الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

من أعظم المسائل الفقهيَّة حاجةً إلى تجديد المدارسة، وأكثرها احتياجًا للشعوب التى تنشد اللحمة المجتمعيَّة والوحدة الوطنية، وتسعى إلى توافق الناس على دِين يجمعهم فى مبدأ «سلامة أحدهم من لسان الآخر ويده» - مع تمايز كلِّ أحد بخصوصيَّاته التى ينفرد بها إرضاءً لربِّه، دون تمزيق الشُّعوب بالطَّائفيَّة أو الفِرَقيَّة أو الجماعاتيَّة باسم الدِّين - مسألة حكم اسم «المسلمين» لأهل الكتب السَّماويَّة السابقة، وعدم حرمانهم منه وإن لم تسع قلوبهم الإسلام الخاتم، كما هو شأنهم فى القرآن الكريم، فيكون لأهل الكتاب - ومَنْ فى حُكْمهم ممَّن لهم شبهة كتاب - حكم ما للمسلمين، وعليهم حكم ما على المسلمين بحسب مبدأ «الرِّضائيَّة» بين الجميع، والذى يُتَرجمه الدُّستور الاتِّفاقى والقوانين التَّشاركيَّة والأعراف الفطريَّة، وليس بحسب مبدأ «المغالبة» بفتاوى الأعلى صوتًا فى ادِّعائه العلم بمراد االله، والأشدِّ صٌراخًا بأنَّه المُفوَّض بالتَّوقيع عن االله، أو بحسب مبدأ «الاستقواء» بعصبيَّة الطَّائفة أو الجماعة أو الفرقة الموصوفة بالدِّينيَّة أو بالأكثر تديُّنًا. 


وقد اختلف الفقهاء المسلمون قديمًا فى مسألة إطلاق اسم المُسلمين حكمًا على أهل الكُتُب السَّماوية السَّابقة عن الكتاب الخاتم، وهو اختلاف كاشفٌ عن طبيعة أو جِبلَّة أصحاب الرَّأيين إثباتًا ونفيًا فى هذه المسألة، والتى أخذت جدلًا كبيرًا من حيث السَّماحة بإثبات حكم اسم المسلمين لأهل الكتب السَّماويَّة السَّابقة، ومن حيث التَّشدُّد بنفى حكم اسم المسلمين عنهم. 
 


وقد كان الرأى السَّمح الذى اختاره شيخ الإسلام عثمان ابن الصلاح العراقى ثمَّ الدِّمشقى المتوفَّى سنة 643هـ1245-م فى هذه المسألة هو السَّائد والشَّائع، حتَّى ظهر جلال الدين عبد الرحمن السيوطى المصرى المتوفَّى سنة 911هـ1505-م فأظهر الرأى المتشدِّد وحشد له الرَّأى العام، بما أعاق الطريق أمام أصحاب الرأى السَّمح القائل بإسلام أهل الكتب السَّماويَّة السابقة حكمًا، وصار مُجرَّد إعادة الحديث عن هذا الرَّأى السَّمح تُهْمة بإضاعة اسم «دِين الإسلام»، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، مع أنَّه السَّبيل إلى إرضاء النَّاس بما ارتضاه الله لهم دينًا منذ الأزل، وهو الدَّاعى إلى التَّعايش السِّلمى مع كلِّ مَنْ أسلم وجهه لله فيما يعتقد، وسَلِم النَّاسُ من لسانه ويده فيما يتعامل.
 


ومن هنا وجب التمهيد لتلك المسألة ببيان التَّعايش السِّلمى مع غير المسلمين فى العهد النبوى،  ثمَّ نبين الاختلاف الفقهى فى مسألة اسم المسلمين لأهل الكُتُب السَّماويَّة السابقة حكمًا، وعدم حرمانهم منه بعد الإسلام الخاتم، ثمَّ نذكر سبب اختلاف الفقهاء فى هذه المسألة، مع تحرير آرائهم وأدلتهم فيها، وترك حقِّ الاختيار من تلك الآراء لقلب كلِّ مُكلَّف؛ حتَّى يتحمَّل الجميع مسئوليته أمام مجتمعه فى الدُّنيا، وأمام ربِّه يوم يلقاه. 
 


