الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

علاء ثروت خليل يكتب: المصريون في الخارج.. بين الحقوق والواجبات والفرص الضائعة

بوابة روز اليوسف

لم يعد وجود المصريين في الخارج مجرد رحلة بحث عن لقمة العيش، بل أصبح امتدادًا حقيقيًا للدولة المصرية خارج حدودها.

ملايين المصريين ينتشرون في مختلف دول العالم، يحملون معهم اسم وطنهم، ويصنعون صورة يومية عنه، ويملكون من الإمكانيات ما يجعلهم قوة لا يُستهان بها في معادلة التنمية.

لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: العلاقة بين المصري في الخارج والدولة يجب ألا تُبنى على طرف واحد، بل على توازن عادل بين ما لهم وما عليهم.

 

في جانب ما للمصريين في الخارج، يأتي على رأسه الحق في الحماية والرعاية. فالمواطن الذي غادر بلده بحثًا عن فرصة، لم يتخلَّ عن حقه في أن تحميه دولته.

 

ومن هنا تبرز ضرورة وجود قانون منظم وشامل لشؤون المصريين بالخارج، يبدأ من لحظة سفره، مرورًا بسنوات عمله، وحتى عودته.. حيًا أو لا قدر الله متوفى. قانون يضمن له التوعية بحقوقه، ويوفر له غطاءً قانونيًا حقيقيًا داخل الدولة المضيفة.

 

كما أن من حقه أيضًا وجود تمثيل دبلوماسي قادر على خدمته بكفاءة. فالواقع يشير إلى أن بعض السفارات – خاصة في دول الخليج العربي – لا تمتلك العدد الكافي من القانونيين أو الموظفين لتغطية هذا الحجم الكبير من الجاليات، وهو ما يستدعي تطويرًا حقيقيًا في الأداء والكوادر.

 

ومن الحقوق الأساسية كذلك، تطوير منظومة التعامل مع القضايا العمالية، بما يضمن سرعة التدخل، وحماية العامل من أي استغلال أو تعسف، وتقديم الدعم القانوني اللازم.

إلى جانب ذلك، يبقى حق العودة إلى الوطن بكرامة أمرًا لا يقبل التفاوض، سواء انتهى العقد، أو تعرض

المواطن لظروف قهرية، أو واجه أزمة قانونية.

 

لكن في المقابل، هناك ما على المصريين في الخارج، فكما لهم حقوق، عليهم واجبات لا تقل أهمية. أولها الالتزام بقوانين الدول التي يعملون بها، واحترام نظمها وثقافتها، لأن أي تجاوز فردي لا ينعكس على صاحبه فقط، بل على صورة مصر كلها.

 

كذلك، من واجب المصري في الخارج أن يكون سفيرًا حقيقيًا لوطنه، بسلوكه وأخلاقه وإتقانه لعمله. النجاح في الخارج ليس إنجازًا شخصيًا فقط، بل هو جزء من القوة الناعمة للدولة.

 

ولا يمكن إغفال أهمية المساهمة في التنمية، سواء من خلال الاستثمار، أو نقل الخبرات، أو دعم المبادرات الوطنية. فبدلًا من أن تظل التحويلات في إطار الاستهلاك، يمكن أن تتحول إلى قوة إنتاجية حقيقية إذا توافرت الإرادة من الطرفين. أما الدولة، فلها أيضًا ما لها وما عليها.

 

فمن حق الدولة أن ترى من أبنائها في الخارج التزامًا وانتماءً، ومساهمة حقيقية في دعم الاقتصاد الوطني، والحفاظ على صورة مصر في الخارج.

لكن في المقابل، عليها مسؤوليات واضحة، تبدأ من تسهيل الإجراءات، وتوفير معلومات شفافة عن الفرص، وتمر عبر تطوير الخدمات القنصلية، وتنتهي عند بناء منظومة متكاملة تربط المصري في الخارج بوطنه بشكل دائم.

 

الدولة مطالبة بأن تنتقل من فكرة “إدارة ملف” المصريين بالخارج، إلى “بناء شراكة” معهم. شراكة تقوم على الثقة، والوضوح، والاحترام المتبادل.

