كلما قرأت إصدارًا جديدًا للروائية المدهشة «ريم بسيونى» أوقن أننا نواصل إهدار مزيد من الوقت وإضاعة مزيد من الفرص بعدم الانتباه إلى أهمية بل وضرورة تحويل رواياتها إلى أعمال درامية نحتاجها بشدة.
فلو أننا نبحث فعلًا عن بناء وعى طبيعى ناضج وحقيقى، بلا شعارات ولا توجيه دعائى لحظى.. ولو أننا نتطلع إلى تحفيز مشاعر غير زائفة وروحًا طليقة ونفوسًا سوية وعقولا ترى وتتأمل فتستنير وتنير.. ولو أننا نريد أن نظهر جانبًا مهمًا ورائعًا وبسيطًا وعميقًا من شخصية مصر الإنسانية وقصتها الحضارية التى لا نكاد نجدها الآن نهائيًا فى الأغلب الأعم - للأسف- من الأعمال الدرامية، فإن هذه الروائية الشابة تقدم لنا منذ سنوات بدأب وإبداع وأسلوب سردى شديد الروعة والجاذبية، مشروعًا يكتمل عامًا بعد عام مع كل رواية جديدة لها ضمن السلسلة التى بدأتها بثلاثية المماليك «أولاد الناس» وصولًا إلى إصدارها الأحدث «كوم النور- عباس حلمى الثانى».. وهنا يجب أن أشير بإعجاب إلى شريكها القوى الأمين اليقظ فى هذا المشروع «دار نهضة مصر» والدور المهم الذى تلعبه مديرة النشر الكاتبة الأستاذة نشوى الحوفى.
عبر حقب زمنية تمتد لقرون.. بين الحوارى والقصور، ومن الحقول والصحارى إلى ميادين القتال وكواليس أنظمة الحكم، وفى قلب قرارات غيرت مصائر وكتبت تاريخًا، وحكايا غرام مشبوب وخيانات وخذلان وصداقات وتضحيات، وبأنماط بشرية عابرة للطبقات والأصول العرقية تروى لنا «ريم بسيونى» بمزيج بين الحدث التاريخى والخيال الإبداعى قصة وطن (ناسًا ومكانًا) كما لم نقرأها هكذا من قبل.
كنز حقيقى يحزننى مع كل جوهرة جديدة تظهر منه، أن أحدًا (باستثناء مشروع توقف قدرًا للأستاذ وحيد حامد) لم يلتفت إليه، رغم أنه قد يكون جزءًا مهمًا فى طريق بعث القيمة والهوية والثقة، لا فى الدراما فقط ولكن فى المجتمع المصرى كله ومايتم تصديره عنه ومنه.
والحقيقة - فى تقديرى - أن الكنز ليس فى اسم معين، لكن فى مبدأ الاعتماد على الأصول الأدبية كعمود ضامن لمستوى وعمق القصة الدرامية، فريم بسيونى ليست وحدها، وتيار الإبداع الروائى المصرى لم ينقطع.. وكما يمكننى أن أضرب مثلًا بروايات أشرف العشماوى وإبراهيم عبد المجيد، يمكن أيضًا أن نتحدث مطولًا عن أسماء أخرى من جيل جديد، وأسماء من جيل عظيم توهج نشرًا فى الثمانينيات والتسعينيات مثل محمد المنسى قنديل ومحمد المخزنجى وسبقهما خيرى شلبى وعبد الحكيم قاسم، رجوعًا إلى كنز لا يفنى من أعمال نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويحيى حقى.. والقائمة تطول وأصحاب المقامات الأدبية والفكرية فيها أشهر من أن نذكرها.
والحقيقة أيضًا أنه إذا كان بعضًا من تلك الأسماء تم التعامل دراميًا مع أعمالهم فى العقد الأخير، إلا أن ذلك ظل فى حدود الاستثناءات وبما لا يعبر عن رؤية ولا يدشن اتجاهًا ولايصنع تيارًا.
والحقيقة ثالثًا - وللإنصاف - فإن إنتاج الدولة وحده هو القادر على ذلك بحكم ما تتطلبه تلك الأعمال من مستوى وكلفة إنتاجية خاصة فى الروايات التى تتعرض لحقب تاريخية، وكذلك بحكم مسئوليته تجاه تقديم الرسالة الاجتماعية والحضارية للدولة.
ولست بحاجة هنا إلى تأكيد أن ما أقصده - قطعًا - ليس هو قصر الأعمال الدرامية على الأصول الأدبية، بل المقصود هو أن تكون هناك نسبة معقولة ودائمة لها ضمن خطط الإنتاج السنوية، وأن تكون هناك دراسة ومعايير للاختيار تضمن التنوع والقيمة، فلا يصبح متعجلًا ولا عشوائيًا ولا بالأقل كلفة، ويقينًا فلا بد أن يكون القائمون على الاختيار من أصحاب الرؤية ومن أهل الإختصاص ثقافةً وممارسةً.
أخيرًا.. فما كتبته هنا هو رأى واجتهاد أجده واجبًا علىّ، ورسالة مفتوحة عساها تصل إلى من يهتم.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



