دعت الدكتورة ليلى عبد المجيد العميدة السابقة لكليات الإعلام بجامعتي القاهرة والأهرام الكندية لتكوين جمعية لمحبي الصحافة المطبوعة، إيمانا منها بأهمية الصحافة المطبوعة بما تقدمه من محتوى أكثر عمقا، ويقوم على التحليل، وباعتبارها تراثا إنسانيا يبقى وثيقة تسجل وتحفظ تاريخنا السياسي والاجتماعي والثقافي، جمعية يدعم أعضاؤها الصحف من خلال الاشتراكات والقيام بأنشطة وفعاليات تشجع على قراءة الصحف بكل الوسائل والمنصات المختلفة.
مع الدعوة التي نشرتها القامة العلمية الكبيرة الدكتورة الفاضلة ليلى عبد المجيد، أحب أن أتوقف لأطمئنها، ففي زيارتي الأخيرة للعاصمة البريطانية، قد فوجئت بكم الزوار الكبير لمحلات بيع الكتب والصحف، في فروع مكتبات ووترستونز Waterstones، وداونت بوكس Dauant Box، وFoyles الشهيرة في تشارنج كروس، ومنافذ بيع الصحف والمجلات وأشهرها WHSmith بفروعها المنتشرة في كل شوارع المملكة البريطانية، وحتى المكتبات العربية في ادجوارد رود وكوينز وأي وأيرلز كورت لا تخلو من المشترين العرب للصحف والكتب الورقية.
عاد مشهد قارئ الكتب والصحف في قطارات لندن ومترو الأنفاق بين الركاب خلال رحلاتهم اليومية إلى العمل، عاد المشهد التقليدي يعكس شغفاً بالمعرفة واستثماراً للوقت كجزء أصيل من الثقافة اليومية لسكان العاصمة البريطانية، ويمكن التقاط مجلة "تايم أوت" أو جريدة "مترو" التي توزع مجاناً بمحطات القطارات والحافلات، بالإضافة إلى إطلاق مبادرة جديدة انتشرت في مواقع العمل ومراكز التسوق ومحطات القطارات، حيث تستطيع بضغطة زر واحدة طباعة قصة قصيرة لا تتطلب قراءتها سوى دقائق معدودة من ثلاث إلى خمس دقائق، وتعرضها ماكينات طباعة القصص القصيرة الجديدة، أما أجهزة المحمول فتستخدم فقط في العمل عن بعد.
فرحت لهذا المشهد، لا تزال الصحف والكتب الورقية تمثل شغفاً لا يمحى، ورغم أن التكنولوجيا الرقمية أعادت تشكيل مشهد القراءة والنشر، فإنها لم تلغِ المطبوع الورقي، بل فرضت عليه تحديات لتطوير نفسه وتقديم محتوى عالي الجودة، ليبقى حاضراً في مشهد المعرفة.
إن الطبيعة الملموسة للطباعة، وجاذبيتها الجمالية، ومصداقيتها، لا تزال تجذب شرائح واسعة من المجتمع.
وهذا يؤكد أن الطباعة لم تمت، بل إنها تتطور جنبًا إلى جنب مع الوسائط الرقمية لتؤدي أدوارًا جديدة وتستهدف جماهير جديدة.
كما تشهد الآونة الأخيرة عودة ملحوظة لعادة قراءة الكتب والمجلات المطبوعة، خاصة بين الأجيال الشابة (مثل الجيل Z)، وذلك رغم الهيمنة الرقمية وانتشار الكتب الصوتية والإلكترونية.
أن من أسباب العودة للمطبوعات هو الهروب من الشاشات Digital Detox بالبحث عن تجربة قراءة أعمق وأكثر تركيزاً بعيداً عن تشتت الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى الحنين والمشاعر Nostalgia فقراءة الكتب المطبوعة تمنح شعوراً بالراحة النفسية والارتباط العاطفي بالشخصيات والعوالم المكتوبة. بالإضافة إلى الموثوقية، بالنّظَرُ إلى الكتب المطبوعة كمصدر معلومات موثوق. ومفحوص بعيداً عن زيف المعلومات الرقمية.
كما أننا نتفاعل مع متعة مسك الكتاب، وتقليب الصفحات، ورائحة الورق التي لا توفرها الشاشات.
لا شك أنه من المبكر نعي الصحافة المكتوبة، فلديها قرّاؤها ولديها جمهورها، حتى لو كانوا من المسنّين وممن يمتهنون الثقافة والكتابة والقراءة.
..ولنا عودة مع الصحافة والثقافة المطبوعة.



