الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

فى لحظة كان يفترض أن تكون لحظة تأسيس جديدة، وليست مجرد إجراء إدارى عابر، صدر تشكيل لجان المجلس الأعلى للثقافة فى 2 أبريل 2026، ليعيد طرح سؤال يبدو بسيطًا فى ظاهره، ولكنه شديد التعقيد فى مضمونه: هل نحن بصدد بناء عقل ثقافى مصرى قادر على إنتاج سياسات فاعلة، أم أننا نعيد ترتيب الأدوات القديمة نفسها داخل إطار لم يعد صالحًا للتأثير؟


القضية هنا.. لا تتعلق بالأسماء، ولا يمكن اختزالها فى حضور هذا أو غياب ذاك. الأسماء، مهما كانت قيمتها، تظل نتيجة، وليست سببًا. أما السبب الحقيقى.. فيكمن فى القواعد التى تحكم عملية الاختيار، وفى الفلسفة التى تدير المشهد من الأساس.


ومن ثم، فإن أى قراءة جادة لا بد أن تبدأ من سؤال مرجعى، هو: كيف تم الاختيار؟ وبأى معايير؟ ولماذا هؤلاء تحديدًا؟ ومن الذى لم يمنح حتى فرصة الحضور؟


 تناقضات ثقافية ومعايير غائبة


أخطر ما كشفه التشكيل الأخير للجان المجلس الأعلى للثقافة هو غياب المعايير المعلنة، فلا توجد قواعد منشورة تحكم الاختيار، ولا آلية ترشيح واضحة، ولا نظام تقييم معروف.. يمكن الرجوع إليه، وفى ظل هذا الغياب، يصبح كل اختيار قابلًا للتفسير، وكل قرار قابلًا للتأويل. 


وهنا يتحول الشك من استثناء إلى نتيجة طبيعية. لا يتعلق الأمر بالشفافية بوصفها قيمة أخلاقية فقط، بل بوصفها شرطًا مؤسسيًا لبناء الثقة. لأن المؤسسة التى لا تعلن قواعدها، تفتح الباب لتفسيرات لا يمكن حصرها أو السيطرة عليها، حتى لو كانت نواياها سليمة.
والسؤال الذى يفرض نفسه: هل هناك نظام تقييم مكتوب؟ وهل تخضع الاختيارات لمعايير موضوعية قابلة للقياس، أم أن الأمر يظل رهين تقديرات شخصية، تتحرك داخل دوائر ضيقة؟!


 دوائر الشخصيات المغلقة


تكرار بعض الأسماء أو إعادة توزيعها عبر أكثر من لجنة ليس هو جوهر المشكلة، بل فى دلالته. إن استمرار الدوائر فى إعادة إنتاج نفسها يعكس خللًا مؤسسيًا، وليس مجرد اختيار شخصى. المسألة هنا تتعلق بغياب بنية معرفية حديثة داخل وزارة الثقافة.. هل توجد قاعدة بيانات محدثة تضم المثقفين والمفكرين والمبدعين فى مصر؟ هل هناك آلية لاكتشاف أسماء جديدة؟ أم أن «المعروف» يظل دائمًا هو «الاختيار الآمن»، حتى لو لم يعد هو «الأكثر تأثيرًا»؟


وحين تغلق دوائر الاختيار، لا تتجمد الأسماء فقط، بل تتجمد الأفكار أيضًا.


 اختلال هندسة اللجان


لا يمكن إغفال ما يظهر من تناقضات فى بنية لجان المجلس الأعلى للثقافة نفسها. تداخل فى الاختصاصات، وتكرار فى بعض المجالات والتخصصات، وتعيينات لا تتسق دائمًا مع الخبرات الدقيقة، وهو ما يطرح تساؤلًا أكثر عمقًا عن مدى وجود تصور واضح لهندسة العمل الثقافى داخل المجلس؟


اللجان ليست مجرد تقسيمات تنظيمية، بل هى أدوات لإنتاج المعرفة وصياغة الرؤية. وإذا اختل تصميمها، اختلت بالضرورة مخرجاتها ونتائجها، ولا يمكن الحديث عن سياسات ثقافية فاعلة دون بنية تنظيمية دقيقة تعكس هذه السياسات.


