الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

عندما تتجول فى شوارع المُدن الجزائرية، تجد نفسك فى دولة مُتطورة تمتلك بنية تحتية رائعة، وتوفر لشعبها كل ما يُمكنها توفيره من سُبل العيش الكريم، لكنك لن تجد وجودًا للعلامات الدولية المُنتشرة فى العالم، ففى الجزائر يُمكنك أن تحصل على ملابس عصرية، لكنك ستجد صعوبة فى الحصول على مُنتجات الشركات العالمية منها، ويُمكنك أن تحصل على نوعيات مُختلفة من الأطعمة، والمشروبات المُختلفة، لكنك لن تجد انتشارًا للعلامات العالمية لمطاعم الوجبات السريعة، والمشروبات الغازية، وهذا النمط الاستهلاكى رغم أنه يحد من قدرة الدولة على استقبال استثمارات أجنبية، إلا أنه يترتب عليه أيضًا عدم استنزاف موارد الدولة فى تلبية احتياجات غير أساسية، وتحويل جانب من إيراداتها كأرباح للشركات العالمية التى تُقدم نفس المُنتجات المحلية التقليدية بسمة عالمية.
 


السمة العالمية للنمط الاستهلاكى كانت أهم محاور نظام العولمة، هذا النمط الذى ربط بين انتشار الشركات العالمية التى تُقدم مُنتجات الأطعمة، والمشروبات، والملابس، وغيرها من المُنتجات، وهى فى ذلك تُفيد الدول المُستضيفة لها كمسار لاستقبال الاستثمار الأجنبى المُباشر القادر على الاستفادة من المزايا النسبية لكل دولة بما يُساعد على إدخالها فى سلاسل الإمداد العالمية، وقد انتشر هذا النمط فى دول مثل دول الخليج العربى، ومصر التى مثلت سوق كبيرة للعلامات العالمية التى تنتشر فروعها فى كل بقاع الجمهورية، وتخلق فرص العمل، وتُقدم للمواطنين مُنتجات تلقى رواجًا بينهم وتُشعرهم كأنهم يعيشون فى أوروبا أو الولايات المُتحدة الأمريكية، ولكن هذا النمط الاستهلاكى يُحمل اقتصاد الدولة أعباءً ضخمة من العملات الأجنبية التى تُقدم كأرباح لتلك العلامات العالمية، وتواجه الدولة صعوبة شديدة فى إقناع تلك الشركات بأن تنقل جانباً من مراحل إنتاجها فى مصر، وحتى لو حدث ذلك فإنها تربطه بحصولها على تيسيرات ضخمه تُفرغ محُاولات استقطابها من الفائدة المرجوة منه فى غالب الأحوال.
 


والآن، يستقبل العالم عام 2026 فى ظل ردة واضحة عن مسارات العولمة، والتكامل الدولى، وابتعاد عن التنظيمات الدولية، وزيادة النعرات القومية، ونجد أن الولايات المُتحدة ومُنذ وصول الرئيس ترامب تُريد الحصول على ثروات العالم مُباشرة دون أن تُقدم له شركاتها أى سلع أو خدمات، لا يهتم الرئيس ترامب بأفكار السيطرة الفكرية على الشعوب، ولكنه يبحث عن الحصول على مواردها بصورة مُباشرة.
 


الرئيس ترامب يتصور أن حصوله على تلك الموارد سيحقق له السيادة على العالم، ولا يعلم أن استئثاره بالموارد، وسيطرته على العملية الاقتصادية بالقوة العسكرية، ودفعه نحو إفقار الشعوب لن يُحقق المصلحة الأمريكية. فالشركات الأمريكية المُنتشرة فى أنحاء العالم لن تجد العميل الذى يستطيع شراء مُنتجاتها، فستتراجع مبيعات أمريكا من السجائر، وأفلام السينما، وستنسحب شركاتها للوجبات السريعة من الأسواق مُحملة بمليارات الدولارات من الخسائر، لن تستطيع الشعوب الحصول على المشروبات الغازية الأمريكية، وستلجأ لبدائل محلية تكون قادرة على شرائها.
 


