الجمعة 12 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

دار الكتب تختتم ملتقاها العلمي: المخطوطات تُجدّد حضورها في الوعي المعاصر

بوابة روز اليوسف

في مشهد ثقافي ثري يعكس عمق الحضور المعرفي للتراث العربي، اختتمت الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، بالتعاون مع كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، فعاليات الملتقى العلمي الأول، الذي جاء احتفاءً باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، ليؤكد أن المخطوط العربي لا يزال حياً وقادراً على الإسهام في تشكيل الوعي المعاصر.

 

شهدت الجلسة الختامية، التي أدارها الأستاذ الدكتور محمد سليم شوشة، نقاشات علمية رفيعة المستوى، تمحورت حول إعادة إحياء النصوص التراثية وتفعيل دورها في الحقول البحثية الحديثة.

 وأكد الدكتور شوشة، أن الملتقى يمثل تحولاً نوعياً في فلسفة النشر، حيث لا يقتصر على إصدار الكتب، بل يمتد إلى "رعاية ما بعد النشر" عبر تقييم القيمة العلمية وتعزيز الحوار الأكاديمي حول الإصدارات، مشيراً إلى أن الشراكة مع الجامعات تمثل ركيزة أساسية لضمان تفاعل حي مع هذه الأعمال الدقيقة.

وفي سياق متصل، قدم الدكتور عبدالرازق حويزي قراءة تحليلية معمقة لكتاب "مخزون البلاغة"، كاشفاً عن قيمته العلمية والبلاغية، ومبرزاً الجهد التحقيقي في إثبات نسبته إلى أبي الفضل الميكالي، إلى جانب استعراضه للمنهج الصارم الذي اعتمده في تحقيق النص، بما يضمن تقديمه في أقرب صورة إلى أصله، مؤكداً أن إحياء هذا النوع من المؤلفات يمثل إضافة حقيقية للدراسات النقدية الحديثة.

من جانبه، تناول الدكتور وليد مبارك كتاب "القول الصريح في علم التشريح" للشيخ أحمد الدمنهوري، بوصفه نموذجاً فريداً لتكامل العلوم في الحضارة الإسلامية، حيث تتداخل المعارف الشرعية والطبية في بنية معرفية واحدة، تعكس وعياً علمياً متقدماً. وشدد على أن المخطوطات ليست مجرد آثار تاريخية، بل تمثل ركائز أساسية لبناء الهوية العلمية للأمة.

وفي عرض علمي لافت، استعرضت الأستاذة مروة الشريف تجربتها في إعداد "معجم المصطلحات الصيدلانية التراثية"، موضحة أن المشروع جاء استجابة لتحديات حقيقية واجهتها أثناء تحقيق المخطوطات الطبية، ما دفعها إلى بناء معجم منهجي يربط بين المصطلح التراثي ونظيره العلمي الحديث، عبر توثيق دقيق يشمل التسمية اللاتينية والتصنيف النباتي، ليصبح أداة مرجعية للباحثين.

كما قدم الدكتور حسام عبد الظاهر قراءة تحليلية لمسيرة “جائزة التراث”، مؤكداً دورها في تحفيز الباحثين على الإتقان العلمي، وكاشفاً عن ريادة دار الكتب في هذا المجال، حيث حصدت غالبية الجوائز خلال السنوات الماضية، وهو ما يعكس التزامها الصارم بمعايير التحقيق العلمي.

وفي محور التاريخ والتراجم، استعرض الباحث عاطف أهمية كتاب "العنوان في ضبط مواليد ووفيات أهل الزمان" للمؤرخ النعيمي، باعتباره مصدراً فريداً يوثق لتراجم علماء الشام في العصر المملوكي، بمنهج مبتكر يعتمد ترتيب التراجم وفق تواريخ الميلاد، ما يمنحه قيمة توثيقية استثنائية في الدراسات التاريخية.

واختتم الباحث أشرف غنام بعرض إنجاز مركز تحقيق التراث، من خلال فوز الجزء الثالث من موسوعة "نزهة النفوس والأفكار في خواص الحيوان والنبات والأحجار" بجائزة أفضل كتاب محقق في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2025، مشيراً إلى ما تميز به العمل من تحقيق علمي دقيق وكشافات تحليلية تسهّل الوصول إلى مادته الغنية، التي تمزج بين العلم والأدب في آن واحد.

هكذا، أسدل الستار على ملتقى أكد أن التراث المخطوط ليس مجرد ذاكرة محفوظة، بل طاقة متجددة قادرة على الإسهام في بناء الحاضر واستشراف المستقبل، عبر جهود علمية رصينة تعيد اكتشاف كنوزه وتضعها في سياقها المعاصر.

تم نسخ الرابط