عندما أتجول فى صفحات التاريخ أجد فيها صحبة لا يشوبها غش، لا أخشى معها سوء المنقلب ولا مرارة الخذلان، أنظر فى تفاصيل الحوادث والأحداث بعين العقل الناقد، فأجد تاريخنا الوطنى الصادق، بحارًا عميقة متلاطمة الحوادث والأحداث والخبرات.
المتفكر بوعى يعثر فى أعماق الأحداث على كنوز الخبرة، ثمار القرائح والأفئدة، ذاكرة الأيام والعصور، عبر وعظات تضاعف عمر المدقق، فلا يعيش حياة واحدة ولا زمانًا واحدًا، بل حيوات وأزمانا عديدة.
وما أكثرها كنوز الخبرات فى أعماق محيط التاريخ المصرى العظيم، متلاطم أمواج الحضارة، والمعارك بانكساراتها وانتصاراتها، تحدياتها وإنجازاتها، أحلامها الضائعة، وأحلامها المتحققة عندما واتتها الإرادة الصادقة والقدرة، أخذت بأسباب القوة والعلم والعمل.
فى كتاب تاريخ مصر العظيم، فصل قصير قياسًا بعمرها الممتد فى عمر الكون سبعة آلاف عام، فصل مدته 22 عامًا فقط، فقدت فيها مصر لسنوات معدودات جزءًا من ثراها الطاهر، ذلك الجزء الذى تجلى عليه الله سبحانه وتعالى لنبيه موسى عليه السلام بالوادى المقدس طوى.
فى الخامس من يونيو 1967، استيقظ شعب مصر على فاجعة احتلال سيناء، تلك الأرض الطاهرة المعطرة بدماء الشهداء، كثيرة هى الأخطاء التى أدت إلى ذلك الانكسار، وفى الخامس من أبريل 1982 أعلن الكيان الصهيونى - المسمى إسرائيل - الانسحاب من كامل الأراضى المصرية التى احتلها.
يماطل الاحتلال مختلقًا أكاذيب حول 14 نقطة حدودية، لتواصل مصر معاركها فى ساحة التحكيم الدولى وتنتصر، ويجبر الاحتلال على الانسحاب من كامل الأراضى المصرية مارس 1989، فما أعظمها التضحيات والبطولات والإنجازات التى أثمرت تلك الانتصارات.
وما بين انكسار 5 يونيو 1967، وانتصارات 73، 79، 82، وتمامها فى مارس 1989، كثير من الدروس والعبر والعظات التى ينبغى تدارسها بعمق، وغرسها فى أذهان الأجيال للاستفادة منها فى مجابهة تحديات الحاضر والمستقبل.
الدرس الأول: تلاحم القيادة والشعب
صدمة الانكسار دفعت الرئيس جمال عبدالناصر إلى إعلان التنحى، تحملًا لمسؤولية فقد جزء غالٍ من أرض الوطن، خرج الشعب رافضًا التنحى، معلنًا رفض مصر الاستسلام، وإرادة القتال حتى تحرير كامل التراب الوطنى.
وهنا الشعب لم ينساق خلف عاطفة، بل أعمل عقله، فى وقت التحديات المصرية، لا تكون المحاسبة، قبل الحفاظ على التماسك فى مواجهة العدو وإعلاء المصلحة الوطنية، لبدء معركة تحرير الأرض.
بينما كان الملايين فى الميادين، كان جزء آخر من الشعب يتحمل النصيب الأكبر من المعاناة، أهل سيناء الحبيبة، المقيمون فى الدروب الصحراوية، محدودة سبُل العيش والخدمات، وجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها، تحت نير المحتل الأقذر فى التاريخ.
كان أفراد من القبائل يتنقلون من سيناء إلى مدن القناة للتسوق وجلب مستلزمات تعينهم على المعيشة، فقطع الاحتلال سبل تواصلهم مع الضفة الغربية للقناة، لعزلهم عن الوطن.
ومن التضييق إلى الإغداق والوعود بالاستقطاب، فقد سعى الموساد، إلى دفع شيوخ قبائل سيناء إلى المطالبة بانفصالها عن الوطن الأم والزعم بالرغبة فى الحكم الذاتى.
لماذا فكر المحتل فى ذلك رغم أنه يحتل الأرض ويسيطر عليها؟!
لأنه لم يهنأ باحتلال سيناء لبضع ساعات، فقد بدأت مصر القتال على كافة الجبهات، سياسيًا: رفضت الاستسلام للأمر الواقع.. دبلوماسيًا: بدأت تحركاتها الدولية، وفى الأمم المتحدة لإجبار الاحتلال على الانسحاب.. عسكريًا: بدأت عمليات قتالية أوجعت العدو وأعادت الثقة للمقاتل المصرى فى قدراته، فالجيش لم تتح له فرصة قتال العدو وبالتالى لم يهزم، بل دفع ثمن أخطاء غير مسئول عنها.
