فى صيف عام 2010، وداخل إحدى القرى السياحية بالساحل الشمالى، كنتُ قد غامرتُ بالتسلل إلى أحد «المعسكرات الصيفية»، التى كانت تنظمها لجان جماعة الإخوان فى نقابة المحامين، لأعضاء النقابة، والتى كانت وقتها حدثًا سنويًا يثير تساؤلات باعتبارها إحدى القنوات التى توظفها الجماعة لاستقطاب غير التنظيميين بالنقابة إلى كتلة الجماعة؛ خصوصًا فى الانتخابات الدورية.
كان الهدف مغامرة صحفية لمُدة يوم؛ للتعرف على تفاصيل ما يحدث داخل المعسكر، مع أعضاء النقابة، وماذا تقدم «لجنة الشريعة الإسلامية»، التى أنشأتها الجماعة داخل النقابة بعد سيطرتها على أغلبية مقاعد مجلس نقابة المحامين.. والواقع أن مفاجآت ما رأيته فى هذا اليوم، كان ملخصها أننا أمام برنامج لتأهيل تنظيم خاص وليس برنامجًا ترفيهيًا لأعضاء نقابة المحامين.
ولم يكن ذلك سوى جزء من استراتيجية تنظيمية لدى هذا التنظيم، قائم على التغلغل داخل قطاعات المهنيين والطلاب والجامعات، تحت ستار الخدمات والعمل التطوعى، فحوّلت النقابات لمنابر سياسية وليست مهنية وخدمية، ووظفتها لتوسيع قاعدة انتشارها بين الشرائح المجتمعية، وتشكيل حواضن مجتمعية لها، واستخدمت فى ذلك إمكانيات تلك النقابات كستار يضفى نوعًا من الشرعية على تحركاتها.
رأيتُ ذلك، على أرض الواقع على مدار عدة سنوات، من متابعتى الصحفية لأحد الملفات السياسية المهمة، وهى النقابات المهنية، وكيف- مَثلاً- استغلوا سيطرتهم على نقابة المهندسين، وتوجيه صناديق أموال النقابة لخدمة أنشطة التنظيم، ما أدى إلى فرض الحراسة القضائية على النقابة منتصف تسعينيات القرن الماضى، وكيف وظفوا قدرات النقابات الطبية لصالح دعم أفرع الجماعة فى غزة وفلسطين وعلى رأسهم حركة حماس، تحت ما يسمى «النشاط الإغاثى»، الذى كان موجهًا كاملاً لغزة، دون أى نشاط إغاثى- مثلاً- للأولى بالرعاية فى قرَى ومحافظات مصر!.
ولم يكن الحال مختلفًا فى نقابة المحامين، غير أن كتلة التنظيم داخل النقابة، اصطدمت بكتلة ناصرية ويسارية كانت تكشف كل عوارات «محاميى الإخوان»، ومحاولات توظيفهم لمنبر النقابة فى تحريك احتجاجات وتأليب النخب ضد الدولة.. والشاهد هنا؛ كيف كانت توظف الجماعة النقابات المهنية لتفعيل تواجدها وتوسيع قاعدة انتشارها تحت ستار العمل التطوعى والنقابى، وفى الوقت نفسه؛ تُشَرعِن تحركات عناصر التنظيم، بعيدًا عن الحظر القانونى لعمل الجماعة.
معسكرات صيفية للمحامين
كانت المعسكرات الصيفية بنقابة المحامين واحدة من الأنشطة التى دأبت جماعة الإخوان على تنظيمها داخل النقابة، بإشراف من «لجنة الشريعة الإسلامية»؛ حيث كانت تنظم فى مصايف النقابة بالساحل الشمالى، ورغم أنها كانت مخصَّصة لجموع المحامين؛ فإن الجماعة حصرت استخدامها لصالحها.
من بين الملاحظات التى رأيتُها داخل هذه المعسكرات؛ محاولات الربط بين الأنشطة التى يُفترَض أن تكون ترفيهية للمستفيد، وبين الجوانب الدينية بحيث يبدو الأمر وكأن المشاركة شرعية وواجب الالتزام بها، ولا تستطيع مع ذلك أن تفرِّق بين ما هو دينى وبين ما هو نقابى وسياسى أو ترفيهى.. واللافت أيضًا أن اللجنة المشرفة على المعسكر كانت تحظر اصطحاب المشاركين لأسَرهم (الزوجات والأطفال)، بحجة أن الهدف الأساسى هو تحقيق التعارف والتواصل بين المشاركين، وهو ما يؤكد أن القضية لم تكن للترفيه وإنما تحقيق التجميع والتربية والتدريب.