لقد بدا واضحًا من تبعات الحرب فى إيران، أن الدول الأكثر اندماجًا فى سلاسل الإمداد العالمية هى الأكثر تأثرًا، وهو الأمر الذى إن كان يُسبب أضرارًا مُباشرة لمواطنى تلك الدول، فإنه سيسبب أضرارًا كبرى لاحقة لكبريات الشركات العالمية التى ستخرج من الأسواق لصالح مُنتجات محلية حتى لو كانت بجودة مُختلفة.
 


النموذج الجزائرى الذى يعتمد على تقديم الاحتياجات التقليدية للمواطنين بصناعة واستثمارات محلية، أصبح نموذجًا قابلًا للانتشار. كانت هناك تجربة فى مصر أثناء إحدى حملات المُقاطعة للدفع بأحد المشروبات الغازية المحلية نحو أن تحل بديلة المُنتجات العالمية المُماثلة، وقد حقق هذا المُنتج انتشارًا كبيرًا، قبل أن يتراجع الزخم حوله مع مرور الوقت وتوافر البديل العالمى، أما إذا استمرت الحرب بما يترتب عليها من ارتفاعات كبيرة لأسعار المُنتجات الدولية، فإن ذلك سوف يُخرجها من نطاق القدرة الشرائية للمواطنين الذين سيضطرون إلى تغير نمط استهلاكهم بالتنازل عن استهلاك السلع والمُنتجات غير الضرورية، واللجوء إلى بدائل محلية كُلما أمكن، وهو الأمر الذى سيُعتبر دافعًا للتوسع فى الاستثمار المحلى المُستقل الذى سيُفضل تقديم مُنتجاته بعلامات محلية، دون حاجة لشراء تكنولوجيا وعلامات دولية تُحمل المُنتج أو الخدمه أعباء كبيرة.
 


لن تحصل دولة فى العالم على الثمار الاقتصادية وحدها حتى لو استولت على موارد العالم، فإن سلبت كل مواطنى العالم قدرتهم الشرائية، فإنه لن يستطيع أحد شراء المُنتجات، وسيعم الكساد، وستتراجع قيمة الموارد التى يتصور الرئيس ترامب أنها ستتسبب فى ثراء دولته، فلا قيمة لبترول لا يستطيع العالم شراءه، وستفلس شركات الطعام السريع الأمريكى عندما يتراجع عُملاؤها فى كل أنحاء العالم فى قدرتهم على شرائها، وسيفضل المُدخنين البدائل المحلية على السجائر الأمريكية، يجب أن يعلم الرئيس ترامب أن إدارة الاقتصاد الكلى تختلف عن إدارة الاستثمارات الخاصة، قبل أن تذهب اقتصادات العالم فى مسارات تُغير قواعد اللعبة، فلن تُجدى القوة العسكرية فى أن تُحافظ على النمط الاستهلاكى للمُنتجات الغربية، ولن تسطيع إجبار مواطنى العالم على شراء مُنتجات أمريكية لا يمتلكون أمولًا لشرائها، ولن يُجدى إجبار المُستثمرين على التصنيع فى الولايات المُتحدة الأمريكية إذا كانوا مُتيقنين أن الأسواق العالمية غير قادرة على امتصاص ما ينتجونه من مُنتجات.
 


لا أحد يستطيع الانتصار على رغبة الشعوب فى الحياة، لقد نجح الاقتصاد الإيرانى فى توفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين لسنوات رغم العُقوبات والعُزلة الدولية. ونجحت الدولة الجزائرية فى بناء نموذج تنمية ناجح بأقل قدر من الاندماج فى السوق العالمية، وهناك العديد من النماذج الدولية التى نجحت فى بناء اقتصاد يُغلب القيمة المُضافة المحلية، وفى حالة استمرار الحرب، وتغيير التوازنات المالية الدولية، وحدوث تراجع حقيقى فى القُدرة الشرائية للشعوب، فإن ذلك سيدفع تلقائيًا نحو التحول من العالمية إلى المحلية بصورة جبرية، وحتى صناعات الأسلحة التى يتباهى بها ترامب، لن تجد من يشتريها، وفى النهاية فإن الانتصار دائمًا يكون للشعوب التى ستغير نمطها الاستهلاكى، ولن يستطيع أحد سلبها الحق فى الحياة.

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط