اتحاد الكتاب.. ليس مجرد كيان إدارى ضمن منظومة المؤسسات الثقافية المصرية، بل يعد نموذجًا يعكس طريقة تشكيل العلاقة بين وزارة الثقافة والمثقف فى لحظة تاريخية محددة، ثم تطور هذه العلاقة تحت ضغوط التحولات السياسية والرقمية والاجتماعية.. وقبل ذلك إعادة تشكيل المجال الثقافى نفسه. الاتحاد الذى تأسس بقرار رسمى فى منتصف سبعينيات القرن الماضى.. بوصفه إطارًا لتنظيم الكتاب وتمثيلهم، وجد نفسه مع مرور الوقت أمام واقع لم يعد يسمح له بالاحتفاظ بذات الوظائف أو بذات المركز الرمزى الذى تأسس من أجله. المسألة هنا ليست فى تقييم أداء اتحاد الكتاب فحسب، بل فى مراجعة بنيته التاريخية والقانونية والثقافية.. لفهم كيف تحول من فكرة التمثيل الثقافى المركزى إلى كيان محل جدل مستمر حول الدور والشرعية والمعنى.
كيان ثقافى بقرار رئاسى
يمثل اتحاد الكتاب واحدًا من أكثر المؤسسات الثقافية المصرية إثارة للجدل، ليس بسبب واقعة محددة هنا أو أزمة عابرة هناك، بل بسبب طبيعة تأسيسه القانونى، وبسبب طبيعة تطوره التنظيمى، وتداخل وظيفته بين النقابى والثقافى.. مما تسبب فى حالة دائمة من عدم الاستقرار فى تعريفه ودوره وحدود شرعيته. والتى استغلها البعض مؤخرًا لما يشبه حالة من الاختطاف شبه المنظم.
تأسس الاتحاد طبقًا للقانون رقم 65 لسنة 1975، والمعدل بالقانون رقم 19 لسنة 1978 ضمن سياق سياسى وثقافى.. شهد إعادة تنظيم المجال العام فى مصر بعد انتصارات حرب أكتوبر 1973 من خلال لجنة تولى رئاستها توفيق الحكيم. ولم يكن القرار مجرد مبادرة ثقافية، بل كان يمثل جزءًا من سياسة الدولة لإعادة هيكلة النقابات المهنية، بما فى ذلك الاتحادات الفنية والثقافية.
أنشئ الاتحاد بهدف تأسيس كيان رسمى يمثل الكتاب أمام الدولة، وتنظيم المجال الأدبى فى إطار نقابى، وضبط العلاقة بين المثقف والمؤسسة السياسية. وبذلك، أصبح الاتحاد منذ لحظة تأسيسه ليس مجرد تجمع ثقافى، بل كيان قانونى له صفة تمثيلية واعتبارية رسمية. لكن مع ملاحظة أن المشكلة التى برزت منذ التأسيس أن الكتابة ليست مهنة مغلقة أو محددة.. يمكن ضبطها بمعايير وظيفية وإدارية، بل هى فعل ثقافى متغير وغير محدود.
نقابة أم اتحاد.. والعكس
تنص المادة الأولى من القانون رقم 65 لسنة 1975 بخصوص إنشاء اتحاد الكتاب على:
(تنشأ فى جمهورية مصر العربية نقابة تسمى «اتحاد الكتاب» ويكون لهذا الاتحاد الشخصية الاعتبارية، ومقره الرئيسى مدينة القاهرة). وهو ما يعنى قبل أى شيء أنها نقابة غير مهنية. لكن الواقع الآن يؤكد أنه يتم التعامل معه باعتباره «نقابة مهنية ثقافية»، وهو ما يعنى أنه يجمع بين كونه تمثيلًا اجتماعيًا (معاشات وخدمات)، وبين كونه تمثيلًا رمزيًا لمنح صفة الاعتراف بمن هو الكاتب؟!
هذا الدمج.. ترتب عليه وجود كيان هجين.. لا هو نقابة تقليدية مثل نقابات الصحفيين أو المحامين أو المهندسين، ولا هو مؤسسة ثقافية مستقلة، مثل أكاديمية الفنون. والنتيجة هو ظهور فجوات ضخمة.. ترتب عليها استغلال المساحة الرمادية بين «الاتحاد» و«النقابة». وفى النهاية، النقابة تحتاج إلى معايير خدمة واستحقاق إدارى.. بينما الاعتراف الثقافى يحتاج إلى معايير نقدية مرنة وغير إدارية. هذا التناقض ظل قائمًا دون أى حسم تشريعى أو مؤسسى حقيقى منذ سنة 1975 وإلى اليوم.