 بين التفكير والتنفيذ.. فراغ بلا ملامح


من أكثر المسائل إشكالية أن لجان المجلس الأعلى للثقافة عبر تاريخها، تنتج توصيات. ولكن هذه التوصيات لا تجد سبيلًا واضحًا إلى التنفيذ، ولا توجد أى جهة أو هيئة أو مجلس تابع لوزارة الثقافة.. ملزم بتطبيقها، ولا أى مسار مؤسسى يربط بينها وبين القرار التنفيذى داخل وزارة الثقافة.


هنا يظهر الخلل الجوهرى: إذا كانت اللجان تفكر، فمن المنوط به أن ينفذ؟ وإذا كانت الوزارة تنفذ، فمن يحدد الإطار الفكرى؟ وهل هناك وسيلة واضحة تربط بين الطرفين، أم أن كل منهما يعمل فى جزر منعزلة؟! وفى غياب هذه العلاقة، تتحول تلك اللجان إلى منتج للأفكار بلا ضمانة، وتتحول السياسات إلى قرارات منفصلة عن إنتاجها الفكرى. وهو مشهد.. لا يمكن أن ينتج أثرًا حقيقيًا.


 الشفافية الافتراضية


الحقيقة أنه لا توجد تقارير دورية منشورة توضح ما أنجزته تلك اللجان، ولا أى مؤشرات أداء تقيس هذا الإنجاز، ولا نظام متابعة يحدد ما تحقق وما لم يتحقق، وفى غياب التقييم، يصبح كل شيء قابلًا للادعاء بين إنجاز محتمل، وإخفاق غير مرئى، وإذا افترضنا وجود تلك التقارير السرية التى لا يعلم أعضاء اللجان عنها شيئًا قبل غيرهم.. فسيكون أمرًا كارثيًا.
المؤسسات الثقافية تحديدًا.. لا تدار بالنوايا، بل بالمؤشرات، وأى عمل لا يخضع للتقييم، يظل خارج نطاق المساءلة، حتى لو بدا فعالًا على مستوى الشكل.


 عدالة ثقافية غائبة


لا يمكن إنكار ثقل القاهرة فى المشهد الثقافى، ولكن تحويل هذا الثقل إلى مركزية شبه مطلقة ينتج رؤية أحادية، الثقافة المصرية ليست صوتًا واحدًا.. مقصورة على العاصمة، بل أصوات متعددة.. تتنوع جغرافيًا واجتماعيًا وفكريًا.


غياب التمثيل الحقيقى للأقاليم بمحافظاتها.. لا يعنى فقط غياب أسماء، بل غياب خبرات وتجارب ورؤى، وهو ما ينعكس مباشرة على طبيعة ما ينتج من أفكار وسياسات، العدالة 
الثقافية هنا ليست مطلبًا رمزيًا، بل ضرورة لبناء رؤية وطنية متكاملة.


 تضارب المصالح الثقافية


مسألة أخرى غير منطقية، وهى تعدد المناصب والعضويات لبعض أسماء أعضاء اللجان. وهو ما يطرح سؤالًا مشروعًا: هل توجد لائحة واضحة للإفصاح عن هذه العضويات؟ وهل هناك قواعد تمنع تضارب المصالح.. خاصة فى حالات التصويت أو اتخاذ القرار؟
فى غياب هذه القواعد، تتدخل القرارات فى مساحة رمادية.. حتى لو لم يحدث تعارض فعلى، والشفافية هنا لا تحمى المؤسسة فقط، بل تحمى الأعضاء أيضًا من أى تشكيك غير مبرر.


 الزمن الثقافى والتحول الرقمى


لم تعد الثقافة.. حبيسة القاعات المغلقة أو الفعاليات التقليدية، وأصبح العالم كله يتحرك عبر المنصات والتطبيقات الرقمية، وتتشكل فيه أنماط وأشكال جديدة من التأثير. ومع ذلك، لا ينعكس هذا التحول بشكل أو بآخر على عمل اللجان أو على أسلوب تفكيرها وعملها.


الأخطر من ذلك هو بطء اتخاذ القرارات داخل هذه اللجان.. فى وقت يتحرك فيه الواقع بسرعة غير مسبوقة. التأخير هنا لا يعنى فقط بطء الإجراءات، بل فقدان القدرة على التأثير فى اللحظات المناسبة.


