فى الخامس والعشرين من إبريل، لا تحتفل مصر فقط بذكرى تحرير قطعة غالية من أرضها، بل تستعيد معنى أعمق للسيادة، يتجاوز استرداد الأرض إلى امتلاك القرار التنموى، سيناء التى كانت عنوانًا للصمود، أصبحت اليوم عنوانًا للبناء وميدانًا مفتوحًا لمعارك التنمية والأمن الغذائي، فى واحدة من أجرأ وأشمل التجارب التنموية فى تاريخ الدولة المصرية الحديثة.
سيناء بالأرقام: الجغرافيا التى تصنع المستقبل
تمتد شبه جزيرة سيناء على مساحة تقارب 61 ألف كيلومتر مربع، تمثل نحو ٪6 من مساحة مصر، وتتمتع بتنوع بيئى ومناخى نادر، من السهول الساحلية الخصبة شمالًا، إلى الهضاب الوسطى، فالمرتفعات الجبلية جنوبًا, هذا التنوع لم يكن يومًا عائقًا، بل أصبح اليوم ميزة نسبية فى ظل الإدارة العلمية للموارد.
التأمين أولًا.. ثم التنمية
انطلقت الدولة المصرية من قناعة راسخة مفادها أن الأمن والتنمية وجهان لعملة واحدة. فبالتوازى مع الجهود الأمنية الشاملة، تم تنفيذ برنامج غير مسبوق لربط سيناء بالوادى والدلتا، عبر 5 أنفاق عملاقة أسفل قناة السويس (3 بالإسماعيلية و2 ببورسعيد)، عشرات الكبارى والمحاور وشبكات طرق تجاوزت 3000 كم داخل سيناء.. وبلغت الاستثمارات الموجهة للبنية الأساسية وتأمين وتنمية سيناء منذ 2014 وحتى 2026 ما يقدَّر بنحو 700 مليار جنيه، وفق بيانات حكومية متداولة، وهو رقم يعكس حجم الرهان الاستراتيجى للدولة على هذه الأرض.
المياه.. حجر الأساس لمعركة الزراعة
محطات المعالجة: من التحدى إلى الحل....لأول مرة فى تاريخ مصر، يتم التعامل مع ملف المياه فى سيناء بمنهج التكامل لا التعويض، عبر إعادة استخدام المياه المعالجة بأعلى المعايير العالمية.
محطة معالجة مياه مصرف بحر البقر
تُعد محطة معالجة بحر البقر واحدة من أكبر محطات معالجة المياه فى العالم، بطاقة تصل إلى 5.6 مليون متر مكعب يوميًا، أى ما يعادل أكثر من 2 مليار متر مكعب سنويًا.
تُستخدم المياه المعالجة فى رى نحو 330 ألف فدان فى شمال ووسط سيناء.. تعتمد على المعالجة الثلاثية المتقدمة.. وهى تمثل نموذجًا عالميًا للاستخدام الآمن للمياه غير التقليدية فى الزراعة.
محطة معالجة المحسمة
أما محطة المحسمة، فتبلغ طاقتها نحو مليون متر مكعب يوميًا، وتخدم رى ما يقرب من 70 ألف فدان شرق قناة السويس، لتكون بذلك الذراع المساندة لمشروعات الاستصلاح فى شمال سيناء.
إجمالى المياه المتاحة لسيناء
بجمع “ المياه المعالجة.. ومياه الأمطار والسيول... ومياه التحلية” ، فإن إجمالى الموارد المائية المتاحة لسيناء بحلول 2026 يُقدَّر بنحو 3.5 – 4 مليارات متر مكعب سنويًا، وهو رقم غير مسبوق فى تاريخ شبه الجزيرة.
ترعة السلام: شريان الحياة
تمثل ترعة السلام أحد أهم المشروعات الاستراتيجية، بطول إجمالى يقارب 242 كم، منها نحو 175 كم غرب قناة السويس و67 كم شرقها داخل سيناء.
الطاقة التصميمية حوالى: 4.45 مليار متر مكعب سنويًا.. نسبة الخلط: مياه نيل + مياه صرف زراعى معالجة، ما تحقق فعليًا حتى 2026: تشغيل فعلى لرى أكثر من 200 ألف فدان.
