الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

باريس الصغرى تكتب حكايتها من جديد

الإسماعيلية تحيي تراثها الشعبي في أعياد الربيع بـ“حريق اللنبي”

بوابة روز اليوسف

تحتفظ كل محافظة من محافظات الجمهورية بملامحها الخاصة التي تشكل هويتها الثقافية والاجتماعية، غير أن مدينة الإسماعيلية التي تلقب بباريس الصغرى، إحدى أبرز مدن قناة السويس إلى جانب بورسعيد والسويس، تنفرد بتراث شعبي استثنائي ظل حاضرًا في الذاكرة الجمعية لعقود طويلة، يتمثل في طقس احتفالي فريد عُرف باسم حريق اللنبي، ارتبط تاريخيًا بأجواء الاحتفال بـشم النسيم، وتحول عبر الزمن إلى رمز شعبي متعدد الدلالات بين الرفض والاحتفال وإعادة إنتاج الذاكرة.

 

تعود جذور هذا الطقس إلى مرحلة تاريخية ارتبطت باسم اللورد اللنبي، الذي ظل في الوعي الشعبي رمزًا لفترة الاحتلال وما صاحبها من مظاهر قهر واستبداد، قبل أن يتحول اسمه إلى دلالة رمزية تُستدعى سنويًا في سياق احتفالي، حيث يُنظر إلى حرق الدمى التي تجسده بوصفه تعبيرًا رمزيًا عن رفض الظلم والتطلع إلى الحرية، في مزيج فريد يجمع بين الطقس الشعبي والذاكرة التاريخية.

دمى عملاقة ورسائل تتجاوز الشكل

في قلب هذا المشهد، يبدع شباب المدينة في صناعة دمى ضخمة من القماش والخشب، تجسد شخصيات رمزية يُنظر إليها في كل عام باعتبارها تمثيلًا للفساد أو القهر أو الاستبداد، في منافسة غير رسمية بين الأحياء على تصميم أكبر وأضخم دمية، قد يصل ارتفاع بعضها إلى ما يعادل مبنى من خمسة طوابق، في دلالة على حجم الجهد الجماعي الذي يُبذل لإحياء هذا التقليد.

وتُعرض هذه الدمى في مشهد احتفالي واسع كان يُقام في شارع محمد علي بحي أول، حيث تصطف وفق أحجامها في عرض بصري لافت، وسط حضور جماهيري كثيف يعكس ارتباط أبناء المدينة بهذا الإرث الشعبي، وحرصهم على الحفاظ على طقوسه بوصفه جزءًا من هويتهم المحلية.

احتفالات تمتد بين الفن والفرح الشعبي

لم تكن هذه الفعاليات مجرد طقس رمزي فحسب، بل كانت تمتد لتشمل مظاهر احتفالية واسعة، حيث شارك في إحيائها عدد من أبرز نجوم الأغنية الشعبية والعاطفية، من بينهم رمضان البرنس وحسن الأسمر وخالد عجاج، إلى جانب آخرين، في حفلات جماهيرية أضفت على المشهد طابعًا فنيًا نابضًا بالحياة.

كما تميزت الأجواء بعروض ملكات الفراولة المخصصة للأطفال، التي منحت الاحتفال بعدًا بريئًا يعكس روح الطفولة، إلى جانب انتشار الباعة الجائلين الذين امتلأت بهم الشوارع، حاملين المأكولات الشعبية مثل الترمس والحمص والذرة المشوية والبطاطا، في مشهد يختلط فيه الفرح بالبساطة، وتتشابك فيه تفاصيل الحياة اليومية مع الطقس الاحتفالي.

لحظة الذروة.. حين تشتعل الرمزية

مع الساعات الأولى من فجر اليوم التالي، تبلغ الفعاليات ذروتها فيما يُعرف بطقس حريق اللنبي، حيث تُشعل النيران في الدمى المنتشرة في أحياء المحافظة، في مشهد رمزي يعكس في جوهره فكرة رفض الظلم والاستبداد، ويجسد ذاكرة جمعية صاغها المجتمع المحلي بطريقته الخاصة، محولًا الفعل الاحتفالي إلى رسالة ذات طابع اجتماعي وتاريخي في آن واحد.

تحول نحو احتفالات أكثر أمانًا

غير أن هذا الطقس شهد خلال السنوات الثماني الماضية تحولًا جوهريًا، بعدما اتخذت الجهات المعنية في محافظة الإسماعيلية قرارات بمنع إشعال النيران داخل المدينة، حفاظًا على السلامة العامة وتقليل الأضرار البيئية والحفاظ على المظهر الحضاري.

وبديلًا عن ذلك، جرى تطوير صيغة احتفالية جديدة أكثر أمانًا، شملت تنظيم عروض فرق السمسمية التراثية، وإقامة حفلات فنية محدودة، إلى جانب عروض ملكات الفراولة ومسيرات للسيارات المزينة التي تنظمها الأحياء والجهات المحلية، في محاولة للحفاظ على روح الاحتفال مع إعادة صياغته بما يتناسب مع معايير السلامة الحديثة.

تراث يتجدد ولا يندثر

ورغم هذا التحول في الشكل، لا تزال الإسماعيلية محافظة على روحها التراثية المتفردة، حيث يواصل أبناؤها استحضار ملامح الماضي في سياق حضاري أكثر تنظيمًا وأمانًا، ليبقى هذا الطقس شاهدًا على قدرة التراث الشعبي على التكيف مع الزمن دون أن يفقد جوهره، وعلى مدينة استطاعت أن تحوّل الفرح إلى ذاكرة، والذاكرة إلى هوية متجددة.
 

تم نسخ الرابط