هو جهاز صغير في حجمه، بالغ الأثر في استخدامه وتأثيره، قادر على أن يكون وسيلة للإنجاز والتقدم، كما أنه يمكن أن يتحول في غفلة إلى مصدر للأزمات المختلفة إذا أُسيء استخدامه بلا وعي أو مسؤولية، ومن هذه المشكلات: "تشتيت الانتباه، تهديد السلامة والأرواح، ويخطف العقول، يخترق وينتهك الخصوصيات، يضعف القيم".
"الموبايل" بوابة بين النعمة والنقمة، فلم يعد الهاتف المحمول مجرد أداة اتصال أو وسيلة لإجراء المكالمات، بل إنه تحول إلى عالم صغير متكامل في جيوبنا، أو نحمله بين أيدينا، خاصة بعد التوأمة التي تمت بين الهاتف وشبكة الإنترنت، التي أسهمت في إنجاز أمورنا المختلفة بحياتنا اليومية ومنها: "العمل، التعلم، التواصل، الترفيه"، وغيرها من أمور تنجز في دقائق معدودة، كانت تستغرق وقتا طويلا، وبهذا بات جهاز المحمول رفيقا يلازمنا ولا يفارقنا في كل زمان ومكان.
رغم ما يقدمه “الموبايل” من فوائد كثيرة ومتنوعة، فإن البعض أساء استخدامه عبر ممارسات خاطئة لا تفيد، بل قد تسببت في إحداث الضرر سواء للمستخدم نفسه أو من حوله، فقد أفرز هذا التحول الهائل في المحتوى الرقمي عن سلوكيات سلبية تجاوزت حدود العقل والإنسانية نتيجة الاستخدام الخاطئ له، فنرى من يوثق حادثًا ما بعدسة هاتفه بدلًا من أن يسارع لإنقاذ المصابين، وهناك من ينشغل به أثناء القيادة بما يعرض حياته هو والآخرين للخطر، إلى جانب من ينتهك خصوصيات الناس بنشر صورهم ومواقفهم دون إذن أو احترام لحرمة حياتهم الخاصة.
الغربب والعجيب في الأمر أن هناك أشخاصًا يتعمدون كشف أسرار حياتهم الشخصية، وإقحام تفاصيل أسرهم أمام مرأى ومسمع الجميع، وقد انتشرت هذه الظاهرة المثيرة للجدل إبان سهولة امتلاك الهاتف ووصوله إلى الجميع دون رقابة أو وازع من الضمير، حتى أصبح لدى البعض وسيلة لجذب المشاهدات وتحقيق الربح والوصول إلى ما يسمى "التريند"، ولو كان في ذلك مغامرة بحياته وحياة الآخرين، أو على حساب القيم والخصوصية.
في النهاية.. تتعدد سلبيات “الموبايل”، إذ لم يعد تأثيره مقتصراً على الاستخدام الشخصي فحسب، بل امتد لكي يصل إلى العلاقات الأسرية والعائلية، حيث أسهم بشكل مباشر في غياب لغة الحوار والنقاش بين أفراد الأسرة، الأمر الذي جعل كل فرد منعزلًا عن الآخر في عالمه الافتراضي الخاص به، مما أضعف الترابط الأسري وجعله هشًا، كما انعكست آثاره على الصحة النفسية، فزاد من معدلات أمراض عديدة منها: "القلق والاكتئاب، وعزز الشعور بالعزلة"، إلى جانب ذلك تفشى نوع جديد من الإدمان وهو "الإدمان الرقمي"، فضلًا عن استخدام الأطفال للهاتف في ظل غياب الوعي الأسري أو الرقابة، بما يشكل خطورة حقيقية على سلوكهم ونشأتهم.
ختامًا.. وبعد هذا الاستعراض لدور الهاتف المحمول وتطور استخداماته في حياتنا اليومية والعملية، وما صاحبه من إيجابيات لا يمكن إنكارها أو إغفالها، وكذلك سلبيات خطيرة نتيجة سوء الاستخدام لا يمكن تجاهلها، هنا تنكشف الحقيقة وتزداد وضوحًا، لكي تؤكد على أن الهاتف المحمول ليس هو الجاني، وإنما تكمن المشكلة في طريقة استخدامه واستغلاله في أمور غير نافعة، تُعد الفيصل بين كونه نعمة تساعدنا وتعيننا على الحياة، أو نقمة تساهم في جلب المتاعب لنا، ومن هنا يمكن القول إن الحكم الحقيقي على الهاتف لا يكون عليه، بل على مستخدمه، الذي يحدد سلوكه، إن كان أداة نافعة ومفيدة، أو مصدرا وسببا للمشكلات "جلاب المصايب".