وما يبرهن على أن الهدف لم يكن سوى برنامج تنظيمى من خطط «التربية والتأهيل» التابعة لتنظيم الجماعة الإرهابية، هو برنامج رحلات المعسكر الصيفى التى فوجئت بها موزعة على المشاركين، والتى تتضمن بشكل واضح أنشطة تربوية وتثقيفية ورياضية، تبدأ فعالياتها من الخامسة صباحًا فى صلاة الفَجر وحتى الحادية عشرة مساءً، تتخللها أنشطة بدنية وندوات ومُلتقيات مع كوادر التنظيم للمشاركين، وغيرها.
لم يكن ذلك سوى نموذج مما كانت تفعله الجماعة الإرهابية؛ لتشكيل حواضن اجتماعية وسياسية واقتصادية تجعل من مواجهة مؤسّسات الدولة لها أكثر تعقيدًا، وهو ما كان يُعرف بـ «استراتيجية التمكين» أو فقه التمكين، من خلال التغلغل فى قطاعات الطلاب فى الجامعات والعمال والمهنيين والجمعيات الأهلية والخيرية، وممارسة النشاط الخدمى والتطوعى، تمكنها من توسيع قواعدها على الأرض.
ومع الفعل الثورى فى 2011؛ سعت الجماعة لتوظيف كل هذه الأدوات فى سبيل وصولها للسُّلطة، إلى أن خرجت ثورة يونيو 2013؛ لتُسقط كل «أوراق التوت» عن هذا التنظيم الإرهابى، وتَكشف المستور عن وجهه الحقيقى؛ بعيدًا عن شعارات سياسية ودينية، طالما ردّدها لمريديه، وتاجَر بها لكسب مزيد من المؤيدين، ثم ثبتت تصرفاته عكس ما يدّعى، ومع شهوة السُّلطة خلعت «الجماعة» القناع الذى كانت تتجمل به سياسيًا، وأظهرت حقيقة ما كانت تخفى، من منهج العنف والتطرف والابتزاز، وهدم كل ما هو دولة.
التمكين على أكتاف الفقراء
السؤال الأهم الذى ينبغى تفنيده، مرتبط بأسباب حرص هذا التنظيم على العمل بعيدًا عن الأضواء على مَرّ تاريخها وتبدى فى نشاطها عكس ما تبتغيه؟، ولماذا ترتدى قناع العمل الخيرى والخدمى فى سبيل خلق حواضن مجتمعية لها، وفى الوقت نفسه تستحل العنف والعمل المسلح ضد مَن يعارضها سياسيًا ومجتمعيًا؟، ولماذا ترفع شعارات للفقراء والبسطاء، ولم تقدم يومًا رؤية أو برنامجًا لدعمهم؟!.
وتفنيد مثل هذه التساؤلات؛ يقتضى العودة إلى محطات مهمة كشفت كثيرًا من أقنعة هذا التنظيم، ولعل أهمها «وثيقة التمكين»، التى كشفتها القضية التى هزت الرأى العام المصرى عام 1992، والتى عُرفت باسم «قضية سلسبيل»، حينما نجحت الأجهزة الأمنية فى ضبط وثائق ومخططات داخل شركة تكنولوجية تابعة للجماعة، تشير إلى خطة تهدف صراحة للتغلغل داخل مفاصل الدولة الحيوية واختراق المؤسّسات تمهيدًا للسيطرة الكاملة بحلول عام 2000.
كان هذا المخطط الخبيث؛ وفقًا لهذه الوثيقة التى جاءت فى 13 ورقة، يُركز على إنشاء شبكة ممتدة من شركات الاستثمار والمَدارس والخدمات الطبية ومراكز الحضانة، التى تساعد على انتشار دعوة هذا التنظيم فى جوانب ونشاطات المجتمع، وإقامة تحالفات للتواجد فى المجالس المحلية والنقابات المهنية والمؤسّسات الإعلامية والقضائية والجيش والشرطة وقطاعات الطلاب والعمال والمهنيين ورجال الأعمال والفئات الشعبية.
ووضعت الوثيقة مهمة التغلغل فى قطاعات الطلاب والعمل والمهنيين وقطاع رجال الأعمال والفئات الشعبية الأقل قدرة باعتبارها حَجَر الزاوية فى خطة التمكين لأن من شأن انتشار جماعة الإخوان فى هذه القطاعات- هكذا تقول الوثيقة- أن يجعل قرار المواجهة مع الجماعة أكثر صعوبة ويفرض على الدولة حسابات أكثر تعقيدًا، كما أنه يزيد من فرص الجماعة وقدرتها على تغيير الموقف وتحقيق «التمكين»!.