أوَّلًا: التَّعايش السِّلمى مع غير المسلمين فى العهد النَّبوى
 


عاش الرسول صلى الله عليه وسلم بسيرته العطرة، وعاش الصحابة الكرام معه فى سلام اجتماعى مع غير المسلمين من أهل الكتاب والمشركين المسالمين فى مكَّة المكرَّمة قبل الهجرة، وفى المدينة المنوَّرة بعد الهجرة، وفى مكَّة المُكرَّمة بعد الفتح؛ عملًا بسُنَّته الخالدة: «المسلم مَنْ سلم النَّاس من لسانه ويده، والمؤمن مَنْ أمنه النَّاس على دمائهم وأموالهم»، كما أخرجه أحمد من حديث أبى هريرة، حتَّى إنَّ النبى صلى الله عليه وسلم مرَّ ذات يومٍ على مجلس فيه عبد الله بن أبى بن سلول، قبل أن يُسْلم، وفى المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، فسلَّم عليهم، ودعاهم إلى الله، كما أخرجه الشيخان من حديث أسامة بن زيد، كما أخرج الشيخان عن عائشة، أنَّ الرِّسول صلى الله عليه وسلم تُوُفِّيَ ودرعه مرهونة عند يهودى بثلاثين صاعًا من شعير».
 


ثانيًا: الاختلاف الفقهى فى استحقاق أهل الكتب السَّماويَّة السابقة حكم اسم «المسلمين»، وعدم حرمانهم منه بعد الإسلام الخاتم
 


وصف الإمام جلال الدين السيوطى فى كتابه «الحاوى للفتاوى» مَن يُنكرُ الاختلاف الفقهى فى تلك المسألة بالجهل بنصوص العلماء وأقوالهم، فقال نصًّا: 
 


«وقع السؤال هل كان الأمم السَّابقة يوصفون أنهم مسلمون أو لا؟ فأجبتُ بما نصُّه: اختلف العلماء هل يُطْلق الإسلام على كلِّ دين حق أو يختصُّ بهذه الملَّة الشَّريفة؟ على قولين، أرجحهما الثَّانى،  فبلغنى بعد ذلك أن مُنْكرًا أنكر ذلك، وأنَّه استدلَّ بأشياء على كون الأمم السَّابقة يوصفون بكونهم مسلمين، فعجبتُ من ذلك عجبين، الأوَّل: من إنكاره، فإن كان أنكر أن للعلماء فى ذلك قولين فهذا دليل على جهله بنصوص العلماء وأقوالهم .. العجب الثَّانى من استدلاله.. وقد أردتُ أنْ أبْسُط القول فى هذه المسألة بذكر أدلَّة القول الرَّاجح والأجوبة عمَّا عارضها، فأقول:
 


للعلماء فى هذه المسألة قولان مشهوران حكاهما غيرُ واحد من الأئمَّة، أحدهما: أنَّه يُطلق الإسلام على كلِّ دِينٍ حقٍّ ولا يختصُّ بهذه الملَّة، وبهذا أجاب ابن الصَّلاح. والقول الثانى: أنَّ الإسلام خاصٌّ بهذه الملَّة الشَّريفة، ووصف المسلمين خاصٌّ بهذه الأمَّة المُحمَّديَّة، ولم يوصف به أحد من الأمم السَّابقة سوى الأنبياء فقط فشرفتْ هذه الأمَّة بأنْ وُصِفتْ بالوصف الذى كان يوصف به الأنبياء تشريفًا لها وتكريمًا، وهذا القول هو الرَّاجح نقلًا ودليلًا؛ لما قام عليه من الأدلَّة السَّاطعة».
 


ونَقل الإمامُ أحمد ابن حجر الهيتمى ت974هـ فى كتابه «الفتاوى الحديثية» الخلاف فى هذه المسألة، فجاء فيه ما نصُّه: «وسُئل - نفع الله به - بما لفظه: اختلف العلماء هل يُطلق الإسلام على سائر الملل السَّابقة حين حقيقتها، أو يختصُّ بهذه الأمَّة، فما الرَّاجح فى ذلك؟ 
 


فأجاب بقوله: رجَّح ابن الصلاح الأوَّل، وسيأتى ما يُصَرح به من لفظ القرآن، ورجَّح غيره الثَّانى وهو أنَّه لا يُوصف به أحد من الأمم السَّابقة سوى الأنبياء فقط، وشَرُفتْ هذه الأمَّة بأنْ وُصِفتْ بما يُوصف به الأنبياء تشريفًا لها وتكريمًا، واستدلَّ الحافظ السُّيوطى على رُجْحان الثَّانى بأمور مبسوطة». 
 


