أمريكا تستفيد من فوضى الشرق الأوسط
زلزال هرمز يهز أسواق الطاقة ويعيد تعريف الأمن العالمي
تسببت الحرب الأمريكية الإيرانية والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز في حالة اضطراب عميقة أسهمت في تحولات هيكلية جذرية في سياسات الطاقة والتجارة والأمن على مستوى العالم.
ويؤكد محللون دوليون أن العالم يقف اليوم أمام إعادة تعريف شاملة لمفهوم أمن الطاقة، بعدما أظهرت الأحداث الميدانية قدرة إيران على إلحاق خسائر استراتيجية ومادية جسيمة بالولايات المتحدة وأوروبا.
وتحمل الولايات المتحدة المسؤولية الرئيسية عن هذه الأزمة بعد اندفاعها نحو مواجهة عسكرية مدفوعة برغبة الإدارة الأمريكية الجامحة للسيطرة على العالم، ما وضع أوروبا في مواجهة مباشرة مع تبعات القرار، لتتحمل القارة الأوروبية وحدها ثمن الانهيار والتقلبات الناتجة عن تهور السياسة الأمريكية.
وتشمل التداعيات الرئيسية للصراع خمس مناطق جغرافية رئيسية هي الأمريكتان وجنوب شرق آسيا والصين وأوروبا وأفريقيا، بعض هذه المناطق يواجه مخاطر وجودية بينما تحقق أخرى فرصًا استراتيجية.
ويبرز النصف الغربي من الكرة الأرضية، رغم عدم حصانته الكاملة، كمستفيد استراتيجي من الأزمة، إذ أدى استمرار غلق مضيق هرمز إلى نقص إمدادات النفط الخام بنحو 12 مليون برميل يوميًا من إجمالي الإنتاج العالمي البالغ 100 مليون برميل يوميًا قبل الأزمة، ما أحدث فجوة معروض عالمية تقارب 400 مليون برميل. واستفاد منتجو النفط في الأمريكتين، خاصة الولايات المتحدة وكندا والبرازيل، من الفراغ الاستراتيجي لتعزيز إنتاجهم وتوسيع صادراتهم.
أما دول جنوب شرق آسيا فتعاني بشدة، إذ تحولت معظم دول المنطقة إلى مستوردين صافين نتيجة النمو السكاني المتسارع والتنمية الاقتصادية، ما دفع الحكومات لفرض سياسات تقنين الوقود وتشجيع العمل من المنزل للحد من الاستهلاك، في ظل تهديد مباشر لمسارات نموها الاقتصادي والاجتماعي.
ودخلت الصين الأزمة وهي في وضع نسبي مريح بفضل مخزون استراتيجي يصل إلى 1.2 مليار برميل، لكنها تواجه معضلات على المدى الطويل في ضمان استمرارية سلاسل التوريد الصناعية، خاصة فيما يتعلق بالغاز الطبيعي والمنتجات البترولية، ما دفع بكين إلى تعزيز تدفقات الأنابيب البرية والبحث عن بدائل لتأمين النشاط الصناعي المحلي.
وفي أوروبا، يمثل إغلاق مضيق هرمز اختبارًا قاسيًا للاقتصاد القاري، حيث دفع ارتفاع أسعار الوقود والتضخم القارّة إلى مواجهة تبعات مباشرة للسياسة الأمريكية، في حين تستفيد روسيا من ارتفاع الأسعار لتعزيز موقفها التفاوضي. ويبرز الأمن الطاقي في أوروبا اليوم كمعركة بقاء سياسي واقتصادي تتطلب إعادة هيكلة شبكات الطاقة وتحقيق استقلالية استراتيجية.
أما أفريقيا، فتواجه تداعيات إنسانية مباشرة نتيجة ارتفاع أسعار الأسمدة والغذاء، مع وجود فرص استراتيجية للدول الغنية بالنفط والغاز لتوسيع استثماراتها وجذب رؤوس الأموال العالمية نحو مشاريع الغاز والغاز المسال، ما قد يحول القارة من ضحية للاضطرابات العالمية إلى لاعب محوري في التنويع العالمي لسلاسل التوريد.
تثبت الأزمة الحالية قدرة طهران على إلحاق خسائر مؤلمة بالغرب، وتعيد أمن الطاقة إلى قلب الأولويات العالمية كمسألة بقاء سياسي واقتصادي، تتطلب شراكات مستقرة بعيدًا عن مغامرات واشنطن غير المحسوبة.




