الأربعاء 12 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بوابة روز اليوسف

بعد تتويجه بجائزة التانيت الذهبي في مهرجان قرطاج السينمائي، وصل فيلم (32B مشاكل داخلية) إلى مصر، حيث عُرض في افتتاح الدورة الثانية عشرة من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير، حاصدًا إشادات واسعة من حضور المهرجان.
الفيلم هو التجربة الإخراجية الأولى لـ "محمد طاهر" من تأليف "هيثم دبور" وبطولة "محمد ممدوح، هنا شيحة، أحمد داش، جيسيكا حسام الدين وجهاد حسام الدين"
 

تدور الأحداث حول أب يعيش مع ابنته المراهقة في غياب الأم، فيجد نفسه فجأة مطالبًا بملاحظة التغيرات الجسدية التي تطرأ عليها، والتعامل معها بوعي يفتقده بطبيعة الحال، تمامًا كغالبية الرجال في مجتمعاتنا.
 

ينطلق الفيلم من مدرجات ملعب تنس داخل أحد الأندية، حيث يجلس الأب يتابع مباراة ابنته، قبل أن تُفاجئه إحدى سيدات النادي بأن ابنته لم تعد طفلة، وعليه أن يشتري لها حمّالة صدر.
 

وقد نجح "محمد ممدوح" من خلال دور الأب في توصيل مشاعر مختلطة، لكنها شديدة الصدق، حيث انعكست على وجهه  صدمة اكتشاف أن ابنته أصبحت أنثى، وكأنه أمر مفاجئ لم يأتِ عبر تطور طبيعي استغرق سنوات.

 

بعد أن خفت حدّة الصدمة، حلّ محلها شعور الارتباك، فدوره كأب يفرض عليه أن يفتح معها هذا الحديث، لكن معوّقات كثيرة تمنعه من الاقتراب من منطقة لم تكن يومًا مطروقة بينهما.
 

يتصاعد هذا الارتباك حين يدخل متجرًا للملابس الداخلية، ليكتشف أن المهمة أعقد مما تصور، فهو لا يعرف المقاس ولا الشكل المناسب الذي يتعين عليه احضاره لابنته المراهقة، فيستسلم لاقتراح البائع، الذي يختار له المقاس “32B”.
 

هنا تبرز براعة "أحمد داش" في تأدية دور البائع الذي تتغير طريقته من الانفتاح إلى التحفظ عندما علم أن الزبون يشتري القطعة لابنته، وتبرز أيضا دلالة اسم الفيلم، الذي يعد اختيارًا ذكيًا من صناعه؛ فما يبدو رقمًا عاديًا لأي فتاة، يشير إلى قياس إحدى الملابس، يتحول بالنسبة للرجل بشكل عام إلى شفرة غامضة، أو عالم لا يملك مفاتيحه.

 

ينتقل الأب إلى محل لتغليف الهدايا، وينتقل ارتباكه معه. لكن المشهد في محل تغليف الهدايا لا يفضح ارتباك الأب فقط، بل يفضح أيضًا وصاية مجتمع كامل، برجاله وسيداته، يرى في جسد المرأة مناطق محظورة، ويعتبر في بعض ملابسها دلالة على شئ مشبوه أو غير أخلاقي، ويتجلى ذلك في رد فعل البائعة "جهاد حسام الدين" التي ترفض تغليف الهدية وتطرد الأب من المحل.
 

يعود الأب حاملًا هديته، ويظل يتخيل حوارًا لا يحدث بينه وبين ابنته قبل أن يقدّمها لها، لكن الابنة التي تلعب دورها "جيسيكا حسام الدين"  تنقذه من هذه الحيرة حين تعود من الخارج، ويظهر من بين ملابسها أنها ترتدي قطعة الملابس محل الأزمة،  لكن الأب الذي ظن انه نجا من المأزق، ولم يضطر للمواجهة، لم يشعر سوى بارتباك مضاعف عندما شاهد ابنته، حيث بدأت الأسئلة في مطاردته:
 

كيف عرفت؟ من علّمها؟ كيف حصلت عليها؟ ففقدان الأب سيطرته على ابنته هو أمر من منظوره أشد صعوبة من فكرة  جهله بها وباحتياجاتها.

 

وقد يذكّرنا هذا الطرح بمشهد من فيلم (عالم عيال عيال) للمخرج "محمد عبد العزيز"، والذي تم تقديمه عام ١٩٧٦ من بطولة “رشدي أباظة وسميرة أحمد” حيث ارتبك الأب عند علمه ببلوغ ابنته، وبدت على ملامحه الحيرة والدهشة عندما كانت تخبره الاخصائية الاجتماعية بالأمر، لكن الفارق الجوهري يكمن في رد فعل الفتاة، ففي (عالم عيال عيال) أُصيبت الابنة بالإغماء لعدم استيعابها ما يحدث لها، بينما في (32B مشاكل داخلية) تعاملت الابنة مع احتياجاتها بوعي أكبر، دون حاجة إلى تدخل الأب، ومع ذلك، ظل الأب رغم فارق خمسين عاما على انتاج الفيلمين محتفظا بارتباكه وعدم قدرته على تقريب المسافة بينه وبين ابنته.

 

على مستوى الكتابة، يواصل “هيثم دبور” من خلال هذا الفيلم تقديم أعمال تشتبك مع المسكوت عنه، خصوصًا في الأفلام القصيرة، حيث يبرع في تحويل لحظة عادية إلى سؤال كبير يستدعي التفكير والنقاش.
 

أما "محمد طاهر" فيقدّم تجربة أولى واعية، يمتلك فيها لغة بصرية قادرة على التعبير عن مشاعر الشخصيات ومكنوناتها، ما يبشر بمخرج صاحب رؤية مختلفة.

 

تم نسخ الرابط