وكان الإمام أحمد ابن تيمية ت728هـ قد جمع بين قولى الفقهاء من قبله فى رأى فقهى انفرد به فى كتابه «مجموع الفتاوى»، فرأى استحقاق الأمم السابقة اسم «المسلمين» بالوصف العام وليس بالوصف الخاص إلى بعثة النبى الخاتم صلى الله عليه وسلم، فصارت الآراء ثلاثة.
 


وقد أوجزتْ «الموسوعة الفقهية» الصادرة عن وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويتية تلك الآراء الثلاثة فى مصطلح «إسلام».
 


ثالثًا: سبب اختلاف الفقهاء فى استحقاق أهل الكُتُب السَّماويَّة السابقة حكم اسم «المسلمين»، وعدم حرمانهم منه بعد الإسلام الخاتم
 


يرجع أصل الاختلاف فى هذه المسألة إلى أمرين، وهما: تناسخ الشَّرائع السَّماوية، واختصاص الأمَّة الخاتمة بمكرُمات ربَّانيَّة منها اسم «المسلمين، ونوجز بيان هذين السَّببين، فيما يلى: 
 


(1) تناسخ الشَّرائع السَّماوية 
 


اختلف الفقهاء قديمًا فى حكم نسخ الشرائع السَّماوية، بحيث يكون الأحدث منها ناسخًا لسابقه، وهذا الاختلاف يعذر كلَّ صاحب رأيٍ فى مواجهة الآخر؛ للقاعدة الفقهيَّة المُسْتقرَّة: «لا إنكار فى المُختلف فيه».
 


ويدلُّ على هذا الاختلاف قول أبى الحسين البصرى شيخ المعتزلة ت436هـ فى كتابه «المعتمد» : «اتَّفق المسلمون على حُسْن نسخ الشَّرائع إلَّا حكاية شاذة عن بعض المسلمين أنَّه لا يَحْسن ذلك».
 


ويقول أبو حامد الغزالى ت505هـ فى كتابه «المنخول»: «إن نفس بعثة الرَّسول لا تتضمن نسخ الشَّرائع؛ إذ أصحاب الملل من الشَّرائع ستَّة: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى - عليهم السَّلام - ورسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا بعد فى التظاهر على دِين واحد، فكان فى زمان موسى - عليه السَّلام - ألف نبى يحكمون بالتَّوراة، ولم يُنْقل من الرسول صلى الله عليه وسلم نصٌّ فى نسخ شريعة مَن قبلنا». 
 


ويقول شهاب الدِّين القرافى ت684هـ فى كتابه «شرح تنقيح الفصول»: «وأمَّا نسخ شريعة بشريعة فذلك لم يقع بين الشّرائع فى القواعد الكُلِّيَّة، ولا فى العقائد الدِّينيَّة، بل فى بعض الفروع، مع جوازه فى الجميع عقلًا، غير أنَّه لم يقع، وإذا قيل إنَّ شريعتنا ناسخة لجميع الشَّرائع فمعناه فى بعض الفروع خاصَّة، فالشَّريعة النَّاسخة هى المتأخِّره».
 


بعض أدلَّة القائلين بتناسخ الشَّرائع السَّماويَّة: 
 


عموم قوله تعالى: «ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها» (البقرة: 106)، فقد حكى الفخر الرَّازى ت606هـ فى «تفسيره» عن أبى مسلم بن بحر الأصفهانى المعتزلى ت322هـ أنَّ المُراد من الآيات المنسوخة هى الشَّرائع التى فى الكُتُب القديمة من التوراة والإنجيل.
 