والمعنى هنا؛ أن هذا التنظيم، بَنى استراتيجيته للانتشار والتمكين، على أكتاف الفقراء، ذلك أنهم استهدفوا بالأساس الشرائح البسيطة فى مخططهم الحركى، ومن خلال استغلال عواطف هذه الفئات الدينية، باستخدام الشعارات «الدينية»، كانت المهمة سهلة فى عملية الاستقطاب والتجنيد، وكانت الوسائل عديدة؛ منها استخدام المنابر الدينية لحث الناس على التبرع باستغلال مفاهيم مثل «الصدقة الجارية، والزكاة» لصالح كيانات وهمية تتصف بالعمل الخيرى، أو باستخدام المساعدات كأداة لشراء الولاءات.
استغلال الكوارث والأزمات
نقطة التوقف الأخرى، كانت فى توظيف هذا التنظيم للكوارث والأزمات، ليس على سبيل المزايدة أو المتاجرة فقط؛ إنما لخلق بيئة لنشر أفكاره وخلاياه فى بنية المجتمع المصرى، حتى ولو على أنقاض الكوارث.
وبإطلالة على تاريخ هذا التنظيم، يمكن أن نكتشف هذا الاستنتاج بسهولة، وهذه الحقيقة تُثبتها تفاعلات التنظيم مع الحروب والكوارث والأوبئة منذ عهد مؤسِّسه الأول، حسن البنا، ومنها المتاجرة بشعارات الكفاح ضد المحتل الإنجليزى عند تأسيس التنظيم فى عشرينيات القرن الماضى، واستثماره للحروب ضد العصابات الصهيونية فى فلسطين قبل النكبة، وتصدره فى مشهد وباء الطاعون الذى ضرب مصر نهايات أربعينيات القرن الماضى، وصولاً لاستغلال التنظيم كارثتى الزلزال والسيول اللتين ضربتا مصر فى تسعينيات القرن الماضى، بنشاط من خلايا التنظيم فى النقابات والجمعيات لجمع المساعدات والتبرعات.
ويمتد النهج للسنوات الأخيرة، ذلك أن عناصر التنظيم وأبواقه الإلكترونية، لم تترك أزمة أو كارثة إلاّ وكانت شوكة فى ظهر الدولة المصرية ومؤسّساتها؛ بالتشكيك ونشر الأخبار المغلوطة عن تعاطى الدولة معها، وكان ذلك واضحًا فى جائحة كورونا، ومن بَعدها الحروب الإقليمية والدولية، بداية من الحرب الأوكرانية، وحرب غزة، وصولاً للحرب الإيرانية، ووصل حد العداء لهذا التنظيم، أن ترديده لنفس الادعاءات التى كان يردّدها العدو، والتى من بينها زعم أن مصر تغلق معبر رفح فى وجه الفلسطينيين!.
كيف أذت الجماعة البسطاء؟
السؤال الذى يطرح نفسه: ماذا قدمت هذه الجماعة مع كل هذه الممارسات؛ للفقراء والبسطاء.. والواقع لا يجب أن ننخدع بالعبارات العامة التى كان يردّدها هذا التنظيم فى الفعل الثورى عام 2011، ثم بَعد وصوله للحكم فى 2012، والتى كان من بينها «تحقيق العدالة الاجتماعية أو العمل لصالح محدودى الدخل».. والواقع أن هذا التنظيم لم تكن هناك أية إجراءات أو سياسات ملموسة اتخذها فى «سنة الحكم الكبيسة» لصالح الفقراء.
كانت الحجج التى تُرَدّد تتعلق بالظروف السياسية غير المستقرة، والأوضاع الاقتصادية الصعبة، لكنها لم تفعل شيئًا يبعث بالطمأنينة فى نفوس البسطاء، بدلاً من التعلل المستمر بالظروف الاقتصادية الصعبة، فلم تقدم حكومة الإخوان رؤية اقتصادية لحماية اجتماعية لمحدودى الدخل والفئات الأولى بالرعاية، ولم تفعل- مثلاً- شيئًا لصالح السياحة لمنع الانهيار الكبير وقتها فى نسب الأشغال، ووقف نزيف البطالة فيها، ولم يحدث أى شىء ذو أثر لا لزيادة موارد الدولة وتوجهها لصالح الفئات الأقل دخلاً، ولا لتخفيض النفقات التى لا يستفيد منها إلاّ الأغنياء وأصحاب السُّلطة.