فهو ذاته الجيش الذى رد بعد أيام معدودات، بمعركة رأس العش 1 يوليو 1967، التى أشعلت شرارة حرب الاستنزاف، بما شهدتها من ملاحم وبطولات وصولًا إلى العبور العظيم.
بلغ بالاحتلال الغرور فحاول التمدد إلى بور فؤاد، فتصدت قوة من الصاعقة المصرية لقوة مدرعة صهيونية، ودارت معركة سبع ساعات، تكبد فيها العدو خسائر فادحة فى المعدات والأرواح .. ستة وثلاثون صهيونيا بين قتيل وجريح، وتدمير 3 دبابات و11 مدرعة.. لتصل الرسالة بأن مقاتلى مصر أشداء ولا تفريط فى ذرة من تراب الوطن.
أمام ذلك الصمود والتحدى، سعى الموساد لاختراق النسيج الوطنى، بمحاولة إقناع شيوخ القبائل بالمطالبة بانفصال سيناء والمطالبة بحكم ذاتى، ليتخذها ذريعة فى مواجهة مطالب مصر فى المحافل الدولية بإنهاء الاحتلال.
رصدت صقور مصر المخطط، فهى تحلق فى أرض سيناء، بين قبائلها، لم تنسحب مع القوات كما ظن المحتل، طلبوا من شيوخ القبائل العظماء، مجاراة الموساد، تمهيدًا للصفعة الكبرى.
التقى موشيه ديان قائد جيش الاحتلال الشيخ سالم الهرش، شيخ مشايخ قبائل سيناء، عرض عليه أن يكون ملكًا لسيناء بعد الانفصال، أوهمه بموافقته المبدئية طالبًا فسحة من الوقت لإقناع مشايخ القبائل.
فى قرية الحسنة أقدم تجمع عمرانى فى شبه جزيرة سيناء، نظم الصهاينة المؤتمر العالمى بعد أن أوهمهم المشايخ بالموافقة، دعوا مندوبى وكالات الأنباء، ووسائل الإعلام العالمية وسط حراسات مشددة.
كان يوم 31 أكتوبر 1968 لحظة فارقة فى تاريخ الوطن، عقد المؤتمر بمشاركة موشيه ديان وشيوخ القبائل فى حضور وسائل الإعلام وقيادات جيش الاحتلال.
يمسك الشيخ سالم الهرش بالميكروفون وينظر إلى شيوخ قبائل سيناء المجتمعين، متسائلًا: أترضون بما أقول؟ فيجيبون بتفويضه بالحديث عنهم: نعم
يحبس موشيه ديان أنفاسه يتفحص بعينه اليتيمة الوجوه منتظرًا لحظة الحسم.
يعلنها الشيخ سالم الهرش مدوية للعالم على رؤوس الأشهاد: «إن سيناء مصرية، قطعة من مصر، ندفن فى باطنها ولا نفرط فى شبر منها، نحن قبائل سيناء وشيوخها لا نرضى بديلًا عن مصر، وما أنتم إلا احتلال، نرفض التدويل، سيناء مصرية، ورئيسنا الزعيم جمال عبدالناصر».
ساءت وجوه قادة الاحتلال، أسقطهم شيوخ قبائل سيناء الأبطال فى الفخ الذى نصبوه لمصر، قالها الشيخ سالم الهرش مدوية، لوجه الله والوطن والتاريخ، غير عابئ بما ينتظره وعائلته وقبيلته من انتقام الصهاينة القتلة، فكل شيء فى سبيل الوطن هين.
هرول موشيه ديان إلى الطائرة العسكرية يجر أذيال الخيبة، ووسط الإعلام لا يستطيعون الانتقام من شيوخ القبائل، فغادر الشيوخ إلى قبائلهم، بينما الشيخ سالم الهرش اختفى فقد أكمل صقور مصر خطة تأمين البطل الهرش وحمايته ونقله إلى مكان آمن.
الدرس هنا: قوة الدولة فى وعى شعبها وتلاحمه خلف قيادته، وتماسك النسيج الوطنى، وصموده فى أوقات الأزمات.
الدرس أيضًا: أن استراتيجية الصهاينة دائمًا محاولة التدمير من الداخل، فحاولوا استخدام شيوخ سيناء خنجرا لطعن الوطن، فرد الله كيدهم فى نحورهم، وكذلك يفعلون فى كل حروبهم وأجيالهم، خططوا لإسقاط نظام إيران من الداخل، وأشعلوا الفتن بين الشعب الفلسطينى لإعاقة التفافهم خلف حكومة موحدة لإعاقة إقامة دولتهم المستقلة.. لذا تظل قوتنا فى وحدة شعبنا العظيم.