بعض أدلَّة القائلين بعدم تناسخ الشَّرائع السَّماويَّة السَّابقة: 
 


عموم الآيات القرآنيَة الحاكمة بأنَّ كلَّ كتاب سماويٍّ لاحق مُصَدِّقٌ لسابقه وليس ناسخًا له، وأنَّه على أهل التوراة التَّحاكم إليها، وعلى أهل الإنجيل التَّحاكم إليه، وعلى أهل القرآن التَّحاكم إليه، فلكلِّ أهل كتاب سماوى شِرْعَة ومنهاجا، ومن ذلك قوله تعالى: «يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم» (النساء: 47)، وقوله تعالى: «وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقًا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين» (المائدة: 46)، وقوله تعالى: «وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (المائدة: 48)، وقوله تعالى: «وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين» (المائدة: 43)، وقوله تعالى: «وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون» (المائدة: 47). 
 


(2) اختصاص الأمَّة الخاتمة بمكرمات ربَّانيَّة منها اسم «المسلمين»
 


يرى عامَّة الفقهاء قديمًا وحديثًا اختصاص الأمَّة الخاتمة بمكرمات ربَّانيَّة زائدة، وحظوة إلهيَّة جديدة لم تكن للأمم السَّابقة، من باب تشريفها بالانتساب إلى الرَّسول الخاتم، ومن باب تعويضها عن فوائت فضل السَّبق أو عن تكليفات إضافيَّة أو عن ابتلائهم بفتن أشد.
 


 ثمَّ اختلف هؤلاء الفقهاء فى تعيين اختصاص الأمَّة الخاتمة باسم «المسلمين» كما سُمِّى بذلك الأنبياء والمرسلون السَّابقون دون أتباعهم، على ثلاثة آراء، نوردها بالأمانة العلمية من مصادرها الأصيلة؛ لتجفيف العصبية الدِّينية ما أمكن:
 


الرأى الأول: أن اسم الإسلام لا يختصُّ بالأمَّة الخاتمة، وإنَّما يُطلق - أيضًا - على كلِّ دِينٍ نزل من الله تعالى على الرُّسل والأنبياء السَّابقين، وأنَّ اسم المُسلم ثابت لهؤلاء الرُّسل والأنبياء، فيلزم جريان هذا الاسم على أتباعهم أبدًا حتَّى قيام الساعة، ولا يخرج منهم عن اسم الإسلام إلى اسم الكُفر إلَّا مَن بلغته الرِّسالة الخاتمة فوقرتْ فى قلبه صدقًا، ثمَّ جحدها عامدًاعلى وجه المُعاندة لقلبه، وليس لمُجرَّد بلوغها إيَّاه قبل أن يتلقَّاها قلبه بالقبول.
 


أصحاب هذا الرَّأى: ذهب إلى هذا الرَّأى فقهاء قدامى لم أقف على أسمائهم، وإنما انتصر لرأيهم المُحدِّث والفقيه الشافعى شيخ الإسلام «عثمان ابن الصَّلاح» ت643هـ-1245م، الذى عاش فى ظلِّ الدَّولة الأيُّوبيَّة (567هـ-1171م : 648هـ-1250م)، حيث جاء فى كتابه «الفتاوى» ما نصُّه: 
 


«مَسْألةٌ فى لفظ الإسلام هل هو مخصوص بهذه الأمَّة، أم مُطلق على كلِّ مًن آمن بنبيِّه من أمَّة موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء - صلى الله عليهم وعلى نبيِّنا وسلم - فإذا جاز اطلاقه على كلِّ مَن آمن بنبيِّه من سائر الأمم فهل إطلاقه عليه شرعى أم لغوى،  من حيث أنَّه مُنقاد مُطيع، فإذا جاز إطلاقه على كلِّ مَن آمن بنبيِّه فى زمنه شرعًا فما فائدة قوله عزَّ وجلَّ: «ورضيت لكم الإسلام دينا» (المائدة: 3) إذا كلٌّ منهم يُسمَّى مُسْلمًا، وهل قول القائل فى زمن موسى صلى الله عليه وسلم: «لا إله إلَّا الله موسى رسول الله» كقول أحد هذه الأمَّة: «لا إله إلَّا الله محمد رسول الله» فى هذا الزَّمان، ويكون لفظه شاملًا لهما، ويُسمَّى كلُّ واحد منهما مُسلمًا؟
 


أجاب رضى الله عنه: بل يُطلق على الجميع، وهو اسم لكلِّ دِينٍ حقٍّ لغة وشرعًا، فقد ورد ذلك بألفاظ راجعة إلى هذا فى كتاب الله - عز وجل - منها قوله تعالى: «فلا تموتن إلَّا وأنتم مسلمون» (البقرة: 132). 
 


