فى ديوانه «قصائد متوحشة» يقول الشاعر نزار قبانى: «إن من بدأ المأساة ينهيها، وإن من فتح الأبواب يغلقها، وإن من أشعل النيران يطفئها»!
لكن الرئيس دونالد ترامب رجل أعمال، حياته صفقات ومساومات وسمسرة وضربات وفرص، لا يفهم كلام الشعراء ولا حكم الأقدمين ولا نبل المشاعر، ولن يغلق أبواب الحرب العبثية التى فتحها فى الشرق الاوسط، ولن يطفئ نيرانها، ولن ينهى المأساة التى بدأها، هو يطلب من إيران أن تفعل ذلك، بشروط حددها ويحاول فرضها، وإلا فسوف يدمر حضارة إيران ويعيدها إلى العصر الحجرى!
وهذا خطأ آخر، فهو يتصور أن الحضارة مجرد منتجات مادية، «كبارى ومحطات كهرباء وسفن وطائرات ومطارات وحقول نفط..الخ»، بينما الحضارة «حالة عقلية وثقافية ونمط علاقات ومنظومة قيم»، ألم تحرق الولايات المتحدة مدينتين تماما فى اليابان بقنبلتين ذريتين فى الحرب العالمية الثانية؟، فهل دمرت حضارة اليابان أم عادت اليابان قوة عظمى اقتصادية فى أقل من ربع قرن؟
وحسنًا فعل الرئيس دونالد ترامب أن وافق على اقتراح باكستان بوقف الأعمال العدائية لمدة أسبوعين، حتى تتاح الفرصة أمام مفاوضات وقف الحرب نهائيًا، على غير رغبة إسرائيل التى تعيش على الحرب والجرائم ضد الإنسانية!
والسؤال الذى لم يطرأ على ذهن الرئيس الأمريكى ولا إدارته ولا مستشاريه الذين يخدمون إسرائيل أكثر مما يخدمون مصالح الولايات المتحدة: كيف يطلبون من الطرف المعتدى عليه أن يوقف الحرب؟، وبما أن الرئيس الأمريكى أعلن بكل فخر أنه حقق النصر الكاسح، فلماذا لا يوقفها هو، خاصة أن هذه الحرب تسببت فى أضرار بالغة لدول الخليج العربى دون جريرة سوى تحالفها الاستراتيجى مع أمريكا التى لم تضعهم فى حساباتها ومضت كالأعمى خلف إسرائيل واللوبى الصهيونى فى واشنطن؟!
هل يمكن لأجهزة المعلومات فى الولايات المتحدة أن تتصور هذا السيناريو بتوقف القوات الأمريكية عن ضرب إيران وإعلان انتهاء الحرب، بعد أن أتمت مهمتها فى تدمير قدرات إيران النووية والعسكرية والمئات من القيادات؟
فعلا ماذا يمكن أن يحدث؟
أولاً: ستدخل إيران تلقائيا فى مرحلة إعادة ترتيب داخلية، ورسميا سوف يتنازعها أمران: خطاب الصمود أمام العدوان الأمريكى الإسرائيلى، والثانى: محاول ترميم الشرعية التى أنهكت طويلا وخسرت الكثير من مصداقيتها!
ثانيًا: غياب التهديد الإيرانى عن دول الجوار، وقطعا لا تعنينا إسرائيل فلتذهب إلى جحيم، وإنما تعنينا دول الخليج العربى فقط.
ثالثًا: توقف العمليات سيقلل من خطر امتداد الحرب إلى دول أخرى، وإن كان سيخلق تحديات أمنية جديدة فى دول مثل العراق وسوريا ولبنان
رابعًا: ستشهد أسواق النفط انفراجة نسبية، ويتحسن أداء الاقتصاد العالمى، حتى لو ظل مضيق هرمز نصف مفتوح ونصف مغلق.. وهذا أمر سنفسره لاحقا.
والسؤال: هل تستجيب إيران لإعلان أمريكا وقف الحرب أم ستستمر فى العمليات العسكرية ضد إسرائيل ودول الجوار؟!
الأرجح أن تتوقف إيران عن العمليات العسكرية المباشرة، بعد استنزاف قدراتها العسكرية بدرجة كبيرة، كما تكبدت خسائر فادحة فى بنيتها الاقتصادية، تجعل من استمرارها فى الحرب أمرا فى غاية الصعوبة، ناهيك عن أن المجتمع الإيرانى فى حاجة إلى التقاط أنفاسه بعد أن تعرض لهجمات فى غاية الشراسة لأكثر من 37 يوما، لم يحدث لها مثيل فى تاريخ إيران الحديث..ويمكن للنظام الإيرانى أن يستغل توقف أمريكا عن الحرب باعتباره نصرا أو على الأقل صمودا، وإذا استمر فى الحرب سيبدو بلا جدوى، وكأنه يدعو الولايات المتحدة إلى إعادة ضربه وشن المزيد من الهجمات عليه.