حدود غير منظورة
لا يعلم الكثيرون بسبب حالة الالتباس والاستقلال المستهدف الآن بين كونه اتحادًا أم نقابة، أن الاتحاد يقع تحت الإطار العام لإشراف وزارة الثقافة المصرية.. باعتبارها الجهة المنوط بها مسئولية تنظيم المجال الثقافى الرسمى. وهو إشراف له خصوصية مهمة، هى أن الوزارة لا تتدخل فى تفاصيل الإدارة اليومية للاتحاد، ولا تحدد معايير عضوية جمعيته العمومية. لكنها تمنحه الشرعية القانونية. والأفضل بالطبع، ما حدث من وأد لمحاولات خبيثة لإلغاء مرجعية وزارة الثقافة على الاتحاد.
كرست تلك الحالة وجود الاتحاد فى المساحة الرمادية بين كونه ليس مستقلًا بالكامل، وبين كونه ليس جهازًا حكوميًا مباشرًا. وهو ما تسبب فى عدم حسم الأزمات الداخلية لعدم وجود مرجعية حاسمة خارجية تحسمها بسرعة، بل تترك لتوجهات مجلس الاتحاد وقرارات رئيسه.
معايير عضوية ضبابية..
هناك أزمة عضوية ومعايير ملتبسة فى القبول، واتهامات بدخول أعضاء غير مؤهلين أو عبر علاقات شخصية. وفى المقابل، استبعاد أدباء معروفين لأسباب غير مفهومة. وهناك اتهامات واضحة بسرقات أدبية داخل العضوية وهو ما يعنى اهتزاز قيمة «عضوية الاتحاد» نفسها.
تقوم اللوائح الأساسية للعضوية نظريًا على شرط الإنتاج الأدبى المنشور، لكن التطبيق العملى مع مرور السنوات.. أنتج إشكاليات متراكمة، أولها اختلاف تفسير الإنتاج الأدبى، وثانيها دخول أعمال غير متجانسة من حيث النوع أو القيمة النقدية، وثالثها ما يحدث من جدل حول تقييم بعض المتقدمين عبر اللجان المختلفة. وفى المقابل، هناك كتاب لهم حضور قوى فى النشر والجوائز الثقافية خارج الاتحاد، ولا يتمتعون بعضوية الاتحاد، مما يعكس فقدان بوصلة التوازن بين الاعتراف المؤسسى والاعتراف الثقافى. هذا الانفصال يمثل أحد أخطر التحولات الثقافية.. لأنه يعنى أن الاتحاد لم يعد المرجع الوحيد لتعريف «الكاتب».
ولا ننسى أيضًا أنه منذ بداية الألفية الجديدة، ثم بشكل أسرع بعد سنة 2011، تغير المشهد الثقافى جذريًا بسبب انتشار النشر الرقمى، وصعود المنصات المستقلة، وتراجع مركزية المؤسسات الرسمية فى تشكيل العقلية الثقافية العامة. وهو التحول الذى أدى إلى فقدان الاتحاد تدريجيًا لما يمكن أن نطلق عليه «احتكار الاعتراف الثقافى»، أى تراجع قدرته على أن يكون المرجع الوحيد لتعريف الكاتب.
أزمات الشرعية
يقوم النظام الانتخابى داخل الاتحاد على الجمعية العمومية، وقد ظهرت عبر السنوات.. أشكال متكررة من التوترات والأزمات. بداية من الخلافات المستمرة بين مجلس الإدارة ومعارضيه، ومرورًا بالاستقالات الجماعية التى وصلت لعدد 16 عضوًا سنة 2015 ثم ظهور تيار «جبهة التغيير والإصلاح»، وصولًا إلى اتهامات بين الأعضاء.. وصلت لدرجة التخوين والبلاغات القضائية بدلًا من الحوار الثقافى. وهكذا تحول الاتحاد إلى ساحة صراع شخصى بدلًا من كونه كيانًا ثقافيًا راق.
أزمات قانونية متكررة على مدى أكثر من دورة. اتهامات بتعطيل الانتخابات ومد فترات المجالس بشكل مخالف للوائح، وجدل حول شرعية الجمعيات العمومية وإجراءاتها، وشكاوى من التلاعب فى القوانين واللوائح لخدمة أطراف معينة، واتخاذ قرارات مجلس الإدارة بالإجماع.. رغم عدم تصويت بعض الأعضاء على اتخاذها. بالإضافة إلى استحداث ما يسمى «المجلس الاستشارى الأعلى». وهو ما أدى إلى فقدان الثقة فى شرعية الإدارة نفسها.
