الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

فى التاريخ القديم والحديث عشرات الأسماء لملوك وأباطرة ورؤساء وقادة، مجانين ومرضى نفسيين حكموا قوى عالمية كبرَى ففسدوا وأفسدوا ومارسوا شذوذهم العقلى ونزعاتهم المدمرة وهلاوسهم المشوَّشة، وجاءت النهايات دائمًا مأساوية سواء عليهم أو على دولهم أو على العالم كله.


وبصرف النظر عمّا إذا كان الرئيس الحالى للولايات المتحدة هو واحد من هؤلاء أمْ لا؛ فهذا أمرٌ ستثبته الأيام وسيُكتَب فيه ويُكشَف عنه الكثير.


وبصرف النظر- أيضًا- عمّا إذا كانت تلك الشخصية هى التى فرضت على العالم بمواقفها وقراراتها وخطابها واتجاهاتها العابثة المتغطرسة الدخول فى نفق مظلم جديد، أمْ أنه تم استغلالها بالكامل وإلى أقصى مدَى لتحقيق أهداف وخطط معروفة ومُعَدّة سلفًا ومن سنوات طويلة فى استراتيجية الولايات المتحدة واللوبى الصهيونى سواء للمنطقة (الشرق الأوسط الجديد) أو لموازين القوَى فى العالم (إعادة تأكيد هيمنة القطب الأوحد) بما يعنى أن «ترامب» هو فقط الشخص الأنسب لبطولة الفصل الأخير- فى تصورهم- من هذه الاستراتيجية!


بصرف النظر عن هذا كله؛ فإنه فى سياق ما يجرى الآن من كوارث حقيقية تجعل العالم يقف على أطراف أصابعه، يمكن أن نشير إلى عدة نقاط:


الأولى: إنه بخلاف ما يتصور البعض فإن تقارير صحفية ودراسات بحثية أمريكية مُعتَبَرة وضعها أساتذة موثوقون ومسئولون سابقون، ترى جميعها أن سياسات ترامب يمكن أن تؤدى إلى نهاية «الإمبراطورية الأمريكية» وأن ما يبدو أنه «ذروة القوة والسيطرة» هو فى حقيقته خلل فادح فى التقدير السياسى واستخدام القوة وفرض الإرادة والمصالح الأمريكية بأسلوب يضرب الولايات المتحدة فى مقتل؛ كونه يتجاهل مصالح وإرادات قوَى دولية أخرى يَعتبرها ميتة أو مضطرة للموافقة أو ليست فى وضع يسمح لها حاليًا برد فعل مقلق، والنتيجة- من وجهة نظر أصحاب ذلك الرأى- أن أمريكا أصبحت بالنسبة لأوروبا حليفًا كريهًا وعبئًا ثقيلاً، وبالنسبة للصين وروسيا عدوًا الصدام معه حتمىٌّ وإن كان مؤجلاً.. وأن اصطفاف الجانبين فى خندق واحد لمواجهته مسألة وقت وإن طال.


الثانية : إن الحرب المسعورة التى أشعلتها أمريكا وإسرائيل ولن تعود المنطقة بَعدها كما كانت قبلها أبدًا والتى أرى أن دول المشرق العربى هى أكبر الخاسرين فيها وهى التى ستدفع الجانب الأعظم من ثمَنها.. هذه الحرب وإن كان الشرق الأوسط هو مسرحها، وإن كان هدفها إقليميًا أن تصبح إسرائيل هى القوة السائدة والقائدة وسط دول تابعة أو مأزومة أو دويلات مقسّمة أو حتى الوصول إلى نموذج حكم مصنوع وشأنه يصل إلى حد العمالة، بما يتضمنه ذلك من ضمان تحكم أمريكى فى موارد الطاقة وممراتها؛ فإن هدفها الأهم هو إيقاف وضرب (أو على الأقل تعطيل وإزعاج) قوة الصين الصاعدة اقتصاديًا بقطع موارد النفط عنها وهى التى تستورد أغلب احتياجاتها منه لتنتج ما يقرب من ثلث إنتاج العالم وسط تقديرات تشير إلى أن حجم اقتصادها فى 2030 سيصبح الأول عالميًا متجاوزًا الولايات المتحدة لأول مرة وهو ما لا يمكن أن تسمح به القوة الأكبر فى العالم لأنه يهدد وجودها، وبالتالى فتأثيرات ما تفعله أمريكا الآن فى إيران والدول النفطية العربية ليس بعيدًا عمّا فعلته سابقًا فى فنزويلا فيما يخص انعكاساته على الصين.


النقطة الثالثة: إن العرب- للأسف- لا يتعلمون، وأظن أنه لا وقت بَعد الآن ولا درس ولا محنة أقسى مما نتعرض له، يمكن أن تجعلنا ندرك أن إسرائيل ليست صديقًا ولن تكون، وأن أمريكا ليست حليفًا ولا شريكًا ولا حتى قوة حماية ولن تكون، وأننا بالنسبة لها مجرد مسرح عمليات وقِطع شطرنج تحركها فى لعبتها مع الأمم.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط