الطريقة الصديقية الشاذلية تعقد مجالس أسبوعية لتصحيح مفهوم البدعة بخطاب علمي هادئ
في ظل تصاعد الجدل حول قضايا “البدعة” وهيمنة الطرح المتشدد على بعض مساحات الخطاب الديني، برزت الطريقة الصديقية الشاذلية برئاسة الدكتور على جمعة كأحد الأصوات التي تسعى إلى إعادة التوازن وتصحيح المفاهيم من داخل التراث الإسلامي ذاته عبر خطاب علمي هادئ يستند إلى النصوص ويستنير بفهم العلماء.
وفي هذا السياق، تعقد الطريقة الصديقية الشاذلية مجالس أسبوعية كل ثلاثاء بساحة الطريقة المجاورة لـمسجد الإمام الحسين، في محاولة لإعادة ضبط المصطلح بعيدًا عن التوظيف المتشدد أو الفهم المجتزأ.
تأتي هذه المجالس في إطار تصحيح المفاهيم لا الصدام، حيث تسعى الطريقة الصديقية الشاذلية إلى إعادة تقديم الخطاب الصوفي باعتباره خطابًا متوازنًا يجمع بين النص والفهم ويرفض الغلو كما يرفض التفريط.
ويحاضر في هذه المجالس الدكتور مجدي عاشور نائب شيخ الطريقة، حيث يقدّم معالجة تفصيلية لقضية البدعة أحد أكثر المفاهيم إثارة للجدل في الخطاب الديني المعاصر.
البدعة الحسنة
وفي طرح لافت، يؤكد عاشور أن القرآن نفسه يؤيد فكرة البدعة الحسنة، مشيرًا إلى أن النص القرآني حين يُستحضر ينكسر عنده الجدل ولا يملك أحد الاعتراض عليه، واستشهد بحديث رواه أبو أمامة رضي الله عنه إلى جانب قوله تعالى ورهبانية ابتدعوها، موضحًا أن هذه الآية كانت محل تفسير لدى عدد من العلماء.
وبيّن أن الإمام ابن كثير ذهب إلى ذم البدعة لكنه ربط ذلك بسياق الآية فما رعوها حق رعايتها، معتبرًا أن الإشكال لم يكن في أصل الابتداع ذاته بل في عدم الالتزام به كما ينبغي، ويفسر عاشور هذا بأن الرهبانية كانت في أصلها ابتغاء وجه الله فهي بدعة حسنة لكن المأخذ جاء من عدم المداومة عليها وهو ما يعني أن النص لم يُنكر أصل الفعل بل قصّر في تطبيقه.
ويقدم عاشور تقسيمًا واضحًا للبدعة يهدف إلى ضبط المفهوم ومنع التعميم، حيث يفرق بين بدعة في الفروع وهي التي تحتمل الاجتهاد وقد تكون مقبولة أو حسنة، وبدعة في أصول الدين وهي المرفوضة قطعًا مثل إنكار القدر لما تمثله من مخالفة صريحة لثوابت العقيدة.
وفي سياق الرد على بعض الإشكالات العقدية التي تطرحها تيارات متشددة، يفرّق عاشور بين مفاهيم الخلق والإرادة والرضا، موضحًا أن الله سبحانه يخلق كل شيء بما في ذلك أفعال العباد وفق إرادة كونية، لكن الرضا الإلهي يخضع للميزان الشرعي فالله لا يرضى بالكفر وإن كان قد أوجده لحكمة وهذا التفريق يزيل اللبس الذي يقع فيه البعض حين يخلط بين ما يقع بإرادة الله الكونية وما يرضاه شرعًا
الجبر والاختيار
وفي معالجة لمسألة الجبر والاختيار، يوضح عاشور أن ما يقع على الإنسان كالحوادث هو مما يُسيّر فيه وما يجري داخل جسده خارج عن إرادته أما أفعاله واختياراته فهو مخيّر فيها مع وجود قدر يسير من التسيير.
وتطرق المجلس إلى ما وصفه بالبدع العقدية الخطيرة، ومنها القول بحوادث لا أول لها أي إثبات قدم لشيء حادث، وهو ما اعتبره تناقضًا عقليًا وشرعيًا، وأشار عاشور إلى سوء فهم بعض الروايات مثل حديث كان الله ولم يكن شيء قبله.
وأوضح أن حمله على وجود شيء مع الله هو خطأ جسيم، لافتًا إلى ضرورة جمع الروايات ومنها ولم يكن شيء غيره لفهم المعنى الصحيح، كما انتقد ما أسماه القراءة المجتزأة للنصوص التي قد يقع فيها بعض المنتسبين للفكر المتشدد في إشارة إلى تأويلات نُسبت إلى ابن تيمية.
وبينما يستمر الجدل حول البدعة في الساحة الدينية، تبدو هذه المجالس محاولة لإعادة النقاش إلى أصوله العلمية بعيدًا عن الاتهامات المتبادلة في معركة فكرية عنوانها من يملك الفهم الأدق للنص.