موارد مالية معتبرة
تتكون موارد الاتحاد من رسم القيد فى جدول الاتحاد. والاشتراكات السنوية للأعضاء. والتبرعات والهبات والوصايا. والإعانات الحكومية وإعانات المؤسسات والهيئات العامة. وعائد استثمار أموال الاتحاد. ونسبة مقدارها 5 % من الثمن المحدد على غلاف كتب الإنتاج الفكرى التى سقط عنها حق المؤلف. ونسبة مقدارها 2 % مما يتقاضاه المؤلفون عن أعمالهم الأدبية ومصنفاتهم الفنية المكتوبة التى ينشرها أو يقدمها لهم القطاع العام أو الخاص سواء كان بطريق الطبع أو العرض أو السينما أو المسرح أو الإذاعة أو التليفزيون. ورسم التمغة الخاصة باتحاد الكتاب على الطلبات المقدمة إليه، وعلى العقود التى يبرمها المؤلفون بشأن مصنفاتهم طبقا للفئات المبينة فى المادة السابعة من هذا القانون. والموارد الأخرى التى يوافق عليها مجلس الاتحاد وتكون جائزة قانونًا.
والمفارقة أنه رغم الموارد الجيدة المتاحة للاتحاد، فقد حدث تراجع للخدمات المقدمة للأعضاء، وهناك شكاوى من وقف رواتب ومعاشات بعض الأدباء، ومشاكل فى صرف العلاج والرعاية الصحية لبعض الأعضاء.. خاصة بعد تكليف شركة استثمارية خاصة لإدارة ملف التأمين الطبى لأعضاء الاتحاد.
الشفافية المالية المفترضة..
تداول الكثيرون من أعضاء الجمعية العمومية ومن أعضاء مجلس إدارة الاتحاد ما يخص المشاكل المالية وتحديات استمرارها. وتكرر الحديث عن شبهات مالية فيما يخص اتهامات بصرف أموال دون سند قانونى أو توجيهها لمصالح شخصية، وقرارات مثيرة للجدل بخصوص بدلات ومكافآت لمجلس الإدارة، والحديث عن خسائر مالية بسبب قرارات إدارية خاطئة.
وهو ما جعل صورة الاتحاد.. تضرر بشدة كمؤسسة يفترض أنها تمثل المثقفين. والمؤكد أنه فى المؤسسات الثقافية، لا نحتاج بالضرورة إلى مخالفات مثبتة كى يتحول الأمر إلى أزمة، لأن مجرد غياب الشفافية الكاملة هو أمر كاف لإضعاف الثقة المؤسسية.
والنتيجة أن هناك فجوة دائمة بين المتوقع وقدرة التنفيذ الفعلى التى تخضع لسلطة وقرارات رئيس مجلس الإدارة، مما يولد إحساسًا مستمرًا بعدم الرضا داخل قاعدة عضوية الاتحاد.
سيناريو الإنقاذ..
تاريخ اتحاد الكتاب، يتسم بأنواع ثابتة من المشكلات، هى: الأزمات الداخلية، والاختلاف والانقسام، والتداخل التنظيمى، وتهدئة المسكنات المؤقتة، وعودة الأزمات بصيغ جديدة. وهو ما يؤكد أن الأزمات ليست ظرفًا استثنائيًا، بل آلية داخلية متكررة لإعادة إنتاج الاختلافات.
ولذلك، يمكن تحديد ثلاثة مسارات مستقبلية كسيناريو الإنقاذ. المسار الأول هو التراجع التدريجى مع بقائه ككيان قانونى، وانخفاض تأثيره الثقافى لصالح كيانات أخرى. والمسار الثانى هو تعددية المراكز الثقافية حيث لم يعد الاتحاد مرجعًا وحيدًا للاعتراف بالكاتب المصرى. والمسار الثالث هو تعريف الاتحاد، وهو ما يتطلب: الفصل بين ما هو نقابى وما هو ثقافى، وإعادة ضبط شروط العضوية، وتحديث نظام الانتخابات، وإعادة صياغة تعريف العلاقة مع وزارة الثقافة. وهو سيناريو صعب.. غير أنه الوحيد الذى يعيد للاتحاد معناه وقيمته ورمزيته.
نقطة ومن أول السطر
أزمة اتحاد كتاب مصر لا يمكن اختزالها فيما يحدث من خلل جلل فى تصرفات رئيس الاتحاد. وآن الأوان أن تعود للاتحاد مكانته المؤسسية بعيدًا عن التعامل معه باعتباره كيانًا خاصًا لا يجوز الحديث عنه.. تفاديًا للإحالة للتحقيق أو تقديم بلاغ للنيابة العامة لكل من ينتقد أمرًا هنا أو تصرف هناك مثلما حدث قبل ذلك مع الشاعر الكبير أحمد سويلم وهالة فهمى ونفيسة عبدالفتاح.. رغم أنه كيان المفترض فيه الحرص على حرية الرأى والتعبير لأبعد مدى ممكن وبأكبر قدر من قبول النقد والاختلاف.
نقلًأ عن مجلة روزاليوسف



