الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

جيل العالم الافتراضي

مي حمدي تكتب: رسالة تربوية لمواليد الثمانينيات وما حولها!

مي حمدي
مي حمدي

مسكين الجيل الحالي !أجلس أنا بأعوامي الأربعة وأربعين، أنظر إلى البحر بشغف واستمتاع  طفل يرى العالم لأول مرة، لا أستطيع تحويل بصري عن زرقته الآسرة.  تزورني قطة، شديدة البهاء،  يقترب لونها من لون الفضة الممزوج ببياض ناصع. أطعمها بحب، فتتدلل وتتمسح في ساقي برقة، لأضحك كالصغار.


بينما تجلس هي على طاولة بجواري، لا أظن أن عمرها يتعدى الخمسة عشرة عامًا،  لا يسعها تحويل بصرها عن شاشة هاتفها. لا تكترث لجمال العالم حولها، بل لا تراه! لا تلتفت لوالديها اللذين اتخذا كرسيين في مواجهة البحرعسى أن يهربا قليلا من أعباء الحياة. بعد فترة، تنتبه لي ولقطتي فتمنحني ابتسامة عذبة، ثم تعود للغرق في عالمها المجهول.

في مشهد آخر، "قفشت" نفسي ألعب ثانية مع قطط النادي بلذة، بينما يجلس الصبي ذو الإثنتي عشرة عاما منعزلاً مع شاشته الصماء. ومشهد ثالث ورابع وعاشر! فتارة أقود دراجة، وتارة  أقوم بتصوير زهرة جميلة على جانب الطريق، وتارة أستنشق الهواء النقي باستمتاع، وتارة أسبح في البحر بينما الأطفال والمراهقين غارقون في عالمهم الافتراضي، أشعر أنني أطير في السماء بينما هم جالسون على الشاطئ متململون.

تجتمع العائلة فيتجاورون مع أقرانهم، كلٌ في شاشته، مُهدِرين أجمل لحظات العمر. خسارة! فلن يصنعوا ذكريات عن الجارة التي تطاردهم وتوبخهم لضجيجهم على سلم العمارة، ولن يواجهوا مشكلات تضحكهم حين يكبرون مثل الكرة التي تكسر الزجاج، فيهربون جميعا ويختفون في لمح البصر. لن ينتظروا العدد الجديد من رجل المستحيل أو ملف المسقبل بنفاد صبر ليعرفوا ماذا فعل أدهم صبري ونور الدين محمود، ولن يترقبوا وصول والدهم إلى المنزل وهو يحمل مجلة ميكي.
ولكن، قبل أن نسن سكاكين الاتهام، ونوجهها لأولادنا، علينا أن نعي أنهم محاطون ببحر من الإغراءات لا نهاية له، ولا قبل لهم بمواجهته بسنهم الصغيرة وخبرتهم المحدودة. وأن نعرف أن تعلقهم الشديد بالإنترنت وتطبيقاته المختلفة يرتبط بإفراز  هرمون"الدوبامين" في المخ،  وهو هرمون السعادة والمكافأة والمرتبط بالإدمان والرغبة في تكرار الفعل مما يسبب رغبة في العودة للإنترنت دائما.

ولإدمان الإنترنت آثار مدمرة كالكسل والسمنة والانعزال والاكتئاب وقلة التركيز، ناهيك عن المخاطر الجسام التي قد يتعرض لها الأطفال (والكبار)، كالاختراق، والابتزاز الالكتروني، والتنمر، وغيرها.

وليس هدفي هنا هو استعراض المخاطر والأضرار، أو وضع قائمة بأساليب المواجهة، فقد كتبت في ذلك من قبل، وكتب غيري كثيرون. ولكن أردت فقط أن أدق جرس الإنذار لننتبه لجيل تسرق منه طفولته ومراهقته وشبابه، وتسرق منه قدرته على الاستمتاع بالحياة الحقيقية وبالأشياء. جرب مرة أن تغلق الاتصال بالانترنت في المنزل، أو أن تأخذ أولادك في سفرة أو رحلة بلا إنترنت واحكِ لي عن قدر التذمر والتململ بل والغضب.

وفي الوقت ذاته، أردت أن أؤكد أنه علينا أن نتعاطف معهم وندرك أنهم جيل مسكين "مخطوف"، يتعرض لإغراءات لم نتعرض لها في طفولتنا، فكان أقل شيء يرضينا، وأبسط شيء يسعدنا. وإذا استحدث شيء جديد كنا ننجذب إليه مثلهم. فكم مرة اجتمعنا مع أصدقائنا من أجل جهاز "أتاري" جديد،  وكم مرة تشبثنا بأيدي أخواتنا الأكبر سناً للذهاب إلى متاجر ألعاب "الفيديو"، وكم مرة تقافزنا من أجل الحصول على "الجيم بوي" صغير الحجم، والتي كانت اختراعا خارقا في ذلك الوقت!

كم مرة جلسنا صابرين ننتظر نجاح الاتصال بالإنترنت، أو تحميل صفحة، أو حبسنا أنفاسنا في انتظار تلقي رسالة  جديدة بالبريد الإلكتروني، لا يهم فحواها بقدر ما يهم متعة تلقيها! وكم انبهرنا من جهاز المسح الضوئي "السكانر" الذي بإمكانه إدخال الصور بداخل جهاز  "الكمبيوتر"!

وتعاطفنا معهم لا يعني إطلاقاً أن ندعهم يضيعون في هذا العالم الخطر، أو أن نتركهم لهذه الأمواج المتلاطمة، بل يعني أن نكون واعون، رحماء، ندرك ما يمرون به، نتفهم مشاعرهم وشغفهم وتعلقهم، ونقرها، ولكن لا نستسلم لها، ونعينهم على مواجهتها، أن ننتبه جيداً، ونحارب معهم الأخطار، ونساعدهم على العودة للحياة وتذوق جمالها، وفي وسائل ذلك، فالمصادر كثُر!
 

تم نسخ الرابط