استكمال البنية الأساسية لرى مساحات إضافية قيد الزراعة
استصلاح الأراضى: من المخطط إلى الواقع
استهدفت الدولة استصلاح ما يقرب منف 456 ألف فدان فى سيناء ضمن مشروعات الأمن الغذائى.. وحتى عام 2026 تم استصلاح وزراعة فعليًا نحو 270–300 ألف فدان....يجرى استكمال البنية التحتية لمساحات إضافية..وتشمل هذه الأراضى:
شمال سيناء (الشيخ زويد – رفح – بئر العبد).. وسط سيناء..مناطق شرق القناة.
التجمعات الزراعية: توطين لا استيطان
فى تحول نوعي، لم تعد الزراعة فى سيناء مجرد نشاط إنتاجي، بل نواة مجتمعات مستقرة، حيث تم إنشاء أكثر من 18 تجمعًا زراعيًا متكاملًا.. يستفيد منها ما يزيد على 2100 أسرة حتى 2026.. وتضم هذه التجمعات: وحدات سكنية.. مساحات زراعية (5–10 أفدنة للأسرة)، بالإضافة إلى شبكات رى حديث ومدارس ووحدات صحية ..طرق وخدمات...وتمثل هذه التجمعات حجر الزاوية فى إعادة التوزيع السكانى وتحقيق العدالة المكانية.
مركز بحوث الصحراء: العلم فى قلب سيناء
أسهم مركز بحوث الصحراء فى تحويل سيناء إلى معمل مفتوح للتنمية المستدامة، من خلال: إنشاء وتطوير أكثر من 10 محطات بحثية.. تنفيذ مئات التجارب الحقلية.. واستنباط محاصيل تتحمل الملوحة والجفاف، وشملت الأنشطة: زراعة القمح والشعير.. والزيتون.. والنباتات الطبية والعطرية.. نظم الزراعة المطرية...محاصيل استراتيجية وميزة تنافسية..
أثبتت التجربة أن سيناء قادرة على إنتاج: القمح بإنتاجية منافسة، الزيتون (أكثر من ٪40 من زيتون مصر يأتى من شمال سيناء ومطروح).. والنباتات الطبية والعطرية، خاصة فى دير سانت كاترين، حيث التنوع البيولوجى الفريد.
وتعمل الدولة على تنظيم زراعة هذه النباتات..وإنشاء سلاسل قيمة مضافة..وربطها بالتصنيع والتصدير.
الثروة الحيوانية والداجنة
تم تنفيذ برامج لتحسين: الأغنام والماعز المحلية والاهتمام بصناعة الدواجن فى المجتمعات الجديدة بهدف: زيادة الاكتفاء الذاتي..وتوفير فرص عمل.. ودعم دخل الأسر.
بحيرة البردويل: نموذج التنمية الذكية
تمثل بحيرة البردويل كنزًا سمكيًا نادرًا, في إنتاج سنوى يتراوح بين 3–5 آلاف طن من أجود أنواع الأسماك، كما تم تنفيذ عمليات تطهير وتعميق للبواغيز.. وتطوير الموانئ السمكية، وتأهيل آلاف الصيادين.. مما جعل البحيرة نموذجًا للتوازن بين التنمية والحفاظ البيئى.
التعليم وبناء الإنسان
جاء إنشاء كلية الزراعة بالعريش ليؤكد أن التنمية المستدامة تبدأ بالعلم، حيث تركز الكلية على الزراعة الصحراوية وإدارة الموارد الطبيعية.. وخدمة المجتمع السيناوى.
ختامًا
فى ذكرى تحرير سيناء، لا نكتفى باستدعاء أمجاد الماضي، بل نقرأ الحاضر بلغة الأرقام، ونستشرف المستقبل بثقة.
سيناء اليوم ليست أرضًا محررة فقط، بل أرضًا منتجة، ومجتمعًا فى طور التكوين، وخط دفاع غذائى واستراتيجى لمصر.
وإذا كان التحرير قد كُتب بدماء الأبطال، فإن التنمية تُكتب اليوم بعقول العلماء، وسواعد الفلاحين، وإرادة دولة اختارت أن تجعل من سيناء قلبًا نابضًا لمستقبل مصر.
نقلاً عن جريدة روزاليوسف