الدرس الثاني: المواجهة العسكرية ليست وحدها سلاح النصر
الانتصار لا يتحقق فقط بالمواجهة العسكرية، ففى 22 عامًا خاضت فيها مصر معركة التحرير، اشتملت على حزمة من المعارك على عدة ساحات، انطلاقًا من الانتصار العسكرى وقدرة الردع
-1 ساحة الوعى والإرادة: بدأت برفض الشعب تنحى القائد فى لحظة انكسار، وإعلان رفض الاستسلام، والتمسك بالعمل على حشد القدرة الشاملة للقتال حتى تحرير كامل التراب الوطنى.
-2 ساحة القتال العسكرى وقوة الردع: نجحت الدولة فى إعادة بناء قدرات القوات المسلحة، والبدء فى حرب الاستنزاف ١ يوليو 1967 بعد أيام معدودات من النكسة، وحتى انتصار أكتوبر العظيم ووقف إطلاق النار 28 أكتوبر 1973.
-3 ساحة القتال السياسى والدبلوماسي:
حققت مصر انتصارا عسكريا تتدارسه الأكاديميات العسكرية حتى اليوم، عبرت القناة واستعادت الأرض بعمق 15 كيلو مترا، لتبدأ معركة على ساحة السياسة والتفاوض لفرض سلام القوة، المشروط باستعادة كامل التراب الوطنى.
بدأت المفاوضات بين مصر والكيان الصهيونى، 1974 حتى أنجزت بمفاوضات كامب ديفيد 1998، لإنهاء حالة الحرب، بإعلان مبادئ أسس التسوية، التى تقضى بانسحاب إسرائيل على مراحل محددة زمنيًا وجغرافيًا من كامل الأراضى المصرية، فى المقابل تعترف مصر بإسرائيل وتقيم علاقات دبلوماسية.
تحول إعلان المبادئ لاتفاقية سلام 1979 بمقتضاها ينفذ إعلان المبادئ، وتنظيم مراحل الانسحاب من سيناء، وتم بالفعل تحت إشراف لجنة مشتركة، تعد تقريرًا فور انتهاء الانسحاب من كل موقع محدد وفق ضوابط وبنود الاتفاقية الزمنية والجغرافية.
عندما ذهب الرئيس محمد أنور السادات إلى تل الربيع المحتلة، وواجه المحتل فى الكنيست، زايد الكثيرون داخليًا وعربيًا على بطل الحرب والسلام، وبلغ الأمر بالدول العربية حد مقاطعة مصر، ونقل مقر جامعة الدول العربية من القاهرة إلى بغداد، باستثناء سلطنة عمان التى لم تقطع علاقاتها بمصر، فسياساتها دائمًا حكيمة.
كان أمام العرب تحقيق مكاسب كبيرة للقضية الفلسطينية، وللأرض العربية المحتلة فى سوريا ولبنان لو أدرك القادة عمق حكمة الرئيس السادات ورؤيته الاستشرافية.
استعادت مصر ترابها الوطنى، وأثبت التاريخ نفاذ بصيرتها، أجبرت مصر الاحتلال على الانسحاب، بينما الشعب ذاته لم يطبع ولا يزال يدرك أن الصهاينة عدوه الأول، وتردع مصر الدولة مخططات الاحتلال التوسعية، آخرها إحباط مخطط تهجير أهالى غزة ومنع تصفية القضية الفلسطينية.
واليوم نجد من بين من قاطعوا مصر عام 1979، بشعارات جوفاء، يقدمون تنازلات للمحتل بلا أى مكاسب ذاتية ولا فلسطينية ولا عربية، يهددون الأمن القومى العربى بهذا التطبيع المقيت، فمصر رغم اتفاقية السلام، تضع شعار لا تفرط ضمن محددات الأمن القومى المصرى والعربى والإقليمى.
٤- ساحة القتال القانوني:
فى ختام مرحلة انسحاب الاحتلال من الأرض المصرية إلى حدود ما قبل 4 يونيو 1967، تعنت الاحتلال محدثًا خلافا على 14 علامة حدودية، بمزاعم غير حقيقية، بهدف الاحتفاظ بمساحة من أرض مصر فى مقدمتها طابا لموقعها الاستراتيجى.
فحدود مصر الشرقية خط شبه مستقيم بطول 244 كيلو مترًا من رفح شمالًا حتى طابا جنوبًا، وكان الخلاف الأساسى على أربع علامات من 85 حتى 88 فى وسط سيناء، بإجمالى مساحة مختلف عليها 5,5 كيلو متر مربع، والعلامة 91 (طابا) جنوبًا.
