الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

فى ديوانه «قصائد متوحشة» يقول الشاعر نزار قبانى: «إن من بدأ المأساة ينهيها، وإن من ‏فتح الأبواب يغلقها، وإن من أشعل النيران يطفئها»!‏


لكن الرئيس دونالد ترامب رجل أعمال، حياته صفقات ومساومات وسمسرة وضربات ‏وفرص، لا يفهم كلام الشعراء ولا حكم الأقدمين ولا نبل المشاعر، ولن يغلق أبواب الحرب ‏العبثية التى فتحها فى الشرق الاوسط، ولن يطفئ نيرانها، ولن ينهى المأساة التى بدأها، هو ‏يطلب من إيران أن تفعل ذلك، بشروط حددها ويحاول فرضها، وإلا فسوف يدمر حضارة ‏إيران ويعيدها إلى العصر الحجرى!


وهذا خطأ آخر، فهو يتصور أن الحضارة مجرد منتجات مادية، «كبارى ومحطات كهرباء ‏وسفن وطائرات ومطارات وحقول نفط..الخ»، بينما الحضارة «حالة عقلية وثقافية ونمط ‏علاقات ومنظومة قيم»، ألم تحرق الولايات المتحدة مدينتين تماما فى اليابان بقنبلتين ذريتين ‏فى الحرب العالمية الثانية؟، فهل دمرت حضارة اليابان أم عادت اليابان قوة عظمى اقتصادية ‏فى أقل من ربع قرن؟


وحسنًا فعل الرئيس دونالد ترامب أن وافق على اقتراح باكستان بوقف الأعمال العدائية لمدة ‏أسبوعين، حتى تتاح الفرصة أمام مفاوضات وقف الحرب نهائيًا، على غير رغبة إسرائيل ‏التى تعيش على الحرب والجرائم ضد الإنسانية!‏


والسؤال الذى لم يطرأ على ذهن الرئيس الأمريكى ولا إدارته ولا مستشاريه الذين يخدمون ‏إسرائيل أكثر مما يخدمون مصالح الولايات المتحدة: كيف يطلبون من الطرف المعتدى عليه ‏أن يوقف الحرب؟، وبما أن الرئيس الأمريكى أعلن بكل فخر أنه حقق النصر الكاسح، فلماذا ‏لا يوقفها هو، خاصة أن هذه الحرب تسببت فى أضرار بالغة لدول الخليج العربى دون ‏جريرة سوى تحالفها الاستراتيجى مع أمريكا التى لم تضعهم فى حساباتها ومضت كالأعمى ‏خلف إسرائيل واللوبى الصهيونى فى واشنطن؟!‏


هل يمكن لأجهزة المعلومات فى الولايات المتحدة أن تتصور هذا السيناريو بتوقف القوات ‏الأمريكية عن ضرب إيران وإعلان انتهاء الحرب، بعد أن أتمت مهمتها فى تدمير قدرات ‏إيران النووية والعسكرية والمئات من القيادات؟


فعلا ماذا يمكن أن يحدث؟


أولاً: ستدخل إيران تلقائيا فى مرحلة إعادة ترتيب داخلية، ورسميا سوف يتنازعها أمران: ‏خطاب الصمود أمام العدوان الأمريكى الإسرائيلى، والثانى: محاول ترميم الشرعية التى ‏أنهكت طويلا وخسرت الكثير من مصداقيتها!‏


ثانيًا: غياب التهديد الإيرانى عن دول الجوار، وقطعا لا تعنينا إسرائيل فلتذهب إلى جحيم، ‏وإنما تعنينا دول الخليج العربى فقط.‏


ثالثًا: توقف العمليات سيقلل من خطر امتداد الحرب إلى دول أخرى، وإن كان سيخلق ‏تحديات أمنية جديدة فى دول مثل العراق وسوريا ولبنان


رابعًا: ستشهد أسواق النفط انفراجة نسبية، ويتحسن أداء الاقتصاد العالمى، حتى لو ظل ‏مضيق هرمز نصف مفتوح ونصف مغلق.. وهذا أمر سنفسره لاحقا.‏


والسؤال: هل تستجيب إيران لإعلان أمريكا وقف الحرب أم ستستمر فى العمليات العسكرية ‏ضد إسرائيل ودول الجوار؟!‏


الأرجح أن تتوقف إيران عن العمليات العسكرية المباشرة، بعد استنزاف قدراتها العسكرية ‏بدرجة كبيرة، كما تكبدت خسائر فادحة فى بنيتها الاقتصادية، تجعل من استمرارها فى ‏الحرب أمرا فى غاية الصعوبة، ناهيك عن أن المجتمع الإيرانى فى حاجة إلى التقاط أنفاسه ‏بعد أن تعرض لهجمات فى غاية الشراسة لأكثر من 37 يوما، لم يحدث لها مثيل فى تاريخ ‏إيران الحديث..ويمكن للنظام الإيرانى أن يستغل توقف أمريكا عن الحرب باعتباره نصرا أو ‏على الأقل صمودا، وإذا استمر فى الحرب سيبدو بلا جدوى، وكأنه يدعو الولايات المتحدة ‏إلى إعادة ضربه وشن المزيد من الهجمات عليه.‏


