وسط هذا الضجيج الإلكترونى الذى نعيشه، حيث تحولت الشاشات إلى ساحات قتال موازية، لم تكن ما يُسمى بـ«حرب الخليج الثالثة» مجرد اشتباك عسكرى على خرائط النفط والممرات، بل كانت اختبارًا قاسيًا لفكرة أعمق.
هل ما زال هناك شىء اسمه الأمن العربى؟ أم أننا أمام جزر متباعدة، لكل منها حساباته، وخوفه، وأوهامه؟
الأسئلة التى قفزت إلى السطح لم تكن بريئة، ولم تكن عابرة. بعضها كُتب بمداد القلق، وبعضها الآخر صيغ بدهاء يستهدف إعادة تعريف الأدوار، بل وإعادة توزيع المكانة داخل الإقليم.
أين مصر؟ ولماذا تبدو -فى نظر البعض- بعيدة؟ وهل انكفأت القاهرة على ذاتها، تاركة الخليج لمصيره؟ أم أن ما نراه ليس سوى قراءة سطحية لمعادلات أكثر تعقيدًا مما تحتمله تغريدة أو «بوست» سريع؟
هنا، يصبح من الضرورى أن نطرح السؤال بصيغته الأكثر قسوة،هل خرجت مصر من معادلة الأمن القومى العربى؟
الإجابة، ببساطة لا تُرضى المتعجلين، مصر لم تخرج، لأنها -تاريخيًا واستراتيجيًا- ليست طرفًا يمكنه الانسحاب من معادلة هو أحد أعمدتها. فالدولة التى شكلت عبر عقود، مركز الثقل السياسى والعسكرى والثقافى، لا تغيب إلا إذا غاب المفهوم نفسه.
لكن، لماذا إذن هذا الانطباع؟
لأن مفهوم الأمن تغير، بينما ظلت بعض العقول أسيرة تعريفاته القديمة. لم يعد الأمن القومى يُقاس فقط بعدد الجنود على الحدود، أو ببيانات الحشد والاستنفار، بل بات شبكة معقدة من التوازنات. اقتصادية، استخباراتية، دبلوماسية، بل وإعلامية.
ومصر، التى تخوض معاركها على جبهات متعددة، من تثبيت الدولة الوطنية، إلى مواجهة الإرهاب، وإلى إدارة توازنات إقليمية دقيقة، اختارت أن تُمارس دورها بعقل الدولة، لا بانفعال اللحظة.
السؤال الأكثر حساسية يتجاوز مصر، ليصل إلى جوهر الإشكالية!
هل الأمن الخليجى جزء من الأمن العربى، أم كيان منفصل عنه؟
الواقع يقول: إن الفصل بينهما وهم سياسى، حتى وإن راجت له بعض الخطابات. الخليج، بثرواته وموقعه، هو قلب اقتصادى نابض، لكن هذا القلب لا يعيش دون جسد. ومصر، بما تمثله من عمق بشرى وعسكرى وحضارى، هى أحد أهم أعمدة هذا الجسد.
أى محاولة لفصل الأمن الخليجى عن نظيره العربى، هى -فى جوهرها- إعادة إنتاج لفكرة الأمن المجزأ، التى أثبتت كل الحروب السابقة أنها وصفة مؤكدة للهشاشة.
أما القول بأن مصر انكفأت، فهو طرح يحتاج إلى مراجعة دقيقة. فالدولة التى تتحرك بحسابات الاستقرار، لا تُقاس مواقفها بضجيج التصريحات، بل بقدرتها على منع الانفجار، أو احتوائه حين يقع.
والتاريخ القريب يهمس بحقيقة لا تقبل المزايدة. حين اهتز الإقليم، كانت القاهرة فى اللحظات الحاسمة حاضرة، حتى وإن اختارت الصمت فى العلن.
لكن، هل هذا يكفى لإقناع الرأى العام العربى، الذى بات أسيرًا لسرعة المعلومة وسطحية التحليل؟
ربما لا.
وهنا، يبرز التحدى الحقيقى. ليس فقط فى إدارة السياسة، بل فى إدارة الرواية. فالمعركة اليوم لم تعد عسكرية فقط، بل إعلامية ونفسية بامتياز. ومن يملأ الفراغ، يكتب القصة، حتى لو كانت ناقصة أو مغلوطة.
فى اليوم التالى لانتهاء هذه الحرب -كما فى كل الحروب- ستنكشف الحقائق ببطء، وسنكتشف أن كثيرًا من الأسئلة التى بدت صادمة، كانت فى جوهرها انعكاسًا لقلق مشروع، لكنه وُظف أحيانًا فى غير سياقه.
وسنعود إلى الحقيقة الأولى. إن الأمن العربى ليس شعارًا بل قدر مشترك، وأن مصر، مهما اختلفت زوايا الرؤية، ستظل حجر الزاوية فى معادلته.
لأن الجغرافيا قد يُعاد رسمها، لكن التاريخ -حين يكتب نفسه بدماء الشعوب- لا يقبل التعديل.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



