الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

فى ظِلّ زمن تحولت فيه منصات التواصل الاجتماعى إلى ساحات مفتوحة لنشر كل ما هو حقيقى أمْ مفبرك، تقف جهود وزارة الداخلية أمام تحدٍ كبيرّ؛ حيث مطلوب منها ملاحقة ما يُنشر سواء صورة أو مقطع فيديو يثير الجدل؛ حيث تبدأ عملية دقيقة من الفحص والتحليل، تعتمد على أدوات تكنولوجية متقدمة وخبرات بشرية مدرَّبة؛ للتحقق من مَصدر المحتوى المنشور، وتوقيته والمكان الذى تم التصوير فيه، وهل المحتوى حديث أمْ قديم أو سبق نشره من قبل أمْ لا؛ بل تحديد الجهاز المستخدَم فى التسجيل، وعقب ذلك يأتى دَور تتبع الحساب أو الشبكة التى تقف وراء النشر، سواء بغرض الإثارة أو البَلبَلة، أو كشف الحقيقة، ثم يلى ذلك التحرك الميدانى حال تبيُّن أن الواقعة حقيقية، حينها تتحرك الأجهزة الأمنية بسرعة لضبط الجناة، وإعادة الانضباط للشارع المصرى. وهذا ما حدث فى أكثر من مناسبة، عقب تداوُل مقاطع تُظهر تجاوزات أو اعتداءات، حينها تحولت هذه المقاطع إلى أدلة ساعدت فى سرعة تحديد وضبط مرتكبيها، وهو ما يعكس استجابة فورية وحاسمة. مثل مقطع فيديو (شهاب من أرض الجمعية) الذى تم إيداعه إحدى دُور الرعاية لحين بلوغه سن الثامنة عشرة، وذلك فى قضية اتهامه بالتعدى على مواطن بطريق الأوتوستراد بمَفك، ومقطع فيديو (اعتداء رجل أعمال على فرد أمن فى كمبوند سكنى) وبلطجة مَن يشغلون وظيفة سُيّاس فى الشارع؛ لتحصيل أموال من المواطنين دون وجه حق. هذه المقاطع وغيرها أكدت لكل من سولت له نفسه؛ أن الفضاء الإلكترونى بالنسبة لرجال وزارة الداخلية لم يَعد خارج نطاق القانون والمحاسبة.
 


أمّا فى حال تبيّن أن الواقعة المنشورة غير حقيقية، أو تم التلاعب فيها رقميًا، أو التى يتم تصنيعها لخداع الجمهور، أو فى الفيديوهات التى يتم أيضًا تحديد الجناة وضبط القائمين على نشر تلك الشائعات، بحيث تتخذ ضدهم الإجراءات القانونية، لكن الأخطر لم يكن فى هذه الوقائع وحدها؛ بل فى سيل المقاطع التى يتم «تصنيعها» خصيصًا لخداع الجمهور، أو فى الفيديوهات التى تدعى وقائع خطف، وأخرى صورت مشاجرات عادية، وتصورها على أنها انفلات أمنى، أو تنشر مقاطع مفبركة لأشخاص يدّعون تعرُّضهم لاعتداءات لم تحدث أصلاً. هنا تتحرك وزارة الداخلية، تفحص وتدقق، حتى تصل إلى الحقيقة، ثم تضبط من يقف خلف هذا العبث، ويُقدَّم للعدالة ليحاسَب وفق القانون.
 


ورغم ما تقوم به وزارة الداخلية من جهود فى هذا الشأن لتبين الحقيقة من الشائعة؛ يظل هناك تحدٍّ أكبر لا بُدّ من مواجهته، وهو المتمثل فى وعى مَن يتعامل مع مواقع التواصل الاجتماعى أو ينشر من خلالها. فى وقت تصنع فيه الأزمات بكاميرا هاتف محمول، تنقل من خلاله الشائعات بضغطة زر، بينما الحقيقة تحتاج إلى فحص وتحقيق، بدلاً من ترديدها دون وعى أو فهم؛ بل تصديقها وإعادة نشرها، لنكتشف جميعًا أن الأزمة لم تعد فيمن يفبرك؛ بل أصبحت فيمن يروج، وكلاهما بالمناسبة يضر بأمن واستقرار الوطن. فالمواطن الذى يضغط (مشاركة) دون تحقق، قد يكون شريكًا غير مباشر فى نشر الذعر أو تضليل الرأى العام. فحماية العقول والمجتمع من الفوضى والتضليل، له الأولوية القصوى، وبالتالى يجب أن يكون الوعى والفهم المعركة الأساسية لكل مواطن مصرى وليس وزارة الداخلية فقط. فلم يعد التعامل مع ما يُنشَر على مواقع التواصل الاجتماعى سبيلاً للرفاهية وتضييع الوقت؛ بل هو ضرورة أمنية مُلحة، لا تحتمل التهاون أو التأخير. وهذا تحديدًا ما فطن له رجال وزارة داخليتنا، عندما طوروا من آلياتهم وتقنياتهم لمجابهة تلك الجرائم، التى من الممكن أن تتحول بين لحظة وأخرى إلى فتنة فى المجتمع تهدّد أمنَه وسلامَه. ولا تقل بأى حال من الأحوال عن حفظ الأمن فى الشارع، لذلك يخضع كل ما يُنشَر على تلك الوسائل للفحص والمساءلة. ويعكس أيضًا قدرة أجهزتنا الأمنية على مواكبة التطور التكنولوجى، وتحويل أدوات النشر السريع إلى وسيلة لكشف الحقيقة لا طمسها.
 


هذا هو الواقع، وبمعنى أصح الجريمة، التى فرضتها علينا استخدامات السوشيال ميديا غير المسئولة، وعلينا أن نستعد لها، فالجريمة لم تعد فقط سِكّينًا أو طلقة رصاص؛ بل قد تكون فى هذا الزمن مقطع فيديو، يكذب من خلاله من صنعه، ويمنحه فرصة الحياة من يروج له بمشاركته.

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط