الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

كلما تصاعدت الأحداث واشتعلت النيران بين أمريكا وإسرائيل وإيران، كلما اقتربت النهاية كما حددها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى تصريحات متعددة ومتتالية بأن الحرب ستستغرق من أربعة إلى ستة أسابيع، ويرى العديد من المحللين أن ترامب وجد نفسه يغرق فى مستنقع إيرانى كبير لا يعرف مداه أو نهايته، خصوصًا أن إيران تفاجئ ترامب ونتنياهو كل يوم بمفاجآت مختلفة سواء فى نوعية سلاحها أو دقة ضرباتها للعمق الإسرائيلى، الذى أدى إلى إيقاف شبه كامل للحياة الاقتصادية فى إسرائيل، إذ أصبح الإسرائيليون يعيشون فى الملاجئ أكثر مما يعيشون فى منازلهم أو مكاتبهم بسبب تزايد وتعدد الضربات الصاروخية الإيرانية. 
 


ومنذ بدء الهجمات الإيرانية على تل أبيب والإسرائيليون يفرون ويهربون إلى الملاجئ ليل نهار، مما تسبب فى أضرار اقتصادية واجتماعية تمثلت فى توقف شبه كلى للدراسة فى المدارس والجامعات، ودخول الآلاف إلى المستشفيات بغرض العلاج النفسى، حتى جنود الاحتياط فى جيش الاحتلال الإسرائيلى ارتفعت نسبتهم إلى حوالى %43، بخلاف حالات الانتحار المتزايدة التى سجلت أعلى مستوياتها منذ نشأة الجيش الإسرائيلى. والوصف الحقيقى للحالة التى يعيشها المجتمع الإسرائيلى هو حالة الإنهاك النفسى والاجتماعى، الذى يؤثر بشكل أو بآخر على الهجرة المضادة وهروب الآلاف من الإسرائيليين عبر ميناء طابا البرى إلى أوروبا وأمريكا وأمريكا اللاتينية. 
 


وفى هذه الأجواء، فإن إسقاط النظام الإيرانى أو حتى سحق قدراته لن يحقق السلام الذى يتحدث عنه نتنياهو ولن ينهى دوامات العنف، لأن تجاهل حقوق الفلسطينيين وعلى رأسها حق تقرير المصير سيبقى جذور الصراع قائمة. 
 


وما زاد الطين بلة القانون الذى أصدره الكنيست الإسرائيلى بعدد أصوات 62 مقابل 48، والذى يعطى الحق لإسرائيل بإعدام الأسرى الفلسطينيين المتهمين بقتل إسرائيليين، ولا يطبق على الإسرائيليين الذين يقتلون الفلسطينيين، هذا القانون الذى لاقى إدانات دولية باعتباره قانونًا عنصريًا ضد الفلسطينيين، يُنتظر أن يؤدى إلى اتساع رقعة الحرب بين الفلسطينيين والإسرائيليين وفتح جبهات جديدة ضد إسرائيل من الداخل سواء فى الضفة الغربية أو غزة. ويعزز هذا القانون ما يسمى «خيار شمشون» للفلسطينيين، وهو «عليّ وعلى أعدائي»، وإغلاق كل منافذ التنفس لمستقبل أفضل للفلسطينيين وتعميق الهوة القاتلة بين الإسرائيليين والفلسطينيين. 
 


واللافت أيضًا أن الإدارة العسكرية الإسرائيلية قد سمحت لوكالات الأنباء بتصوير ونقل حالات الدمار الكبيرة فى أحياء تل أبيب نتيجة ضربها بالصواريخ الإيرانية، وهو ما يثير علامات استفهام حول هذا السماح الذى لا يعرف أحد ماذا تريد إسرائيل من ورائه: هل هو التعاطف العالمى أم أن يكون ضمن أوراق التفاوض حول التعويضات المادية؟ والأجواء التى تعيشها إسرائيل وأمريكا من جانب، ومن جانب آخر إيران، ربما يطلق عليها وصف «المراهنة على من يسقط أولًا: إيران أم إسرائيل وأمريكا»، حتى تبدأ المفاوضات للحصول من كلا الطرفين على ما يؤهله أن يعلن أنه هو المنتصر أو يحقق العديد من الأهداف التى يتباهى بها أمام شعبه، سواء ترامب الذى يعلن كل يوم أنه هو المنتصر وأن إيران استسلمت وهو فى انتظار إعلان إيران رفع الأعلام البيضاء، أو إيران التى تريد أن تعلن لشعبها عدم تكرار أمريكا وإسرائيل مهاجمتها مرة أخرى، وكذلك إسقاط كل العقوبات الاقتصادية ضدها وفرض رسوم على مرور السفن فى مضيق هرمز واستمرار برنامجها النووى السلمي. 
 