كان موعد الانسحاب النهائى 25 أبريل 1982، فأعلن الرئيس حسنى مبارك أن مصر استردت معظم ترابها الوطنى، ولن تفرط فى ذرة من ترابها وستواصل التفاوض حول النقاط الحدودية المختلف عليها.
وهنا الرسالة.. مصر الدولة تواصل قياداتها جيلًا بعد جيل حماية ترابها الوطنى، رحل الشهيد محمد أنور السادات بعد أن سجل التاريخ اسمه بأحرف من نور، ويواصل مبارك الذى قاتل فى أكتوبر قائدًا للقوات الجوية، على ساحة السياسة والتحكيم الدولى.
الرسالة.. مصر تتمسك بالسلام، لكنها لن تفرط فى ذرة من ترابها، وتشكلت لجنة من الخبراء فى القانون الدولى والجغرافيا والتاريخ والجيولوجيا برئاسة الدكتور عصمت عبدالمجيد رئيس الوزراء للجوء للتحكيم الدولى.
وكانت المعركة على ساحة التحكيم الدولى، لا تقل شراسة عن معركة العبور العظيم، استخدمت فيها الوثائق والعلم والخرائط التى بحثت عنها اللجنة فى مكتبات العالم، وقصاصات الصحف والمرافعات لينتهى حكم هيئة التحكيم 29 سبتمبر 1988، أن المواقع الصحيحة للعلامات المختلف عليها هى التى حددتها مصر، وصدر الحكم بالإجماع باستثناء صوت ممثلة إسرائيل فى هيئة المحكمة.
وانسحبت إسرائيل من كامل التراب الوطنى فى مارس 1989، بعد أن انتصرت مصر عليهم فى ساحات المواجهات الاستخباراتية، والعسكرية، والتفاوضية السياسية، والمعركة العلمية القانونية القضائية.
والرسالة هنا أدوات القتال متنوعة، لتحقيق ذات الهدف، قد يتطلب الأمر استخدامها جميعًا أو بعضها دون غيرها المهم تحقيق الأهداف، وقد حققت مصر هدفها بتحرير كامل ترابها.
الدرس الثالث: قدرة مصر الشاملة محصلة مجموع القوى
فالملاحظ من تلك السنوات المضيئة، أن مصر خاضت تحديات جساما، وانتصرت عندما عملت على استثمار قدراتها الشاملة، استنادًا للإيمان والعمل والأخذ بكافة الأساليب العلمية، فاستعادة قدرات الجيش بالعمل والعلم، واستنفاد أسباب النصر من التدريب والتخطيط المحكم والتسلح بالإيمان وما أتيح من قدرة عسكرية، والخداع الاستراتيجى، ودعم الشعب للمجهود الحربى وتحمل تحديات اقتصاد الحرب، وواجه المحتل بما استطاع كما أسلفنا، وعلى ساحات السياسة والدبلوماسية كانت قوة مصر حاسمة فأتى الرئيس السادات بما لا يتوقعه أحد وواجه معارضيه.
وعندما وصلنا إلى المواجهة القانونية استدعينا العلماء والخبراء فى كافة المجالات، وهنا أهمية القوة البشرية والنخبة من العلماء فى مكونات القدرة الشاملة للدولة.
والمدقق هنا يخرج بدرس مهم وهو أهمية العمل على تعزيز كافة مكونات القدرة الشاملة للدولة، للحفاظ على ما تحقق وتعظيم ازدهار مصر وقوتها.
وهنا نلاحظ أن الأحفاد يسيرون على خطى الأجداد، فقد انتصرت مصر بقدراتها الشاملة فى معركة حماية الهوية والدولة الوطنية، والقضاء على الإرهاب، بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى وقيادته الحكيمة الحازمة.
وانتصرت الإرادة المصرية فى مواجهة المخططات الصهيونية التى أحيكت للقضية الفلسطينية، وأفشلنا مخطط التهجير، بقدرات أجهزة الدولة القائمة على المعلومات وتقدير الموقف، وقوة رئيس مصر وتلاحم الشعب خلف القيادة،
الدروس لا تنتهى فلا تحرموا أبناءنا من النمو وأنى للإنسان أن ينمو ويكبر ولم يتح له التعلم من تجارب السابقين.
تاريخنا مدرسة تتطلب مناهج واقعية فى العرض، فهو ليس قصصا وحكايات بل دورس وعظات.. فهل نعى ونتعظ؟!
عاشت مصر آمنة مستقرة بقائدها وجيشها وشعبها
نقلاً عن جريدة روزاليوسف





