الإثنين 08 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

منذ أن وطئت قدماي ساحة مدرسة الشهيد أحمد مدني، التابعة لإدارة المنتزه التعليمية بمحافظة الإسكندرية، وأنا أحمل في يدي أوراق التحاق كريمتي، روفان بالصف الأول الابتدائي، وسدن بمرحلة رياض الأطفال، غمرني شعور دافئ بالحنين أعادني سنوات طويلة إلى الوراء، إلى فترة زمنية لاحقة كانت فيها المدرسة تحمل اسم "المندرة المشتركة"، التي شهدت أجمل سنواتي الدراسية.

 

تجري الأيام والسنوات وتتبدل الأدوار، وأقف اليوم في المكان ذاته، لكن بصورة مختلفة تُعاد مع اختلاف الأدوار، أب يصطحب ابنتيه إلى نفس المدرسة التي شهدت أجمل سنوات طفولته، يحكي لهما بشغف وسعادة عن هذا الكيان الذي كان يشكل له الخطوة الأولى في عالم التعليم، ولم تكن لحظة قيامي بتقديم أوراق مسوغات التحاقهما بالمدرسة مجرد إجراء روتيني لمهمة أب تجاه ابتيه، بل كانت واحدة من أسعد لحظات حياتي والقريبة إلى قلبي، حينها شعرت بإحساس مختلف وكأن الزمن يعيد نفسه مرة أخرى، ولكن بصورة أكثر جمالًا وسرورًا في هذه المرة، خاصًة عندما بدأت ابنتاي تفاصيل الحكاية الجديدة.

 

ومع انتظام ابنتي في الدراسة، تأكد لي أن روح المدرسة لم تتغير رغم مرور السنوات، فما زالت المدرسة تحتفظ بأصالتها وقيمها ومكانتها، بفضل كوكبة من المعلمين المخلصين والمعلمات الفضليات، اللاتي يجسدن أسمى معاني العطاء بقلوب صادقة وحنانٍ صافٕ، للتأكيد على أن الرسالة التربوية الحقيقية تظل ثابتة مهما تبدلت الأزمنة.

 

ورغم هذا الثبات في القيم، فقد شهدت المدرسة تطورًا كبيرًا في دورها وأدواتها، فلم تعد كما كانت في الماضي قائمة على الحفظ والتلقين، بل أصبحت بيئة تعليمية متكاملة تسهم في بناء شخصية الطالب، من خلال غرس القيم، وتنمية مهارات التفكير والإبداع، واكتشاف المواهب ورعايتها، كما تطورت وسائل التعليم بشكل ملحوظ، فبعد أن كانت السبورة والكتاب والكراسة هي الوسائل التعليمية الأساسية، أصبح الطالب يتعامل مع أدوات تعليمية حديثة تواكب عصر التكنولوجيا، الأمر الذي جعل الطالب شريكًا فاعلًا في العملية التعليمية، لا مجرد متلقٕ للمعلومة فقط.

 

ولقد حالفني الحظ في مرحلة التعليم الابتدائي، حيث كان موقع المدرسة على مقربة من منزلنا، حينما تقودني الأقدار للمرور من أمامها، أُطيل النظر إلى جدرانها وشبابيك فصولها المطلة على الشارع، وأستحضر ذكريات الطفولة البريئة، بجانب وجوه المعلمين والمعلمات، أولئك الذين لم يكونوا مجرد معلمين يشرحون المناهج التعليمية أو ينقلون المعرفة إلينا فقط، بل كانوا يغرسون فينا القيم قبل أن نتعلم الحروف، وينيرون لنا الطريق قبل أن نعرف كيف نخطو فيه.

 

لهذا لم أنس لحظة أن أجعل لهم نصيبًا من الدعاء كل يوم، أسأل الله أن يطيل أعمار من هم مازالوا بيننا، وأن يرحم من رحلوا عنا بأجسادهم فقط، وذلك لأنهم تركوا أثرًا طيبًا لا يزال حيًا في قلوبنا وذاكرتنا.

 

ولا تغيب عن ذهني صورة عم إبراهيم – رحمه الله – عامل المدرسة الطيب، الذي لم يكن مجرد عامل، بل كان أبًا حنونًا قريبًا من قلوبنا جميعًا، بوجهه البشوش والذي كان يستقبلنا جميعا فى صباح كل يوم على بوابة المدرسة.

 

ختامًا.. أنتهز الفرصة وأتقدم بخالص الشكر والتقدير لإدارة المدرسة، ولكل معلميها ومعلماتها، على ما يبذلونه من جهد مخلص ونبيل، وما يتحلون به من ضمير حي وإخلاص في أداء رسالتهم السامية تجاه تربية وتعليم أبنائنا، فهم يعكسون صورة تؤكد على أن الاستثمار الحقيقي في أي مجتمع يبدأ من داخل الفصل الدراسي، فالمدرسة ليست مجرد مكان للتعليم، بل هي حجر الأساس في بناء أجيال قادرة على تحمل المسؤولية، كما أتقدم بخالص الشكر لابنتي اللتين أسهمتا في إعادتي إلى زمنً جميل مضى، لكنه لم يغب يومًا عن الوجدان.

 

تم نسخ الرابط