ترامب لم يعد يهدد لكسب نقاط حسب تفكيره المادى، وكونه رجل أعمال انتهازيًا فما يقوم به ليس تفاوضًا سياسيًا إنما هو حالة من حالات الهيمنة التى عفى عليها الزمن وتجاوزتها القوانين والعلاقات الدولية. وما يصرح به من محو حضارة إيران ليس كلام رجل يريد صفقة أو اتفاقًا، بل ملامح رجل يعلم تمامًا أنه خسر حربًا كانت بلا أهداف، وهو الآن يبحث عن طوق نجاة قبل فوات الأوان.
المحادثات التى جرت فى إسلام آباد الأسبوع الماضى ما هى إلا جولة من المفاوضات تعقبها جولات أخرى تقوم على أساسها مباحثات للتوصل إلى اتفاق فيما اختلف عليه الطرفان، خصوصًا كميات اليورانيوم المخصب، وطرح أن يتم تسليمها إلى روسيا. كما اتفق الطرفان على تعطيل البرنامج النووى لمدة من عشر إلى اثنى عشر عامًا بدلًا من عشرين عامًا كما طالبت أمريكا.
ويبرز فى هذا السياق أن المفاوضات التى جرت فى باكستان التى مهدت لأرضية مشتركة للاتفاق الجديد الذى ينتظر أن تعقد جلساته هذا الأسبوع فى جنيف أو إسلام آباد، كما اتفق الطرفان عن طريق القنوات السرية. وليس بعيدًا عن كل ذلك الدور الكبير الذى تلعبه كل من الصين وروسيا فى التأثير على ضرورة اتفاق أمريكا مع إيران، وأيضًا فى شأن الموانئ الإيرانية، ويلاحظ تصاعد حدة التصريحات الصينية والروسية فى المطالبة بفك الحصار البحرى عن مضيق هرمز بأقصى سرعة.
ويعزز هذا الدور الصينى ويعضده كثير من الدول التى تقوم فى هذه الأيام بزيارة بكين، وعلى رأسهم ولى عهد أبوظبى خالد بن محمد بن زايد، وكذلك رئيس الوزراء الإسبانى والرئيس الفيتنامى، وقبلهم وزير الخارجية الروسى. وهذه الزيارات والتجمعات الدولية لا تأتى من فراغ، بل لعلمها بأهمية الدور الصينى والعلاقات القوية التى تربطها بإيران، خاصة بعد أن أشيع أن هناك صفقة أسلحة كبيرة ستسلمها الصين لإيران لحماية مجالها الجوى.
وهدد الرئيس الأمريكى برفع الرسوم الجمركية على الصين 50 % وعلى الدول التى تتعاون سرًا مع إيران، وردت الصين بأنها ستتعامل بالمثل وترفع الرسوم الجمركية. ويصف كثير من المراقبين التصريحات المتبادلة بين الصين وأمريكا فيما يتعلق بإيران بأنها تلاعب بالأسهم فى البورصة العالمية وأيضًا فى أسعار المعادن النفيسة كالذهب والفضة، ليؤكد الطرفان بشكل خفى حدة التصارع الاقتصادى بينهما والتلويح بالصراع العسكرى، وهو ما يؤكد أن الهيمنة الأمريكية بدأت فى الغروب والخروج البطىء أمام قوى أخرى كالصين وروسيا.
وفى هذه الأجواء يتم تسريع المفاوضات بين إيران وأمريكا حتى لا تقع الكارثة الكبرى على دول العالم بسبب ارتفاع أسعار الطاقة التى من الصعب تحملها حتى على ترامب نفسه، وهو الوضع الذى لا يخدمه. وإعلان ترامب عدم اهتمامه بالاتفاق مع إيران والحصار البحرى والجوى والاقتصادى بالتنسيق مع الكيان الصهيونى قد يدفع طهران إلى تشديد خطواتها فى مضيق هرمز ويؤدى إلى خطورة انزلاقات عسكرية.
لذلك نجحت الدول الوسيطة، وعلى رأسها مصر، فى حلحلة المواقف وإعادة الطرفين إلى المفاوضات التى يتوقع أن تبدأ غدًا الأحد مع استمرار وقف إطلاق النار. ولن تكون هذه المفاوضات الفرصة الأخيرة، ولكنها تعد جولة ثانية من المباحثات. الأمور تبدو معقدة وتميل إلى الأسوأ فى حالة ثبات الفشل رغم المساعى الكبيرة للدفع إلى عقد اتفاق، خصوصًا فيما يتعلق بوقف إطلاق النار فى لبنان الذى يعد عقبة شديدة أمام أمريكا للضغط على إسرائيل لوقف عدوانها على النساء والأطفال والمدنيين فى لبنان.
ويبدو أن هناك علاقة كبيرة بين بدء المفاوضات هذا الأسبوع بين إيران وأمريكا وزيارة قائد القيادة المركزية الأمريكية لإسرائيل، وهو ما يطرح سؤالًا: هل هذه الزيارة تتعلق بوقف عدوان إسرائيل على لبنان أم لتجهيز ضربة كبيرة لإيران إذا فشلت المفاوضات؟ كثير من الأحداث العالمية أصبحت بوصلتها الأساسية هى الهدنة الأمريكية الإيرانية وغلق مضيق هرمز.
هناك تحالف وتجمع عالمى بزعامة فرنسا وإنجلترا من المتوقع أن يكون لهم دور كبير فى إعادة حرية الملاحة البحرية وفتح مضيق هرمز بعد أن تنتهى الحرب وتفعيل القوانين الدولية البحرية. وهذا التجمع يعول عليه العالم كله دور كبير فى عودة الملاحة الدولية لطبيعتها وترسيخ مبادئ القانون الدولى دون عمل عسكرى، وإبراز الدور الأوروبى كقوة كبرى تتنافس مع أمريكا والصين وروسيا بعيدًا عن ما ارتكبه ترامب من حماقات والتقليل من الدور الأمريكى الذى يمكن أن يصل إلى ضياع الهيمنة الأمريكية.
وكثير من المعلقين الأمريكيين أنفسهم أكدوا أن ترامب يفتقد القدرة على مواجهة نتنياهو ورفض طلباته، ووصفوا نتنياهو بأنه صاحب الهيمنة على ترامب وبأنه مخادع، وأن فشل أى مفاوضات يرجع إلى تدخل نتنياهو وضغطه على ترامب الذى يستجيب له الأخير بشكل مريب، حتى أن بعض أعضاء الكونجرس الأمريكى بدأوا فى القلق والتوتر من التدخلات الصهيونية فى الإدارة الأمريكية، وهو ما سينعكس على المفاوضات بين أمريكا وإيران سواء بالإيجاب ولكن الأكثر هو السلب.
أخيرًا، لا أعلم هل نبكى على أطفال إيران الذين قتلتهم الغارات الأمريكية الإسرائيلية بدم بارد، أم نبكى على أطفال فلسطين، أم نبكى على أطفال لبنان الذين يُستهدفون بهذه الوحشية. إننا نبكى على الجميع ونتألم ونحترق من داخلنا ونحزن على كل قطرة دم بريئة، سواء كانت فى إيران أو غزة أو لبنان أو فى أى مكان آخر.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