وقوله تعالى: «ورضيت لكم الإسلام دينا» (المائدة: 3) لا ينفى أن يرضاه لغيرهم دِينًا، وقول القائل فى زمان موسى - صلى الله عليه وعلى نبيِّنا وسلم -: «لا إله إلَّا الله موسى رسول الله» إسلام كمثله الآن، والله أعلم».
 


وعلى هذا الرَّأى،  فإن أهل الكُتُب السَّماية السَّابقة حين يدخلون فى الإسلام الخاتم فإنَّهم يكونون قد انتقلوا من إسلام إلى إسلام، وليس من كفر إلى إسلام؛ كما قال تعالى: «الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون. وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين. أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون» (القصص: 52-54). 
 


ويكون ذلك فى حكم مَن كان مُسلمًا على فهم للنُّصوص القرآنيَّة من وجه، ثم بدا له فهمًا آخر فانتقل إليه، كالإمام الشَّافعى ت204هـ-820م فى مذهبه القديم الذى تحوَّل عنه إلى مذهبه الجديد، وكالإمام أبى الحسن الأشعرى ت260هـ-936م الذى كان معزليًّا أربعين سنة ثمَّ تحوَّل إلى اختياره الأشعرى بقيَّة حياته.
 


هذا، وقد أطلق الله تعالى اسم المسلمين على المؤمنين به سبحانه فى عهود الأنبياء والرُّسُل السَّابقين حتى عهد خاتم الأنبياء والمرسلين، كما يلى:
 


1 -نوح - عليه السَّلام - وقومه: قال تعالى: «واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامى وتذكيرى بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلى ولا تنظرون. فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجرى إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين» (يونس: 71-72). 
 


2 -إبراهيم - عليه السَّلام - وبنيه: قال تعالى: «ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه فى الدنيا وإنه فى الآخرة لمن الصالحين. إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين» (البقرة: 130-131).
 


وقال تعالى: «ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه فى الدنيا وإنه فى الآخرة لمن الصالحين. إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين. ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون. أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون» (البقرة: 130-133)، وقال تعالى:
 

«قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون» (البقرة: 136)، وقال تعالى: «قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون» (آل عمران: 84).
 


3 -لوط - عليه السَّلام - وقومه: قال تعالى: «قال فما خطبكم أيها المرسلون. قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين.
 

لنرسل عليهم حجارة من طين. مسومة عند ربك للمسرفين. فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين. فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين» (الذاريات: 31-36).
 


4 -يوسف عليه السَّلام: قال تعالى: «رب قد آتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليى فى الدنيا والآخرة توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين» (يوسف: 101).
 


5 -سليمان - عليه السَّلام - وملكة سبأ: قال تعالى: «قالت يا أيها الملأ إنى ألقى إلى كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم. ألَّا تعلو على واءتونى مسلمين» (النمل: 29-31) إلى قوله تعالى: «قالت رب إنى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين» (النمل: 44).
 


6 -إسماعيل - عليه السَّلام - وذريَّته: قال تعالى: «وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم» (البقرة: 127-129).
 


7 -موسى - عليه السَّلام – وقومه: قال تعالى: «وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين» (يونس: 84)، وقال تعالى: «وجاوزنا ببنى إسرائل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذى آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين» (يونس: 90)، وقال تعالى عن قوم موسى لفرعون: «وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين» (الأعراف: 126).
 


8 -عيسى - عليه السَّلام - وحواريوه: قال تعالى: «فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون» (آل عمران: 52)، وقال تعالى: «وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بى وبرسولى قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون» (المائدة: 111).
 


9 -محمد صلى الله عليه وسلم وأمَّته: قال تعالى: «قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين. وأمرت لأن أكون أول المسلمين» (الزمر: 11-12)، وقال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون» (آل عمران: 102)، وقال تعالى: «ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إننى من المسلمين» (فصلت: 33). 
 