والغريب والمثير فى آن واحد أن صحيفة «ديلى ميل» البريطانية قد رصدت أن مدينة تل أبيب شهدت ظهور آلاف الغربان السود وهى تحلق فوق المبانى الشاهقة، بما فى ذلك أبراج «عزرايلي» الشهيرة التى تقع فى وسط تل أبيب، وكانت فى السابق مكانًا لتجميع النفايات وتعتبر من معالم إسرائيل الحديثة، وهى عبارة عن ثلاث ناطحات سحاب بأشكال هندسية: دائرى ومثلث ومربع، وبها أكبر المراكز التجارية والفنادق والمكاتب فى إسرائيل. فى مشهد وصفه كثيرون بأنه نذير شؤم، وربط العديد من المشاهدين هذا التجمع الغريب من الغربان السود بالتوترات المستمرة بين إسرائيل وإيران، مستشهدين بنصوص دينية توراتية مثل سفر الرؤيا الذى يربط الطيور بالهزيمة فى الحرب. 
 


ففى سفر الرؤيا الفقرة 17:19 يُوصف مشهد حيث تأتى الطيور لتأكل جثث الجيش المهزوم، حيث أظهر الفيديو المتداول على الإنترنت مشاهد غريبة لأسراب ضخمة من الغربان كغيوم داكنة، وهو ما أثار دهشة السكان الإسرائيليين وكذلك المشاهدين لهذا الفيديو من حجم الهجرة الكبيرة للطيور، على أنها رسالة لهزيمة إسرائيل. 
 


وما يؤكد ذلك أيضًا أن إيران أصبحت ترى أن قدرتها على التحمل تفوق قدرة إسرائيل وأمريكا، لاعتمادها الكلى على المسيرات الخفيفة التى لا تحتاج إلى بنية تحتية عسكرية، منخفضة التكلفة ومرنة التشغيل، تنطلق من منصات إطلاق بسيطة وتحمل على الشاحنات العادية ويصعب رصد أماكن منصات إطلاقها، بخلاف أنه تم تحديثها فى روسيا لتكون أكثر قوة ودقة فى إصابة الأهداف، على العكس تمامًا من إسرائيل وأمريكا اللتين تعتمدان على منظومة عسكرية ثقيلة إذا تم تدميرها تحتاج إلى وقت طويل للإصلاح أو إعادة التأهيل. 
 


وعلى خلفية هذه الأجواء والتطورات العسكرية والوساطات، أصبح الدور المصرى إيجابيًا وفاعلًا لوقف التصعيد كخطوة أولى وإنهاء الحرب كخطوة ثانية. 
 


ولم يمضِ على مناشدة الرئيس السيسى للرئيس الأمريكى ترامب بوقف الحرب، قائلًا إنه لا أحد يستطيع وقف الحرب سواك، عدة ساعات إلا وكان رد الفعل الأمريكى سريعًا ومتجاوبًا، إذ أعلن البيت الأبيض أنهم مستعدون لإنهاء الحرب. 
 


فى هذا الإطار لم يكن ذلك موقفًا سياسيًا فقط، بل نهج إنسانى راسخ يعكس قيم القيادة المصرية والدور القومى والإقليمى لمصر، ولا يستطيع أحد مهما كان صغيرًا أو كبيرًا أن يقلص دور مصر الذى كان فعّالًا وصادقًا فى بدء المفاوضات غير المباشرة بين أمريكا وإيران.

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط