الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

احتفلت جامعة القاهرة منذ أيام بمرور قرن على إنشاء كلية الآداب، وهى مناسبة مهمة للغاية ولذا كنت أتمنى أن يكون الاحتفال أكبر وأشمل، وألا يتم الاحتفاء بها داخل جدران الجامعة وفى مدرجات الكلية فقط، فقد كانت لدينا فرصة لعقد ندوات وعمل سيمنارات حول أهمية العلوم الإنسانية، وهى المواد التى يتم تدريس معظمها فى أقسام الكلية المختلفة مثل الاجتماع والفلسفة والمنطق وعلم النفس واللغات والآداب والفنون والتاريخ والجغرافيا، وجميع المجالات التى تهدف إلى بناء الإنسان والمجتمع، وتساعد على تنمية الفكر النقدى، وإعمال العقل، وإبراز التجربة الإنسانية من خلال معرفة تطور الفكر الانسانى، وكلها علوم تساعد فى فهم كل ما يحيط بالمجتمع من قضايا ومشاكل كيفية حلها، ولعل أهم سؤال كان يجب البحث عن إجابة له خلال الاحتفال بمئوية واحدة من أهم وأقدم كلياتنا، ما هو مستقبل العلوم الإنسانية فى مصر، فى ظل بروز اتجاه لإهمالها وخاصة لدى وزارة التعليم التى تسعى لتقليص تدريسها؟ للأسف الأمر لا يقتصر على المرحلة الثانوية بل يتعداها إلى الجامعة باعتبار أن هذه المواد الدراسية لا تعطى فرص عمل كثيرة، ما يجعل الطلاب يحجمون عن الالتحاق بأقسام عديدة منها. ولكن على العكس من هذه الرؤية فالحقيقة أن كل يوم يتضح فيه حاجة المجتمع الملحة والضرورية لهذه الدراسات، وأنه لا يمكن الاستغناء عنها أو تجاهلها.
 


 بل يجب توظيفها والاستفادة منها فى معرفة كل ما يمر بنا من ظواهر تؤثر إيجابا وسلبا فى المجتمع، وكيفية علاج المشاكل التى تظهر وتتزايد وتتفاقم وتكاد تتحول إلى ظاهرة مزعجة تترك آثارها السيئة على المواطنين وتنعكس على الأجيال الجديدة، وعلى سبيل المثال لا الحصر نناقش الآن مشروع قانون الأحوال الشخصية، ومحاولة إيجاد حلول قانونية للمشاكل التى استشرت بين المطلقين، وهو أمر محمود ومطلوب ولكن لا يكفى بمفرده. 
 


فلابد من دراسة الظروف التى أدت إلى تزايد حالات الطلاق والتى يقدرها الجهاز المركزى للإحصاء بحالة طلاق كل دقيقتين، واللافت أن نسبة كبيرة منها بين حديثى الزواج، هنا لابد أن يكون للعلوم والدراسات الاجتماعية دورا بجانب القانون. الأخير يحاول إيجاد حل لمشاكل قانونية تنشأ بسبب تعنت الزوج أو الزوجة وتدخلات الأهل وأحيانا المحامين، ولكنه لا يحل المشكلة ولا يحلل أسباب تزايدها وكيفية مواجهتها، من المهم أن نعرف ونحن نضع القانون أصل المشكلة ما يقلل من حدوثها أو على الأقل يساهم فى حلها قبل وصولها إلى المحاكم، كما أنه يساعد فى توعية الناس بكيفية نجاح واستمرار العلاقة الزوجية وتخطى العراقيل التى تواجه الزوجين، أننا لا يمكن أن نركن إلى الرأى الذى يُرجع زيادة الطلاق لأسباب اقتصادية فقط، وأن عدم قدرة الزوج على القيام بمتطلبات الحياة يؤدى إلى نشوب خلافات تؤدى إلى الانفصال، فرغم أهمية هذا السبب إلا أنه توجد بالتأكيد أسباب أخرى، وخاصة أن معظم المقبلين على الزواج يدركون المتاعب المالية المنتظرة، كما أن هناك حالات طلاق كثيرة وقعت فى أوساط يبدو فيها الزوجان فى أوضاع اقتصادية مستقرة أو يعيشون فى مستوى مرفهٍ، وهناك أزواج يتحملون مشاق الحياة ويستمرون معًا رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، من هنا تأتى أهمية الدراسات والعلوم الإنسانية باعتبارها قادرة على تحليل الظاهرة وتفكيكها ووضع حلول لها، وفى هذا السياق ولأن حالات الطلاق تحتاج إلى معالجات اجتماعية ونفسية فإننى اقترح أن تنشئ محاكم الأسرة لجان تضم دارسين لعلم النفس والاجتماع وحاصلين على دورات متخصصة فى حل المشاكل الزوجية، ومعهم حكما من أهل الزوجة وآخر يختاره الزوج، تكون مهمتها تقريب وجهات النظر ومحاولات الصلح بين الطرفين، وإذا فشلت فى دورها فيمكنها وضع تقرير للمحكمة بأحوال الزوجين وأيهما أكثر تعنتًا، وأيهما أصلح لحضانة الأطفال، ومقدار يسار الزوج والنفقة التى يمكنه دفعها بناء على دخله، فالجلسات التى تتم بين الطرفين تكشف كثيرًا من الأشياء التى تساعد فى تجاوز المشاكل المتعلقة بالطلاق وتسهل الوصول إلى اتفاق بين الطرفين دون الاستمرار فى القضايا التى تترك أثرًا سلبيًا ليس على الزوجين المنفصلين فقط ولكن على الأبناء أيضًا وعلاقتهم بالوالدين، علما بأن القانون يحدد ضرورة وجود حكم من أهل الزوجة وآخر من طرف الزوج فى محاولة للتوفيق كما جاء فى كتاب الله، لكن المحاكم خاصة التى تنظر قضايا الخلع تنتدب موظفين أو رجال دين ليس لهم علاقة بالطرفين بالمخالفة لنص القرآن، وهو ما يجعل معظم الحالات تنتهى بعدم الإصلاح، حيث يكتفى الموظفون بجلسات صورية، وبعضهم يبحث عن البدل المالى أكثر من التوفيق. هذا اقتراح يمكن النظر إليه وتطويره فى ضوء القانون المزمع صدوره قريبًا، وهو يكشف أيضًا الدور الذى ممكن أن تلعبه العلوم الاجتماعية والإنسانية فى الحفاظ على تماسك المجتمع ليس فى قضايا الطلاق فقط ولكن فى مناحى كثيرة من أوجه الحياة، فى كل الأحوال نحن فى حاجة ملحة إلى العلوم الإنسانية. 
 


ولازالت لدينا الفرصة خاصة أننا مازلنا فى عام مئوية كلية الآداب التى أتمنى أن تواصل احتفالاتها بندوات علمية عن أهمية العلوم الإنسانية، لقد صرخ الدكتور يوسف إدريس فى منتصف الثمانينيات من القرن الماضى منبها «أهمية أن نتثقف يا ناس، والآن علينا أن نصرخ جميعًا منبهين «أهمية العلوم الإنسانية يا ناس».

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط