الإثنين 08 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

في كتاب نقد الفكر الديني، يقول مؤلفه صادق جلال العظم: "إن كلامي عن الله وإبليس والجن والملائكة والملأ الأعلى لا يلزمني على الإطلاق بالقول إن هذه الأسماء تشير إلى مسميات حقيقية موجودة ولكنها غير مرئية".


ويقول الكاتب في وصف إبليس وكونه من الملائكه الذين شاء الله خلقهم مجبورين على طاعته، فاعتبر ارتباط ابليس بالملائكة تأكيداً لزعمه بأن إبليس ملاك مخلوق على الجبر للمشيئة، وأن عصيانه كان تدبيراً إلهياً الهدف منه اخراج آدم من الجنة، مشيراً إلى مكر الله كصفة تتداخل مع المشيئة، وافترض أن رفض إبليس للسجود كان لازماً وأن سجوده كان مستحيلاً.

والمشيئة في القرآن منها مشيئة لله تعالى: (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) القصص 68، ومشيئة للإنسان: (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ) الكهف 29، ومشيئة لله تعالى وللإنسان: (فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ) إبراهيم 4، وأنه تعالى يهدي من يشاء الهداية ويسعى لها، ويضل من يشاء الضلال ويسعى له.


ويقول العظم: "إذا كان اللـه الخالق ومقدر الخير والشر على عباده، لماذا أراد للناس أن يعتقدوا أن إبليس هو سبب الشر؟، هل باستطاعتنا أن نعلل هذه المفارقة بردها إلى إحدى الصفات الإلهية المعروفة؟، أعتقد أن الصفة الإلهية هى صفة المكر".


وكلمه مكر تعني الالتفاف، والمكر صرف الغير عما يقصده بحيلة لابعاد الأذى فيكون المكر خيراً، وقد يكون المكر فيه أذى فيكون شريراً، والكلام في القرآن عن مكر الله يعرف في اللغة العربية باسم المجانسة: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) الأنفال 30.


ووصف الله تعالى استهداف النبي بالقتل على أنه مكر، فجاء الرد بالمجانسة المناسبة لفعل المتآمرين، ولم يستطع أحد قتل النبي عليه الصلاة والسلام، ولو جاءت: "والله أحسن الماكرين"، لكانت تعني المكر الأحسن في الخير أو الشر، ولكن (خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) تعني أن مكر الله هو للخير.


ويقول العظم: "لنفترض جدلاً أني على صواب في ما قلته عن حقيقة إبليس وعن خاتمته ومصيره النهائي، أعتقد أنه يجب علينا إدخال تعديل جذري على نظرتنا التقليدية إلى إبليس. ويجب أن نرد اعتباره بصفته ملاكاً، ويجب أن نكف عن كيل السباب والشتائم له، إن مثل هذه الخطوة تضطرنا لأن نبدل الكثير من أفكارنا الدينية ومعتقداتنا الموروثة حول أمور الدنيا والآخرة".


والفرق بين الضلال والغواية: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) النجم 2، الضلال هو الانحراف عن طريق الحق نتيجة الجهل وعدم المعرفة، أما الغواية فهى انحراف عن الحق بعد العلم والمعرفة، فالنبي عليه الصلاة والسلام قبل الرسالة وصفه تعالى بأنه ضال: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) الضحى 7، ولذلك الضلال مقابله الهداية.


والغواية مقابلها الرشد: (قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) البقرة 256، ولأن آدم كان يعلم بمخالفة أمر الله في النهي عن الأكل من الشجرة فقد عبر القرآن عن آدم بأنه غوى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) طه 121، فالإنسان المهتدي هو الذي التزم طريق الحق بعد أن علم، والراشد هو من التزم طريق الحق لأنه توقف عن الغواية.


إبليس كان يعلم الحقيقة لكنه تكبر، فجاءه الامتحان في التكبر فتفاخر بعنصره: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) ص 76، إبليس لم يعترف بخطئه، بل يرجع مسؤولية غوايته لله: (بِمَا أَغْوَيْتَنِي) الحجر 39، يجعل الله هو السبب، وإبليس هو النتيجة، فيسقط إبليس المسؤولية عن نفسه، ويجعل الغواية قدراً لا اختياراً، مع علمه بالحقيقة إلا أن مسألة التفاخر بالعنصرية هى التي أوقعته في الغواية.


والسجود هنا ليس عبادة لآدم، بل اعتراف بأهليته بعد أن أثبت الإدراك، الملائكة سجدت لأن آدم امتلك القدرة على التسمية والفهم، وإبليس رفض السجود لآدم لأنه لا يعترف بالمعرفة كشرط للتفضيل.


إبليس اسم علم للشيطان، بينما الشيطان صفة تطلق على كل كائن شرير من الجن أو الإنس: (شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ) الأنعام 112.


آدم يمثل النموذج الذي يخطئ، لكنه يعود ويتوب فيرتقي في إنسانيته: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) الإنسان 3، وإبليس يمثل النموذج الذي يعرف الحق ولكنه يعاند ويتكبر فيسقط رغم علمه.


لقد أمر تعالى الملائكة أن تسجد لآدم، ولكن لا أحد كان يعرف الأسماء لأي شيء قبل آدم، لا توجد لغة ولا وجود للكلمات، لذلك تم تعليم آدم الأسماء، لتبدأ وسيلة جديدة للتواصل هي النطق والكلام.


لقد خلق الله الإنسان ووهبه العقل، والقدرة على التمييز، وإرادة حرة ليكون مسؤولًا عن اختياراته، ويملك القدرة على أن يسمو بنفسه ليكون العابد الشاكر، أو أن ينحدر بنفسه ليكون المعاند المتكبر.
 

تم نسخ الرابط