الرأى الثانى: أن اسم الإسلام خاصٌّ بالأمَّة الخاتمة، وأنَّ اسم المسلم ليس إلا للأنبياء والرُّسل السابقين دون أتباعهم، ثم لخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم وأمَّته المُحمَّديَّة تشريفًا لها، وتكريمًا له صلى الله عليه وسلم
أصحاب هذا الرَّأى: ذهب إلى هذا الرَّأى فقهاء قدامى لم أقف على أسمائهم، وإنما انتصر لرأيهم المُحدِّث والفقيه الشافعى جلال الدين عبد الرحمن السيوطى ت911هـ-1505م، الذى عاش فى ظلِّ الدولة المملوكيَّة (648هـ-1250م: 923هـ-1517م)، واختاره من بعده أحمد ابن حجر الهيتمى ت974هـ-1566م، الذى أدرك الدولة العثمانيَّة.
 


يقول جلال الدين السيوطى فى «مسألة تعريف الإيمان» من كتابه «الحاوى للفتاوى»: «إنَّ الإسلام خاصٌّ بهذه الملَّة الشَّريفة، ووصف المسلمين خاصٌّ بهذه الأمَّة المُحمَّديَّة، ولم يوصف به أحد من الأمم السَّابقة سوى الأنبياء فقط، فشرفتْ هذه الأمَّة بأن وُصِفتْ بالوصف الذى كان يوصف به الأنبياء تشريفًا لها وتكريمًا».
 


ثم أورد السيوطى ثلاثة وعشرين دليلًا قائمٍا على التَّأويل والتَّوجيه الذى يُرضى اختياره الفقهى،  وختمها بأنَّه أتمَّ تأليف كتابه هذا سنة ثمان وثمانين وثمانمائه من الهجرة 888هـ-1483م، بما يعنى أنَّ عمره وقتها كان 39 سنة، حيث كان مولده بالقاهرة سنة 849هـ-1445م، بعد أنْ رَحَل أبوه من أسيوط إلى القاهرة طَلَبًا للعِلْم. 
 


ولعلَّ أقوى ما اعتمد عليه السُّيوطى من أدلَّة هو زعمه أنَّ الله تعالى قد سمَّى شريعة موسى اليهوديَّة، وسمَّى شريعة عيسى النَّصرانيَّة وسمَّى شريعة إبراهيم الحنيفيَّة، وبها بُعِث النَّبى صلى الله عليه وسلم. 
 


ثمَّ قوله إن اليهود والنَّصارى لم يدَّعوا قط أن شريعتهم تُسمَّى الإسلام، ولا أنَّ أحدًا منهم يُسمَّى مُسْلمًا، فكيف يُتطوَّع بتسميتهم مسلمين؟.
 


ويستدلُّ السُّيوطى على هذا بما أخرجه ابن أبى حاتم الرَّازى ت327هـ فى «تفسيره» عن عبد الله بن مسعود ت32هـ، قال: تَسمَّت اليهود باليهوديَّة بكلمة قالها موسى: «إنا هدنا إليك» (الأعراف: 156)، وتسمَّتْ النَّصارى بالنَّصرانيَّة بكلمة قالها عيسى: «مَن أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون» (آل عمران: 52)، وهذا صريح فى أنَّهم سُمُّوا بهذين الاسمين من عهد نبيِّهما، ولم يُسَمَّوا بالمسلمين قط، ولا نُقِل ذلك عن أحد، ولا عنهم، فكيف يُدَّعى لهم وصفٌ شريفٌ لم يَدَّعوه هم لأنفسهم.
 


هذا، مع أمر القرآن الكريم بعرض الإسلام على أهل الكتاب، فلو كانوا مسلمين لما كان لهذا العرض معنى، وذلك فى قوله تعالى: «وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد» (آل عمران: 20). 
 


أقول: ولا يخفى التَّكلُّف من السيوطى فى هذا الدَّليل؛ لعموم قوله تعالى: «إن الدين عند الله الإسلام» (آل عمران: 19).
 


وأمَّا اسم اليهوديَّة أو اسم النَّصرانيَّة فليس اسم دِيانة إلهيَّة، وإنَّما على أشهر الأسباب فى أصل هذين الاسمين أنَّ أحفاد «يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» قد غلبوا باسم مملكتهم - التى كانت جنوب الشَّام - على اسم دِين الإسلام الذى جاء به «موسى بن عمران بن قاهت بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم». 
 