 

إن الحديث عن الفرص الضائعة لا يعني جلد الذات، بل هو دعوة لإعادة ترتيب العلاقة. فالمصري في الخارج ليس مجرد مصدر تحويلات، كما أن الدولة ليست مجرد جهة خدمية. العلاقة بينهما أعمق من ذلك بكثير… هي علاقة انتماء ومسؤولية مشتركة.وهنا تظهر “الفرص الضائعة”.

 

أولى هذه الفرص يكمن في نقل الخبرات. فالمصري بالخارج يعمل في بيئات متقدمة، ويحتك بأنظمة حديثة في الإدارة والتكنولوجيا والتعليم والصناعة. هذه الخبرات يمكن أن تختصر سنوات من التجربة داخل مصر، لكن غياب قنوات حقيقية ومنظمة لنقل هذه المعرفة يجعل الاستفادة محدودة، بل أحيانًا منعدمة.

 

ثانيًا: الاستثمار. تحويلات المصريين في الخارج تمثل أحد أهم مصادر العملة الصعبة، لكنها تظل في إطار الاستهلاك الفردي أكثر منها استثمارًا مؤسسيًا. السبب ليس ضعف رغبة، بل في كثير من الأحيان تعقيدات إجرائية، أو غياب معلومات واضحة، أو عدم وجود مشروعات مهيأة لاستقبال استثماراتهم بشكل آمن وجاذب. وهنا تضيع فرصة تحويل هذه الأموال إلى قوة إنتاج حقيقية تخلق فرص عمل وتدفع عجلة الاقتصاد.

 

أما الفرصة الثالثة فهي القوة الناعمة. المصري في الخارج هو سفير غير رسمي لوطنه. سلوكه، نجاحه، اندماجه، وتأثيره في المجتمعات التي يعيش فيها، كلها أدوات تصنع صورة مصر عالميًا. لكن هذه القوة تحتاج إلى دعم وتوجيه، وإلى شعور حقيقي بالانتماء والتواصل المستمر مع الدولة، حتى تظل هذه الصورة إيجابية ومؤثرة.

 

ولا يمكن إغفال الدور السياسي والمجتمعي للمصريين في الخارج. فهم يمثلون امتدادًا شعبيًا مهمًا يمكن أن يدعم قضايا الوطن، ويؤثر في الرأي العام الدولي، إذا تم تنظيم هذا الدور بشكل واعٍ ومدروس. حيث نرى الكثير والكثير من ابناء مصر فى الخارج يتبوؤون مناصب رفيعه فى دول إقامتهم ومراكز مرموقة واستثمارات عاليه هذا يجعلنا ندخل فى ضرورة عمل حصر كامل فى سفاراتنا بالخارج بتلك المعلومات عن ابناء مصر وان تملك وزارة الخارجيه هذه المعلومات المهمه عنهم للتنسيق مع الوزارت والجهات المختلفه في مصر للاستفاده القصوى منهم.

 

المشكلة ليست في غياب الإمكانيات، بل في غياب المنظومة المتكاملة التي تربط المصري في الخارج بوطنه بشكل فعّال. ما نحتاجه ليس مجرد مبادرات متفرقة، بل رؤية شاملة تقوم على:

تسهيل الإجراءات وربطها رقميًا.

توفير معلومات شفافة عن الفرص الاستثمارية.

إنشاء منصات دائمة للتواصل ونقل الخبرات.

إشراك المصريين بالخارج في خطط التنمية.

 

إن المصريين في الخارج ليسوا مجرد مصدر تحويلات، بل هم ثروة بشرية واقتصادية وثقافية هائلة. وإذا استمر التعامل معهم بهذا الشكل التقليدي، ستظل الفرص تضيع واحدة تلو الأخرى. أما إذا تم إدماجهم بوعي في مشروع وطني حقيقي، فإنهم يمكن أن يكونوا أحد أهم أعمدة نهضة مصر.

الرهان ليس على عددهم.. بل على كيفية استثمارهم.

وفي النهاية، يبقى التوازن هو الحل:

حقوق تُصان.. وواجبات تُؤدى.. ودولة تحتضن أبناءها.. ومواطن يرفع اسم وطنه.

هكذا فقط تتحول الفرص الضائعة إلى إنجازات حقيقية.

تم نسخ الرابط