خشونة، تكشف عن رؤية إدارة ترامب، المتقاطعة بوضوح مع الرغبة الإسرائيلية فى المضى بالحرب إلى أبعد مدى ممكن.
فى خطابه، بدا ترامب أكثر تشددًا، وأقرب إلى لغة الإنذار منه إلى خطاب رجل دولة يبحث عن مَخرج دبلوماسى. تهديده الصريح بتدمير ما تبقى من إيران، وإعادتها إلى «العصر الحجرى»، لم يكن مجرد زلة لسان أو مبالغة خطابية؛ بل يحمل دلالات عميقة. إنها لغة تُستخدَم عادة لتهيئة الرأى العام لمرحلة جديدة، ربما تتجاوز الضربات المحدودة إلى ما هو أخطر. توسيع العمليات العسكرية، وربما فتح الباب أمام سيناريو التدخل البرى.
وهنا؛ تتبدد أوهام أولئك الذين عوّلوا على القنوات الدبلوماسية، أو ظنوا أن الوساطات الدولية قد تنجح فى خَلق نقطة تلاقٍ بين واشنطن وطهران. فالواقع كما يكشفه الخطاب يؤكد أن الفجوة بين الطرفين لا تزال سحيقة. مَطالب أمريكية تُوصَف بأنها قاسية إلى حد الإذلال، فى مقابل تشدد إيرانى مُعلن، يرفض التنازل تحت الضغط. وبين هذا وذاك؛ تتآكل فرص الوصول إلى تسوية تحفظ ماء وجه الجميع.
ما أعلنه ترامب، بشكل غير مباشر، هو الانتقال إلى استراتيجية «التفاوض تحت النار»؛ حيث تُستخدَم القوة العسكرية كأداة لكسر إرادة الخصم، ودفعه إلى القبول بشروط المنتصر. إنها مقاربة تعيد إلى الأذهان نماذج تاريخية، أثبتت أنّ القوة قد تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها نادرًا ما تصنع سلامًا مستدامًا.
الأخطر فى هذا السياق؛ أن ترامب يبدو غير معنىّ- على الأقل فى خطابه- بفاتورة هذه الحرب، لا الاقتصادية ولا الأمنية. فالعالم الذى يترنح بالفعل تحت أعباء أزمات متلاحقة، يقف اليوم على أعتاب موجة جديدة من الاضطراب، قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود الإقليم. أسعار الطاقة، سلاسل الإمداد، والاستقرار المالى العالمى، كلها أوراق قابلة للاشتعال فى أى لحظة.
والمفارقة القاسية؛ أن الدول التى ستتحمل النصيب الأكبر من هذه الفاتورة؛ ليست بالضرورة أطرافًا مباشرة فى الصراع. إنها دول تدفع ثمَن الجغرافيا، أو ثمَن الارتباط بمنظومة دولية لم تعد تملك رفاهية الحياد الكامل. أمّا الشعوب فى كل مكان فستكتشف أن أصداء الصواريخ، وإن بدت بعيدة؛ فإن ارتداداتها تصل إلى موائدها اليومية، وأسعار معيشتها، واستقرار حياتها.
هكذا؛ لم يكن خطاب ترامب مجرد إعلان موقف؛ بل كان بمثابة «كلمة سِر» لمرحلة أكثر تعقيدًا، تُدار فيها السياسة بقبضة السلاح، ويُدفع فيها العالم- عن قصد أو عن عجز- إلى حافة اختبار جديد.
وفى اليوم الذى تصمت فيه الصواريخ، لن يكون الصمت راحة؛ بل بداية لصخب آخر، صخب الفاتورة التى سيدفعها الجميع، كلٌ بطريقته، حتى أولئك الذين تابعوا الحرب من خلف الشاشات، وعلى بُعد آلاف الكيلومترات.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