والأخطر بالنسبة للنظام أن استمراره فى الحرب يزيد من احتمال التمرد الشعبى عليه، ‏ويمكن أن تتحول إيران إلى ساحة صراع داخلى.‏


باختصار من المرجح أن تتوقف إيران عن الحرب أيضا، إذا توقفت الولايات المتحدة، ‏لأسباب موضوعية تتعلق بالخسائر والاقتصاد والضغط الأمنى، أما إسرائيل فهى ستتوقف ‏بالتبعية، لأنها لا تستطيع منفردة أن تدفع فاتورة تكاليف الحرب إقليميا ودوليا.‏


توقفت الحرب.. ماذا يمكن أن يحدث فى إيران والمنطقة؟


قطعا سيكون المجتمع الإيرانى فى مأزق لا يحسد عليه، صحيح أن النظام سوف يستغل ‏الوضع فى صياغة خطاب حماسى عن الصمود والتصدى، لكن قدراته ستواجه تساؤلات فى ‏غاية الصعوية عن إعادة الإعمار، خاصة بعد الانهيار الكبير فى البنية التحتية، وعن دوران ‏عجلة الاقتصاد لتلبية احتياجات ثلاثة وتسعين مليون نسمة، وهنا سيواجه المجتمع أزمة ‏معيشية خانقة، ماء وكهرباء وصحة..الخ، لها تداعيات سريعة: موجات هجرة خارجية ‏واحتجاجات واسعة.‏


وبالطبع سيخرج النظام من الحرب وهو أقل قدرة على السيطرة، ويمكن أن تستغلها ‏المعارضة فى «محاولة» لتغيير النظام شعبيا، خاصة أن النظام - قبل الحرب بفترة - هو يواجه ‏أزمة شرعية، ومن ناحية أخرى قد تظهر حركات انفصالية فى الأطراف استغلالا للموقف، ‏الأهواز وكان إقليما عربيا ذا أغلبية شيعية، تحت حكم الكعبيين وضم إلى إيران فى عام ‏‏1925، بلوشستان «جنوب شرق إيران» يسكنها البلوش وهم سنيون، دماء خليط من العرب ‏والإيرانيين، وكردستان إيران.‏


مع احتمال صعود جماعات مسلحة أشبه بما حدث فى العراق بعد 2003.‏


إذن ستكون إيران فى مواجهة مسارات متكافئة بين التفكك أو إعادة البناء بمساعدة الصين ‏وروسيا..‏


أما عن المنطقة العربية فسوف تشعر بارتياح كبير من تضاؤل الخطر الإيرانى عليها، ومؤكد ‏أن انشغال إيران بنفسها بعد توقف الحرب، دون إنهاء حرب إسرائيل على لبنان وحزب الله ‏يعنى شيئا واحدا، هو تراجع النفوذ الإيرانى فى العراق ولبنان، وهو ما قد يدفع بعض القوى ‏الأخرى فى ملء هذا الفراغ، وتعزيز نفوذها فيها، فى محاولة لتقديم نفسها كقوة إقليمية ‏مهيمنة.‏


ومؤكد أن استقرار أسعار النفط سوف يعيد لدول الخليج قدراتها على الاستثمار والنمو ‏واستعادة ما خسرته فى الحرب، أما مصر فدورها كوسيط سلام سيُحسب لها سياسيا، وترتفع ‏إيرادات قناة السويس بسبب استقرار الملاحة العالمية..‏


أما فى العراق ولبنان.. فسوف يتسع المجال أمام النظم السياسية أن تعيد ترتيب الأوضاع ‏الداخلية بما يعيد للدولة قبضتها المنفردة على زمام الأمور دون زحام أو منافسة من ‏الجماعات المسلحة التى كانت مرتبطة بإيران.‏


يبقى سؤال نهائي: ماذا عن مضيق هرمز، لو أن أمريكا أعلنت إيقاف الحرب وتوقفت عن ‏أعمال القتال؟!‏


هل ستظل إيران متحكمة فيه، تسمح لسفن بمرور دون سفن أخرى حسب رؤيتها لمصالحها ‏دون أى اعتبار لبقية دول الخليج ودول العالم المرتبطة بالإمدادات القادمة من مضيق هرمز؟
طبعا المضيق ممر طبيعى لم تحفره إيران، ولم تصنعه بأى شكل من الأشكال، وهو خاضع ‏للقوانين الدولية التى تنظم الممرات الملاحية، وأى محاولة من إيران، بعد توقف أمريكا عن ‏الأعمال العدائية، للسيطرة على المضيق أو فرض أى نوع من الرسوم المنفردة عليه هو ‏مواجهة مع دول العالم أجمع، وإذا كانت الصين وروسيا قد عطلت المشروع الخليجى الأردنى ‏فى مجلس الأمن بإعادة افتتاح المضيق، واستخدمتا حق الفيتو، فهما فعلتا ذلك نكاية فى ‏الولايات المتحدة، أكثر دولة فى العالم استخداما لحق الفيتو، وليس فى دول الخليج، وفى حالة ‏توقف الحرب، لا أظن أن إيران ستقع فى الفخ، حتى لا تعرض نفسها لقرار حاد من مجلس ‏الأمن.‏


‏نعم ستحتفظ إيران بنفوذها فى المضيق، لكن دون عداءات سافرة!‏

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط