الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

"روزاليوسف".. معارك صنعتها الريشة والكلمة وأشعلت طريق الحرية في الصحافة المصرية

فاطمه اليوسف
فاطمه اليوسف

في سجل التاريخ الصحفي المصري، تقف فاطمة اليوسف، التي اتخذت منها مجلتها اسمها الفني روزاليوسف، كواحدة من أبرز الرموز التي أعادت تشكيل العلاقة بين الصحافة والسياسة، وحوّلت الكلمة إلى أداة مقاومة أثرت في الوعي العام وأسهمت في صناعة لحظات فارقة من تاريخ مصر الحديث.

 

لم تكن “روزاليوسف” مجرد فنانة مسرح انطلقت من أضواء فرقة رمسيس بقيادة عزيز عيد، بل اختارت أن تغادر خشبة المسرح وهي في قمة مجدها لتبدأ رحلة مختلفة تمامًا، عنوانها الكلمة الحرة والصحافة الجريئة، فأسست مجلة روزاليوسف التي بدأت فنية أدبية قبل أن تتحول تدريجيًا إلى منبر سياسي شديد التأثير.

ومع تصاعد الأزمات السياسية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، دخلت المجلة معارك كبرى ضد السلطة والاحتلال البريطاني، مستخدمة الكاريكاتير والافتتاحيات النارية في مواجهة ما اعتبرته فسادًا ومهادنة، لتصبح صوتًا معارضًا لا يتردد في انتقاد الحكومات والقرارات المفصلية.

ومن أبرز تلك المواجهات معركة الدستور عقب قرار رئيس الوزراء إسماعيل صدقي إلغاء دستور 1923، حيث لعبت المجلة دورًا بارزًا في التصدي للقرار رغم ما تعرضت له من مصادرة وضغوط قضائية، لكنها واصلت نهجها النقدي بلا تراجع.

كما خاضت روزاليوسف صدامات مباشرة مع القصر الملكي والاحتلال البريطاني، مستخدمة أدوات الصحافة الساخرة لكشف ما اعتبرته ممارسات نفوذ وسيطرة على القرار السياسي، لتتحول المجلة إلى منصة مواجهة سياسية مفتوحة.

وفي واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل، لعبت المجلة دورًا في كشف قضية الأسلحة الفاسدة عقب حرب فلسطين عام 1948، عبر نشر مستندات وتقارير تحدثت عن توريد أسلحة غير صالحة للجيش المصري، وهي القضية التي أحدثت هزة سياسية كبيرة ومهدت لاحقًا لتغيرات جذرية في المشهد المصري وصولًا إلى ثورة يوليو 1952.

ولم تتوقف معارك روزاليوسف عند السياسة فقط، بل امتدت إلى الفكر والصحافة المهنية، حيث تبنت مدرسة تحريرية صارمة تؤمن بأن الصحافة سلطة رقابية لا أداة تجميل للواقع، وأسهمت في تخريج أجيال من الصحفيين والكتاب الذين تأثروا بنهجها القائم على الجرأة والاستقلالية.

كما دخلت في صدامات سياسية مع حزب الوفد رغم تقاربها السابق معه، لا سيما في فترة قيادة مصطفى النحاس باشا، مؤكدة أن ولاء الصحافة يجب أن يكون للوطن والقضية لا للأشخاص، وهو ما كلفها خسارة بعض الحلفاء السياسيين.

وفي بعد آخر من مسيرتها، خاضت روزاليوسف معركة اجتماعية مهمة لصالح المرأة المصرية، إذ لم تكتف بالدفاع عن حقوقها نظريًا، بل جسدت نموذجًا عمليًا لقيادة امرأة لمؤسسة صحفية كبرى، في وقت كانت فيه مشاركة المرأة في المجال العام محدودة، لتثبت أن الكفاءة لا تحدها اعتبارات النوع.

رحلت فاطمة اليوسف عام 1958، لكنها تركت إرثًا صحفيًا وفكريًا ممتدًا، ما زال حاضرًا في ذاكرة الصحافة المصرية والعربية، بوصفها واحدة من أبرز من حوّلوا الكلمة إلى قوة تغيير، ورسّخوا لفكرة أن الصحافة الحقيقية تولد من قلب المعركة ولا تعيش إلا بالحرية.
 

تم نسخ الرابط