وأنَّ أبناء قرية «النَّاصرة» فى منطقة الجليل شمال فلسطين قد غلبوا باسم قريتهم على اسم دِين الإسلام الذى جاء به عيسى - عليه السَّلام - وكانت «مريم» - عليها السلام - من أهل قرية «النَّاصرة»، وفيها جاءتها البشرى بحمل «كلمة الله المسيح عيسى»، فانتَبَذتْ به مكانًا قَصِيًّا إلى «بيت لحم» على بعد 145كم، فولدته هناك، ثمَّ عادت به إلى «النَّاصرة»، ومنها إلى «مصر» مع «يوسف النجار» هروبًا من بطش «هيرودس» ملك «يهوذا» الذى كان قد أمر بقتل الأطفال الذُّكور قبل بلوغ سنتين؛ خوفًا من زوال مُلْكه على يد أحدهم، وبعد ثلاث سنوات ونصف تقريبًا قضوها فى مصر عادوا إلى «النَّاصرة» التى اشتُقَّ منها اسم «النَّصرانيَّة».
 


وأمّا قول موسى: «إنا هدنا إليك» (الأعراف: 156)، أى تُبْنا إليك، كما حكاه ابن كثير فى «تفسيره» عن ابن عباس ت68هـ وسعيد بن جبير ت95هـ ومجاهد بن جبر ت104هـ، وغيرهم، وليس لاسم الدِّين الذى قال الله عنه: «وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين» (يونس: 84).
 


وأمَّا قول الحواريين: «نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون» (آل عمران: 52) فهو ظاهر فى تسميتهم «مسلمين».
 


وأمَّا عرض الإسلام الخاتم على أهل الكتاب فإنَّه لا ينفى إسلامهم المُبتدأ، على غرار قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى أنزل من قبل» (النساء: 136)، ويؤكِّد هذا قوله تعالى: «الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون. وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين» (القصص: 52-53).
 


الرأى الثالث: أنَّ الإسلام نوعان: «إسلام خاص» و»إسلام عام»، فأمَّا «الإسلام الخاص» فهو الكامل المُختصُّ بالأمَّة الخاتمة، وأمَّا «الإسلام العام» فهو المُجزىء الذى كان فى الأمم السَّابقة من أهل الكتاب، وقد انتهى فى حقِّ مَن بلغته دعوة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم الذى جاء بالكمال. 
 


فوصف المسلم الآن خاص بالأمَّة المُحمَّدية على وجه الكمال، وكان صالحًا لأهل الكُتب السَّابقة على وجه الإجزاء، ولا يزال صالحًا لمَن لم تبلغه الدَّعوة الخاتمة دون مَن بلغته، فمن بلغته الدَّعوة الخاتمة فلم يؤمن بها تكذيبًا لما يَعلم من صدقها فهو كافر من أهل النَّار.
 


صاحب هذا الرَّأى: هو المُحدِّث والمُفسِّر والفقيه الحنبلى،  المُلقَّب بشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية ت728هـ-1328م.
يقول ابن تيمية فى «مجموع الفتاوى»: «ومن حين بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم ما يُقْبَلُ من أحدٍ بلغته الدَّعوةُ إلَّا الدِّين الذى بعثه به؛ فإنَّ دعوته عامَّة لجميع الخلائق، قال تعالى: «وما أرسلناك إلَّا كافة للنَّاس» (سبأ: 28)، وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبى هريرة: «والذى نفس محمد بيده، لا يسمع بى أحد من هذه الأمَّة يهودى ولا نصرانى،  ثم يموت، ولم يؤمن بالذى أُرْسِلْتُ به إلَّا كان من أصحاب النَّار».
 


وقال ابن تيمية فى كتابَيْه «الرِّسالة التَّدمريَّة» و«مجوع الفتاوى»: «قد تنازع النَّاس فيمن تقدم من أمَّة موسى وعيسى، هل هم مُسْلمون، أم لا؟ وهو نزاع لفظى،  فإنَّ «الإسلام الخاص» الذى بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم المُتضمِّن لشريعة القرآن ليس عليه إلَّا أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم، والإسلام اليوم عند الاطلاق يتناول هذا.
 