من لا يدرك التحول، لا يمكنه قيادته.


 الغائب الحاضر


نصل هنا إلى السؤال الأكثر خطورة: ما موقع المجلس الأعلى للثقافة من صياغة السياسات الثقافية؟ نظريًا، هو عقل استشارى يسهم فى رسم الرؤية. وعمليًا، تبدو العلاقة بينه وبين القرار التنفيذى ملتبسة.


هل تتحول توصياته إلى سياسات؟ وهل توجد خريطة واضحة تربط بين مخرجاته وخطط وزارة الثقافة بوجه عام؟ وهل هناك إطار استراتيجى تستند إليه هذه المخرجات؟ أم أن كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر؟ وفى غياب هذه الإجابات، تتحول السياسات الثقافية إلى مجرد ردود أفعال، وليس فعلًا استباقيًا. 


وتبقى الأفكار حبيسة اللجان، دون أن تصل إلى دوائر أصحاب صناعة القرار الثقافى ومتخذيه.


 إصلاح ثقافى محتمل


إذا كان الهدف هو الرغبة فى إصلاح ثقافى حقيقى، فلا يمكن أن يبدأ أو يقتصر على تغيير الأسماء، بل من خلال إعادة بناء القواعد، وهناك خطوات لا يمكن تجاوزها، بل يجب الحرص على تحقيقها:


1 - إعلان معايير واضحة وملزمة لاختيار أعضاء اللجان.


2 - إنشاء قاعدة بيانات وطنية حديثة للمثقفين والمفكرين والمبدعين.


3 - تحديد مدد عضوية اللجان، ومنع التكرار غير المبرر.


4 - إعادة هيكلة اللجان.. وفق تخصصات دقيقة غير متداخلة.


5 - ربط توصيات اللجان بآلية تنفيذ.. ملزمة داخل الوزارة.


6 - إصدار تقارير دورية.. تقيس الأداء وتعلن النتائج.


7 - إقرار قواعد صارمة.. للإفصاح ومنع تضارب المصالح.


8 - تحقيق تمثيل عادل للأقاليم والمحافظات داخل التشكيل.


9 - دمج التحول الرقمى ضمن محتوى العمل الثقافى.


 نقطة ومن أول السطر


يبقى السؤال الحاسم موجهًا إلى وزارة الثقافة: ما الدور الحقيقى للمجلس الأعلى للثقافة فى المرحلة القادمة؟ وهل سيظل كيانًا استشاريًا محدود التأثير، أم سيتحول إلى شريك فعلى فى صناعة السياسات الثقافية؟


الإجابة عن هذا السؤال.. لا تحدد فقط شكل اللجان وعضويتها، بل تحدد موقع الثقافة فى الدولة المصرية، وإما أن تكون الثقافة أداة لبناء الوعى، ومواجهة التطرف، وصياغة المستقبل، أو تظل نشاطًا موازيًا بلا تأثير حقيقى.. لزوم تحقيق البيروقراطية الحكومية التقليدية.


الثقافة ليست ترفًا، وليست شكلًا للمظاهر. إنها أحد ثوابت الأمن القومى المصرى، وأداة بناء الإنسان وتحقيق الدولة المدنية من خلال تشكيل العقل الجمعى. ومن دون منظومة قادرة على التفكير والتنفيذ معًا.. ستظل كل الجهود، مهما كانت، أقل من أن تصنع الفارق.


الإصلاح الثقافى لا يحتاج إلى مزيد من اللجان، بل إلى نظام يمنح هذه اللجان معنى ودور.

 ودون ذلك، سنبقى ندور فى الدائرة المغلقة نفسها.. مع كل تشكيل جديد، ودون أن نقترب خطوة واحدة من مضمون المسألة وجوهرها.


الثقافة.. نور. وهى السبيل الوحيد لمواجهة التطرف والتعصب والتشدد.


الثقافة هى المسار لتحقيق الدولة المدنية المصرية.


الثقافة هى الحل..


الثقافة والمعرفة هى الحل..


العدالة الثقافية..


الاستثمار الثقافى..


الثقافة.. أمن قومى مصرى..

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط