الأوقاف توضح عبر المنصة الإلكترونية التعريف بالمؤسسة الدينية المصرية
نشرت وزارة الأوقاف عبر المنصة الإلكترونية و من خلال باب العمران مقالا للدكتور علي جمعة يوضح فيه التعريف بالمؤسسة الدينية في مصر.
تتشكل المؤسسة الدينية في مصر من أربع هيئات كبرى: هي الأزهر الشريف، وجامعته، ووزارة الأوقاف، ودار الإفتاء، وهي مؤسسات تتبع نظام الدولة ودستورها، ويهدف هذا الطرح إلى جلاء الغبش عن دورها الحيوي في مواجهة الأفكار الدخيلة، وحماية الأمن الفكري والوطني.
بنية المؤسسة الدينية والتمايز الوظيفي بين الدولة والحكومة
نعني بالمؤسسة الدينية في مصر أربع هيئات كبرى هي: الأزهر الشريف، وجامعة الأزهر، ووزارة الأوقاف، ودار الإفتاء المصرية، وهي المؤسسات التي تتبع أنظمة الدولة ودستورها وقوانينها، وهي وإن كانت تتبع أنظمة الدولة إلا أنها لا تتبع الحكومات المختلفة خلا وزارة الأوقاف التي على رأسها وزير الأوقاف، وهو فرد من أفراد الحكومة المشكَّلة، والفرق بين الدولة والحكومة معروف مشهور، فالدولة مستمرة باقية مع اختلاف الحكومات وتعاقبها، والمؤسسة الدينية في مصر عليها واجبات يجب أن تقوم بها، ولها وظائف تؤديها، ولها تاريخ وحاضر ينبغي أن ننبه إليه، وهذا البيان الذي قد يكون واضحًا في أذهان بعضهم أصابه كثير من الغبش عند آخرين، وظننتُ في أول الأمر أن المفكرين وكبار الكُتَّاب يعرفون تلك الحقيقة، ويعرفون دور المؤسسة الدينية في مصر ومجهودها الذي تقوم به في عالم متغير متشابك، إلا أنني لاحظتُ أن بعض كبار الكُتَّاب بدأ في تبني أفكار المرجفين، واعتذر لهم وجعلهم ضحايا بدلًا من كونهم مجرمين، ووقف بعضهم حيارى تجاههم بما أذهلني من فقدهم لحقيقة المؤسسة الدينية، وأثارت لدي أسئلة يجب أن نثيرها وأن نتكلم عنها بوضوح وصراحة منها.
المنهجية العلمية في مواجهة تيارات الإرجاف والتطرف
هل الذي بيننا وبين المرجفين هو أننا نقف مع السلطان وهم يقفون ضده؟ الفرق بيننا وبينهم في منهج التوثيق والتلقي، والقبول والرد، والفهم والتطبيق، وهل نحن أصحاب سلطة أو مشاركون فيها، أو أننا بجوار السلطان في قراره السياسي أو غيره، وأين هذه الفتاوى التي صدرت من المؤسسة الدينية؛ لتخدم السلطان في ذاته، وهل الاهتمام بالشأن العام والمشاركة في قضايا الوطن هي خدمة لشخص السلطان؟ هل تربى المرجفون في معاهد المؤسسة الدينية، ثم من خلال منهجها توصلوا إلى الإرجاف؟ ليس هناك واحد منسوب إلى التعليم فيها شارك في إسالة الدماء، والحمد لله رب العالمين.
ألم يتربَّ المرجفون في لندن على المناهج الغربية وتحت وطأة التناقضات، ففعلوا ما فعلوا، وتبنوا ما تبنوا من أفكار يائسة لا علاقة لها بالشريعة الإسلامية، وكان هذا سببًا في صدمة بليغة لكل بريطانيا؟ ألم يتربَّ مرجفون آخرون على المناهج الغربية فمنهم المهندس والطبيب والمحاسب، وليس فيهم واحد تخرج من كلية شرعية في أي مكان؟ ألم يصرح مستر بلير بأن ٩٩.٩% من المسلمين مواطنون صالحون في العالم كله وأن هذه التصرفات شاذة على المسلمين؟
الصمود التاريخي للمؤسسة، وأثر الانحسار المادي على الأمن العالمي
هل فشلت المؤسسة الدينية بعد تجاهلها وإقصائها عن مركز القرار لمدة مائتي عام في البقاء صامدة، وتخريج علماء ينقلون الدين في كل مكان في الأرض بهدوء وعلى مذهب أهل السنة والجماعة ودون صدام مع أحدٍ عبر القرن التاسع عشر والعشرين حتى حرب ۱۹۷۳م التي ارتفع بها البترول من دولار للبرميل إلى أربعين دولارًا؟ ثم نعلم كيف انحسر دور المؤسسة الدينية في الخارج تحت وطأة قلة الإمكانات المادية، وإذ بهذا الانحسار يؤدي إلى صدام مروع في ١١ سبتمبر نحاول أن نمحو آثاره إلى الآن سواء أكان من قام به من المسلمين أم من غير المسلمين.
هل يصلح مع هذه الحالة أن نرى القذاة في عين المؤسسة الدينية، ونترك جذع النخلة في عين من قبل بتنحيتها ولم يهتم بمشاركتها؟ وهل يصلح أن ندعو إلى مزيد من التنحية بعد هذا الفشل الذريع من غيرها بأن نعطي للمرجفين جواز مرور إلى الناس؟ وأن الناس قد يئست من فقهاء السلطان وهو أمر موهوم مضحك مبكٍ في نفس الوقت دون أن نبحث عن الأسباب الحقيقية للمشكلة التي تتحكم في الواقع، ونحاول علاجها.
