في سنة 1969م، نشر صادق جلال العظم كتابه "نقد الفكر الديني"، الذي أثار الجدل في الدول العربية، وتم رفع قضايا ضد المؤلف وتقديمه للمحاكمة، التي انتهت بتبرئته.
صادق جلال العظم 1934-2016م، هو مفكر سوري وأستاذ بجامعة دمشق في الفلسفة الأوروبية الحديثة، له كتب في الفلسفة ودراسات عن المجتمع والفكر العربي المعاصر.
مشروع كتب صادق جلال العظم بدأه بـ"النقد الذاتي بعد الهزيمة" بعد حرب 1967م، وأتمه بـ"نقد الفكر الديني"، و"ذهنية التحريم"، و"ما بعد ذهنية التحريم".
في تعريفه لنفسه ومنهجه، يقول صادق جلال العظم: "أقدم نفسي كمثقف ومفكر وكاتب حاول ما استطاع الاقتداء بالحكمة السقراطية القائلة بأن الحياة غير المفحوصة جيداً غير جديرة بأن تعاش أصلاً، مع رفضي كل محاولة لرفع أي موضوعات فوق مثل هذا الفحص أكان فردياً أم جماعياً، باسم توجه الناس نحو السماء وباسم القداسة والمقدسات".
كان هدف صادق جلال العظم هو تحليل الفكر الغيبي استناداً للفكر العلمي، مثل نقده لقصة إبليس، لكن ما نقده العظم هو التفسير الديني الذي يقضي بإحالة كل أمور الدنيا إلى الغيب والقدر.
كتاب نقد الفكر الديني تعرض فيه صادق جلال العظم لنقد الدين كأسلوب حياة وطريقة تفكير، وقال في تعريف الكتاب: "هو مجموعة أبحاث تتصدى بالنقد العلمي والمناقشة العلمانية والمراجعة العصرية لبعض نواحي الفكر الديني السائد بصوره المختلفة والمتعددة في الوطن العربي".
ويتطرق العظم لقصة إبليس: "مشكلة إبليس ترجع إلى فكرة مهمة قال بها بعض العلماء المسلمين وهي التمييز بين الأمر الإلهي وبين المشيئة أو الإرادة الإلهية، فالأمر بطبيعة الحال إما أن يطاع وينفذ وإما أن يعصى، وللمأمور الخيار في ذلك، أما المشيئة الإلهية فلا تنطبق عليها مثل هذه الاعتبارات لأنها بطبيعتها لا ترد، وكل ما تتعلق به المشيئة الإلهية واقع بالضرورة".
ويضيف: "إذا نظرنا إلى الأمور من هذه الزاوية، بإمكاننا أن نعتبر الأمر والنهي أشياء طارئة وعرضية إذا قيست بسرمدية المشيئة الربانية وقدم الذات الإلهية".
يرى الكاتب أن إبليس خالف الأمر الإلهي عندما رفض السجود لآدم، غير أنه كان منسجماً مع المشيئة الإلهية ومع واجبه المطلق نحو ربه، فلو سجد إبليس لآدم لخرج عن حقيقة التوحيد.
ويقول العظم: "هل تكمن الطاعة الحقيقية في الإذعان للأمر أم في الخضوع للمشيئة؟، هل يكمن الصلاح في الانصياع للواجب المطلق أم لواجبات الطاعة الجزئية؟".
يستشهد العظم بكلام الحلاج في کتاب الطواسين: "والتقى موسى وإبليس على عقبة الطور، فقال له: يا إبليس ما منعك عن السجود؟، فقال: منعني الدعوى بمعبود واحد، ولو سجدت له لكنت مثلك، فإنك نوديت مرة واحدة أنظر إلى الجبل، فنظرت، ونوديت أنا ألف مرة أن أسجد فما سجدت".
وكلمة السجود في القرآن تأتي بمعنى الخضوع: (ادخلوا عليهم الباب سجدا) ، لا تعني الدخول من الباب والجبهة على الأرض، وإنما تعني الخضوع لقانون ونظام المكان.
والأمر للملائكة بالسجود لآدم لا يعني السجود الجسدي، بل يمثل خضوع نظام الكون للإنسان، مما يجعل الإنسان قادراً على أن يسخر قوانين الطبيعة لصالحه، مثل قوانين الجاذبية والطفو والطيران.
والملائكة تمثل القوى المنفذة للقوانين التي تجعل الكون يسير وفق مشيئة الله: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم 6.
وقد ظن إبليس خطأً بأن السجود تفضيلاً لآدم، فرفض السجود: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) الأعراف 11.
رفض إبليس ارتبط بالاستكبار وليس بالاعتذار، فتم طرده من الملأ الأعلى: (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) الحجر 34-35، وعصيان آدم وحواء ارتبط بالندم والتوبة: (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) الأعراف 23، فتاب عليهما تعالى: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) طه 120.
وحسب رؤية العظم، أن قصة إبليس ليست قصة الصراع بين الخير والشر أو الحق والباطل، بل وقوع إبليس بين المشيئة من ناحية والأمر من ناحية أخرى، فكان عليه أن يختار بين واجبه في التقديس والتوحيد، وبين واجبات الطاعة التي أمره بها الله.