والأخطر بالنسبة للنظام أن استمراره فى الحرب يزيد من احتمال التمرد الشعبى عليه، ويمكن أن تتحول إيران إلى ساحة صراع داخلى.
باختصار من المرجح أن تتوقف إيران عن الحرب أيضا، إذا توقفت الولايات المتحدة، لأسباب موضوعية تتعلق بالخسائر والاقتصاد والضغط الأمنى، أما إسرائيل فهى ستتوقف بالتبعية، لأنها لا تستطيع منفردة أن تدفع فاتورة تكاليف الحرب إقليميا ودوليا.
توقفت الحرب.. ماذا يمكن أن يحدث فى إيران والمنطقة؟
قطعا سيكون المجتمع الإيرانى فى مأزق لا يحسد عليه، صحيح أن النظام سوف يستغل الوضع فى صياغة خطاب حماسى عن الصمود والتصدى، لكن قدراته ستواجه تساؤلات فى غاية الصعوية عن إعادة الإعمار، خاصة بعد الانهيار الكبير فى البنية التحتية، وعن دوران عجلة الاقتصاد لتلبية احتياجات ثلاثة وتسعين مليون نسمة، وهنا سيواجه المجتمع أزمة معيشية خانقة، ماء وكهرباء وصحة..الخ، لها تداعيات سريعة: موجات هجرة خارجية واحتجاجات واسعة.
وبالطبع سيخرج النظام من الحرب وهو أقل قدرة على السيطرة، ويمكن أن تستغلها المعارضة فى «محاولة» لتغيير النظام شعبيا، خاصة أن النظام - قبل الحرب بفترة - هو يواجه أزمة شرعية، ومن ناحية أخرى قد تظهر حركات انفصالية فى الأطراف استغلالا للموقف، الأهواز وكان إقليما عربيا ذا أغلبية شيعية، تحت حكم الكعبيين وضم إلى إيران فى عام 1925، بلوشستان «جنوب شرق إيران» يسكنها البلوش وهم سنيون، دماء خليط من العرب والإيرانيين، وكردستان إيران.
مع احتمال صعود جماعات مسلحة أشبه بما حدث فى العراق بعد 2003.
إذن ستكون إيران فى مواجهة مسارات متكافئة بين التفكك أو إعادة البناء بمساعدة الصين وروسيا..
أما عن المنطقة العربية فسوف تشعر بارتياح كبير من تضاؤل الخطر الإيرانى عليها، ومؤكد أن انشغال إيران بنفسها بعد توقف الحرب، دون إنهاء حرب إسرائيل على لبنان وحزب الله يعنى شيئا واحدا، هو تراجع النفوذ الإيرانى فى العراق ولبنان، وهو ما قد يدفع بعض القوى الأخرى فى ملء هذا الفراغ، وتعزيز نفوذها فيها، فى محاولة لتقديم نفسها كقوة إقليمية مهيمنة.
ومؤكد أن استقرار أسعار النفط سوف يعيد لدول الخليج قدراتها على الاستثمار والنمو واستعادة ما خسرته فى الحرب، أما مصر فدورها كوسيط سلام سيُحسب لها سياسيا، وترتفع إيرادات قناة السويس بسبب استقرار الملاحة العالمية..
أما فى العراق ولبنان.. فسوف يتسع المجال أمام النظم السياسية أن تعيد ترتيب الأوضاع الداخلية بما يعيد للدولة قبضتها المنفردة على زمام الأمور دون زحام أو منافسة من الجماعات المسلحة التى كانت مرتبطة بإيران.
يبقى سؤال نهائي: ماذا عن مضيق هرمز، لو أن أمريكا أعلنت إيقاف الحرب وتوقفت عن أعمال القتال؟!
هل ستظل إيران متحكمة فيه، تسمح لسفن بمرور دون سفن أخرى حسب رؤيتها لمصالحها دون أى اعتبار لبقية دول الخليج ودول العالم المرتبطة بالإمدادات القادمة من مضيق هرمز؟
طبعا المضيق ممر طبيعى لم تحفره إيران، ولم تصنعه بأى شكل من الأشكال، وهو خاضع للقوانين الدولية التى تنظم الممرات الملاحية، وأى محاولة من إيران، بعد توقف أمريكا عن الأعمال العدائية، للسيطرة على المضيق أو فرض أى نوع من الرسوم المنفردة عليه هو مواجهة مع دول العالم أجمع، وإذا كانت الصين وروسيا قد عطلت المشروع الخليجى الأردنى فى مجلس الأمن بإعادة افتتاح المضيق، واستخدمتا حق الفيتو، فهما فعلتا ذلك نكاية فى الولايات المتحدة، أكثر دولة فى العالم استخداما لحق الفيتو، وليس فى دول الخليج، وفى حالة توقف الحرب، لا أظن أن إيران ستقع فى الفخ، حتى لا تعرض نفسها لقرار حاد من مجلس الأمن.
نعم ستحتفظ إيران بنفوذها فى المضيق، لكن دون عداءات سافرة!
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