هل مستر بلير فعلًا أدرك هذا المعنى كما ادَّعى بعضهم؟ والواضح أنه أدرك عكسه، ولما ذهب وفد وزارة الأوقاف المؤسسة الرسمية إلى لندن استقبلته (البارونة سايمونز) وزيرة الدولة للشئون الخارجية مع (اللورد كيري) الأسقف السابق لكنيسة كانتربري الأكثر شيوعًا في إنجلترا، واتفقوا على وجوب التعاون مع المؤسسة الدينية التي يُدعى الآن أنهم استيأسوا منها.
المرجعية الدستورية، والمنهج الفقهي الموسوعي المنضبط
ومجموعة أخرى من الأسئلة كنت أظنها أيضًا بديهية، ولكن يبدو أننا نحتاج مرة أخرى إلى التأكيد عليها، إن المؤسسة الدينية موافقة على الدستور، وهو ينص في مادته الأولى أن مصر دينها الرسمي هو الإسلام وفي مادته الثانية (أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع)، ونسأل سؤالًا حاسمًا وأساسيًا: من مع الدستور ومن ضده؟
وتؤمن المؤسسة الدينية بقضايا الوطن ولا تستطيع أن تقبل أو أن تتصور أن تستعين بالأجنبي أو تستعديه على بلادنا أو شعبنا تحت أي مبرر أو عنوان أو مصلحة، وأظن أن هذه الثوابت لا علاقة لها بشخص الحاكم، وإنما هي ناشئة من شعور فطري بحب الأوطان، وشعور ديني يكرس هذا الشعور الفطري ويباركه، وأظن ذلك كان على مر الأزمان، وليس مختصًا بعصرنا أو بحالتنا الراهنة.
المؤسسة الدينية في مصر لها منهجها، ويتمثل هذا المنهج في نقل المذهب السني بمذاهبه الأربعة المعروفة المشهورة (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) مع الاعتراف بالمذاهب الأخرى التي يتبعها المسلمون في العالم أصولًا وفروعًا على منهج الفهم السليم، وهي: الجعفرية والزيدية والإباضية، بل والظاهرية التي يؤيدها مجموعة من العلماء هنا وهناك.
كما أنها في تخيراتها الدينية كثيرًا ما تتسع دائرة الحجية عندها إلى مذاهب المجتهدين العظام كالأوزاعي والطبري والليث بن سعد وغيرهم في أكثر من ثمانين مجتهدًا في التاريخ الإسلامي، تستأنس بآرائهم وقد ترجحها؛ لقوة الدليل أو لشدة الحاجة إليها أو لمصلحة الناس أو لتحقيق مقاصد الشرع الشريف، وهو المنهج الذي ارتضته الجماعة العلمية في عصرنا هذا شرقًا وغربًا وعند العقلاء من جميع مذاهب المسلمين والحمد لله رب العالمين.
أدوات التوثيق العلمي، وإدراك الواقع في الفكر المؤسسي
والمؤسسة الدينية في إدراكها للشرع الشريف أو في إدراكها للواقع المعيش تسلك مسلك التوثيق الذي نراه أساسًا من أسس ديننا، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في مقدمة "صحيحه": «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» [رواه مسلم في "صحيحه" حديث (٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]، فينشئ المسلمون علم القراءات ينقلون فيه كتاب الله من غير تحريف ولا تصحيف، وعلوم الحديث رواية ودراية ينقلون فيها كلام رسول الله ﷺ بمنهج علمي غير مسبوق، وعلم أصول الفقه وعلوم العربية؛ ليفهموا من خلالها الفهم المنضبط للنص الشرعي الوارد إلينا بلغة العرب، وهذا المنهج أثر عليهم وهو تأثير إيجابي في إدراكهم للواقع بحيث كانت تعاملاتهم معه مبنية على الوقائع المؤكدة وليس على الأخبار الطائرة أو على الآراء من هنا أو هناك مما جعل كثيرًا من الناس يظنون بداية أن المؤسسة الدينية تتخلف عن أداء واجبها، ثم بعد ذلك يظهر عند الجميع أنها لم تتخلف، بل إنها مؤسسة رصينة تعرف توثق الأخبار وكيف تقومها وكيف تتعامل معها.
إن المؤسسة الدينية أدت دورها وما زالت تؤديه ولن تتخلى عنه في ظل ظروف بالغة الصعوبة تحاول دائمًا أن تكون وفية لدينها ووطنها وتاريخها، وإذا أراد الناس الاستفادة منها وبخبرتها ومجهوداتها فهي على أتم استعداد لذلك، ولم تتأخر، ولن تفعل، وإذا لم يريدوا وأعطوا ظهورهم فقد أضاعوا على أنفسهم خيرًا كثيرًا، وإذا أصروا على إعطاء ظهورهم لها فهم الخاسرون، أما جعلها مشجبًا (شماعة) تعلق عليها أخطاء الآخرين وما يمور ويفور في نفوسهم فأراه أنه ليس من مكارم الأخلاق، وليس من لهجة الصدق، بل هو قادح في المروءة، ومعطل لكثير من الفهم.
الخلاصة
تظل المؤسسة الدينية المصرية صمام أمان فكري، بتمسكها بالمنهج العلمي الرصين والولاء للوطن والدستور، إن الهجوم عليها أو تهميش دورها لا يخدم سوى تيارات التطرف، بينما يمثل التعاون معها سبيلًا وحيدًا؛ لتحقيق الاستقرار، وفهم الشريعة بمعناها الحضاري والواقعي.