والواقع أيضًا أن هذا التنظيم لم يكتفِ بتجاهل شواغل البسطاء الذين طالما تاجَر وانتشر على أكتافهم؛ وإنما شكلت ممارساته وعداوته للدولة المصرية أذًى صريحًا للفئات المجتمعية وعلى رأسها البسطاء والفقراء، ذلك أن انتهاجه للعنف المسلح، بعد ثورة الثلاثين من يونيو، والعمليات الإرهابية التى نفذها التنظيم فى مناطق عدة، لم تؤذِ فقط أبطال القوات المسلحة والشرطة؛ وإنما الشعب المصرى.
ويكفى أن فاتورة الدولة المصرية، التى دفعتها فى سبيل المواجهة الشاملة مع الإرهاب، ولتجفيف منابعه فى مختلف الاتجاهات الاستراتيجية للدولة المصرية، وصلت إلى 120 مليار جنيه فى الفترة من 2012 حتى 2022، بواقع إنفاق يومى تراوح بين 30 و 40 مليون جنيه، وهذه الفاتورة التى أعلن عنها الرئيس عبد الفتاح السيسي أخيرًا، كان يمكن أن توجَّه لصالح برامج الحماية الاجتماعية والتنمية، لولا خطر الإرهاب الذى شكلته هذه الجماعة وأفرعها المسلحة.
الخطر الأول على الجبهة الداخلية
سيظل تنظيم جماعة «الإخوان»؛ المُهدِّد الرئيسى للمجتمع المصرى وجبهته الداخلية، رغم سقوطها السياسى والتنظيمى، فى ثورة الثلاثين من يونيو عام 2013، وما تبعه من انهيار فى هيكلها التنظيمى وانقسامه، ذلك أن مساعى عناصره الهارب منها خارجيًا، أو الخفى منها داخليًا؛ لم تتخلَّ فقط عن تحريضها الممنهج ضد الدولة المصرية ومؤسّساتها؛ وإنما لم تتخلَّ عن أدبيات الجماعة الحركية فى التمكين والتغلغل المجتمعى بأقنعة ناعمة كالدعوة للعمل الخيرى وتقديم خدمات للبسطاء، أو التشدق بأحاديث وشعارات تدّعى الدفاع عن الفقراء وحوائجهم.
ولا نبالغ فى هذا التقدير، فالقضية ليست فى المسارات التنظيمية التى طالما انتهجتها الجماعة على مدار تاريخها والتى من بينها التغلغل فى قطاعات مجتمعية مثل الطلاب والمهنيين والعمال والمؤسّسات الخيرية؛ وإنما فى تحركات خَلق حواضن مجتمعية بآليات جديدة من بينها الدفع بعناصر غير مرصودة أمنيًا أو استقطاب عناصر شبابية عبر المنصات الإلكترونية و«السوشيالية» وتوظيفها عبر الفضاء الإلكترونى لأغراض التنظيم.
والواقع أن هذا التنظيم بعد سقوطه فى ثورة يونيو، لم يتخلَّ عن نهجه فى التأثير بالدوائر المجتمعية، ولكن الفارق الذى تَغيّر هو الأسلوب؛ إذ لم يَعد فى حاجة للسيطرة على النقابات وقطاعات الطلاب والمهنيين والأندية الشبابية والرياضية، كما كان يخطط، فى ظل الاستخدام الكثيف والواسع لوسائل التواصل الاجتماعى، التى أصبحت أحد أهم مسارات الاستقطاب والتجنيد الفكرى للإخوان، إلى جانب دورها فى استكمال مراحل التربية الفكرية والثقافية للقواعد التنظيمية، من خلال التطبيقات التكنولوجية الحديثة؛ هروبًا من الملاحقات الأمنية.
ومَكمَن الخطورة فى هذه التحركات؛ أن التنظيم لم يَعد يُدار من داخل مصر بهيكله التنظيمى الهرمى المعروف؛ وإنما بات يُدار من الخارج، من خلال ثلاث جبهات، ويظهر فى تحركات بأقنعة جديدة، من خلال الدفع بعناصر غير مرصودة أمنيًا، أو استقطاب شباب من خلال منصات التجنيد الفضائى والإلكترونى، ومن بينها الألعاب الإلكترونية، ثم توظيفها فى أعمال عدائية ضد الدولة المصرية، وهى وقائع كشفتها اعترافات بعض عناصر تنظيم «حسم» التى جرى القبض عليها من الأجهزة الأمنية فى الفترة الأخيرة.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