وأمَّا «الإسلام العام» المُتناول لكلِّ شريعة بعث الله بها نبيًّا فإنَّه يتناول إسلام كلِّ أمَّة مُتَّبعة لنبيٍّ من الأنبياء، ورأسُ الإسلام مُطلقًا شهادة «أن لا إله إلَّا الله»، وبها بُعِث جميعُ الرُّسُل».
 


وقال ابن تيمية فى «مجموع الفتاوى» عن الذين لم يؤمنوا بالرَّسول الخاتم بعد بعثته صلى الله عليه وسلم: «روى الإمام أحمد وابن أبى حاتم وغيرهما عن أيوب عن سعيد بن جُبير ت95هـ، قال: ما بلغنى حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهٍ إلَّا وجدتُ تصديقه فى كتاب الله؛ حتَّى بلغنى أنه قال: «لا يسمع بى أحد من هذه الأمَّة يهودى ولا نصرانى ثم لم يؤمن بما أُرْسِلْتُ به إلَّا دخل النَّار»، قال سعيد بن جبير: فقلتُ أين هذا فى كتاب الله حتَّى أتيت على هذه الآية: «أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده» (هود: 17)، قال: الأحزاب هى الملل كلُّها، وقوله تعالى:
 

«أولئك يؤمنون به» أيْ كلُّ مَن كان على بيِّنة من ربِّه، فإنَّه يؤمن بالشَّاهد من الله، والإيمان به إيمانٌ بما جاء به موسى».
 


وقال ابن تيمية فى «مجموع الفتاوى» وفى «إقامة الدليل على إبطال التحليل»: «إنَّ اليهود والنَّصارى كفَّار كُفْرًا معلومًا بالاضطرار من دِين الإسلام، والمُبتدع إذا كان يَحْسِب أنَّه موافق للرَّسول صلى الله عليه وسلم لا مُخالف له لم يكن كافرًا به، ولو قُدِّر أنَّه يكفر فليس كُفْره مثلَ كُفْر مَن كذَّب الرَّسول صلى الله عليه وسلم». 
 


وقال ابن تيمية فى «الجواب الصحيح لمن بدَّل دِين المسيح»: «إنَّ الأمَّة إذا غيَّرتْ دِين رسولها وبدَّلته أرسل الله إليها مَن يدعوها إلى الدِّين الذى يُحبُّه الله ويرضاه، كما أنَّ بنى إسرائيل لمَّا غيَّروا دِين موسى وبدَّلوه بعث الله إليهم وإلى غيرهم المسيح بالدِّين الذى يحبُّه ويرضاه، وكذلك النَّصارى لمَّا بدَّلوا دِين المسيح وغيَّروه بعث الله إليهم وإلى غيرهم محمدًا بالدِّين الذى يُحبُّه ويرضاه، وقد ثبت فى الصَّحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «إنَّ الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلَّا بقايا من أهل الكتاب»، وأولئك البقايا الذين كانوا متمسِّكين بدِين المسيح، قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على دِين الله عزَّ وجلَّ، وأمَّا من حين بُعِث محمد صلى الله عليه وسلم فمن لم يؤمن به فهو من أهل النَّار».
 


أقول: هذا هو العرض الأمين لمسألة استحقاق أهل الكتب السماوية حكم اسم «المسلمين»، ومَن فى حكمهم من كلِّ مَن يدَّعى إيمانًا بالله تعالى دون ضرر أو إضرار بالناس، وعلى كلِّ مسلم أنْ يتحمَّل مسئوليته الدنيويَّة والأخرويَّة فى اختياره الفقهى،  ولا يكون إمَّعَةً لأحد، وليعلم أنَّ اختياره هنا هو اختيار بين آراء فقهيَّة تحتمل جميعًا الصواب والخطأ، وليس اختيارًا بين صواب وبين خطأ؛ فهذا غيب انقطع الوحيُ عن بيانه، ولن يعلمه النَّاس إلَّا يوم الحساب فى الآخرة؛ حتَّى يعيشوا فى الدُنيا فى سلام، وقد فَوَّضوا الفصل فى الدِّين إلى الله؛ كما قال تعالى: «إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد» (الحج: 17).

 

أستاذ الفقه المقارن المتفرغ بجامعة الأزهر 

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط