الجمعة 05 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

مفترض فى أى برلمان على مستوى العالم، أن يكون صوتا للناس، ومرآة لآمالهم لتقديم حلول واقعية لمشاكلهم اليومية، لكن ما نشهده خلال الآونة الأخيرة يثير العديد من التساؤلات لدى أغلب المواطنين، حيث تحولت قاعات برلماننا الموقر الى منصات لطرح مقترحات مشاريع قوانين لا تمتّ للواقع بصلة، دون مراعاة للتغيرات الاجتماعية والتكنولوجية التى طرأت على المجتمع، مقترحات تفرض أعباء اضافية على المواطنين، ولا تساهم بأى حال من الأحوال فى حل مشاكلهم، بعضها أن لم يكن أغلبها تثير موجة من الجدل والسخرية ، وتساهم بدرجة كبيرة فى فقدان الثقة بين المواطن وممثليه داخل البرلمان.


وهذا ما اتضح مؤخرا فى مقترح أحد نواب البرلمان الذى طالب فيه بطرح حد أدنى للنفقة لا يقل عن عشرة آلاف جنيه، مع إمكانية حصول الزوجة على ثلث ثروة الزوج لمواكبة التغيرات الاقتصادية الحالية. وهو المقترح الذى أثار جدلًا واسعًا، حيث يرى البعض أنه لا يتناسب مع متوسط دخل الأسر المصرية، ويشكل عبئًا كبيرًا على الزوج.. متجاهلا فى طريقة عن قصد وتعمد فوارق الدخل الواضحة بين مواطن وآخر، والواقع الاقتصادى الحالى الذى لا يحتمل مثل هذه الأرقام التى يطالب بها.. بل وتناسى أن الحد الأدنى للأجور فى مصر أقل من 8 آلاف وتقريبا 80% من الشعب المصرى بيقبضوا الحد الأدنى. 


وفيما يخص ثلث ثروة الزوج فأنا على يقين أن السيد النائب يقصد فئة معينة من المصريين، بالتأكيد ليس من بينهم السواد الأعظم من الشباب المقبل على الزواج فى الوقت الحالى، لعلمه ولعلم كافة نواب البرلمان أنهم مثقلين بالديون لمجرد تفكيرهم أصلا فى استكمال نصف دينهم. فما بالك حين ندعى عليهم أنهم يمتلكون ثروة من أصله.


وليت الأمر يقتصر على مقترح النفقة وثلث الثروة، فهناك مقترحات أخرى على نفس الشاكلة، مثل المقترح البرلمانى الداعى إلى إعفاء المصرى فى الخارج من الرسوم الجمركية على هاتفه المحمول، مقابل تحويل 5 آلاف دولار سنويا. وهو المقترح الذى يؤكد أن من تقدم به يفترض أن المصريين العاملين بالخارج وعددهم حوالى 14 مليونا؛ كلهم يعملون ويتقاضون رواتب تسمح لهم بتحويل 5 آلاف دولار، بينما يتغافل أن هناك من يسافر من أجل 800 ريال سعودى، وفى أحيان كثيرة أقل من ذلك. ثم جاء مقترح التبرع بمليون جنيه للمساهمة فى سداد ديون مصر على المقتدرين ماديا، وهو المقترح الذى أحدث موجة واسعة من الجدل والانتقادات، حيث أعرب كثيرون عن صدمتهم مما قالوا إنه (استسهال من النائب بأموال المقتدرين من المواطنين وسط أزمة اقتصادية كبرى يشهدها العالم أجمع)، مؤكدين أن معيار اقتدار الشخص ماديًا سيظل محل ضبابية حيث تختلف النظرة إلى الأمر من شخص إلى آخر بطريقة نسبية، بل أن البعض طالب مقدم المقترح بأن يبدأ بنفسه، خاصة وأن أهل دائرته يقولون بأنه صرف «الشيء الفلانى» لضمان حصوله على مقعد فى البرلمان.


ومن مقترح المليون جنيه الى مقترح الـ30 جنيه يا قلبى لا تحزن، حيث طالب نائب برلمانى آخر إضافة 30 جنيهًا على فاتورة الكهرباء، بهدف توفير موارد لحل أزمة الكلاب الضالة، وهو ما أثار تساؤلات حول تحميل المواطنين أعباءً إضافية لمواجهة أزمات خدمية، وأوضح من خلال مقترحه بإضافة رسوم بمبلغ 30 جنيها على إيصال الكهرباء لتنفيذ خطة التعامل مع الكلاب الضالة، وهو مبلغ ضئيل تدفعه كل أسرة إذا ما تم مقارنته بالعائد والهدف، وهو تحقيق بيئة آمنة ومستدامة للمواطنين، ووضع حد للأرقام المفزعة لاعتداءات الكلاب الضالة.


بالطبع هناك مقترحات أخرى سبق لها أن نالت الكثير من الانتقاد والسخرية، فى أدوار تشريعية سابقة، مثل مقترح كشف العذرية على طالبات الجامعة للقضاء على ظاهرة الزواج العرف، ومقترح تحليل المخدرات لطلبة الجامعة، لمواجهة ظاهرة تعاطى المواد المخدرة. ومقترح إخصاء المتحرشين.


لكن يبقى فى النهاية أن هناك مقترحات قد يراها البعض غير تقليدية تقدم بها نواب يعتقدون أنها تقدم حلول خارج الصندوق، وينتقدها البعض، لكنها فى الحقيقة لا تراعى أو تتناسب مع الظروف المعيشية الحالية. ويستحيل تنفيذها على أرض الواقع، وتعكس حالة من الجدل حول أداء بعض النواب، فى ظل عوامل متعددة ساهمت فى وصول شخصيات لا تمتلك من وجهة نظرى القدر الكافى من الكفاءة أو الوعى بطبيعة العمل البرلمانى، وهو ما دفع البعض إلى محاولة تعويض هذا الضعف عبر تقديم (أداء جدلي) يحقق انتشارًا إعلاميا واسعا، حتى وإن لم يكن مرتبطا بالدور التشريعى الحقيقى للنائب. والأدهى أن أغلب هذه المقترحات لم يتم تقديمها فعليًا داخل المجلس بالشكل الرسمى، على الرغم من تداولها إعلاميًا على نطاق واسع، مما قد يضر بصورة المؤسسة التشريعية فى نظر المواطنين.


من أجل هذا مطلوب اليوم وليس غدا، ضبط إيقاع هذه المقترحات، لإعادة توجيه البوصلة نحو ما يهم الناس فعلًا، من خلال تحسين الخدمات وضبط الأسواق، لدعم الفئات الأكثر احتياجًا، وتقديم تشريعات تواكب التحديات الحقيقية. وهنا تحديدا لابد وأن نؤكد أن المسؤولية لا تقع على النواب وحدهم، بل تمتد إلى الأحزاب والهيئات التى يفترض أن تفرز كوادر قادرة على تمثيل الناس بوعى وكفاءة، لأن البرلمان فى النهاية لا يجب أن يكون ساحة للتجريب والشو الإعلامى، ولا منصة لإطلاق تصريحات على الناس. بل هو مؤسسة تشريعية تصدر تشريعاتها بناء على دراسات، وحوارات مجتمعية، وفهم دقيق لواقع الناس.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط