الذكاء الاصطناعي قد يعيد تشكيل قرارات الفائدة والتضخم في البنوك المركزية عالميا
تشهد البنوك المركزية العالمية سباقًا متسارعًا لفهم التأثير المتزايد للذكاء الاصطناعي على معدلات التضخم، في وقت لم تعد فيه هذه التكنولوجيا مجرد عامل طويل الأجل، بل تحولت إلى عنصر هيكلي ومباشر يعيد تشكيل أدوات السياسة النقدية واتجاهاتها بل قد يدفع نحو اتخاذ القرارات النقدية الصادرة عن هذه البنوك.
وبعد أن ظلت البنوك المركزية لسنوات تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كاتجاه مستقبلي شبيه بالتغير المناخي أو التحولات الديموغرافية، بدأ صناع القرار ينظرون إليه حاليًا كتحول هيكلي يعادل في تأثيره الثورة الكهربائية أو ظهور الإنترنت، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على الأسعار وأسعار الفائدة وأدوات التحليل الاقتصادي.
ولم يعد الخلاف يدور حول أهمية الذكاء الاصطناعي، بل حول توقيت تأثيره واتجاهه، وما إذا كان سيؤدي إلى ضغوط تضخمية على المدى القصير قبل أن يسهم في خفضها لاحقًا عبر تعزيز الإنتاجية، بحسب تقرير لشبكة "يورونيوز" الإخبارية.
في هذا السياق، برز البنك المركزي الأوروبي كأحد أكثر المؤسسات تقدمًا في توظيف الذكاء الاصطناعي، حيث كشف اقتصاديون بالمركزي في 21 أبريل الجاري عن استخدام نموذج قائم على التعلم الآلي منذ نهاية عام 2022 لدعم قرارات السياسة النقدية.
ويعتمد النموذج على نحو 60 مؤشرًا تشمل توقعات التضخم وضغوط التكاليف والنشاط الاقتصادي والظروف المالية، ويتم تحديثه عدة مرات خلال كل ربع سنة، وقد نجح بالفعل في رصد مخاطر صعوديه للتضخم الأساسي خلال عام 2025 قبل تحققها، بفارق بلغ نحو 20 نقطة أساس مقارنة بالتوقعات الرسمية.
وفي ألمانيا، يسير البنك المركزي "بوندسبنك" في الاتجاه ذاته، حيث أكد مسؤولوه استخدام تطبيقات متعددة للذكاء الاصطناعي تشمل تحليل الوثائق والمساعدات الذكية وتقييم الاتصالات بين البنوك المركزية في منطقة اليورو، بهدف تعزيز كفاءة التحليل ودعم عملية صنع القرار.
أما في الولايات المتحدة، فقد انتقل النقاش داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي من مرحلة الإقرار بأهمية الذكاء الاصطناعي إلى بحث تأثيراته المباشرة على التوازنات الرئيسية للسياسة النقدية، خاصة الإنتاجية والتضخم وسوق العمل.
ويرى بعض المسؤولين أن الذكاء الاصطناعي قد يقود إلى طفرة في الإنتاجية تدعم النمو دون توليد ضغوط تضخمية، فيما يحذر آخرون من تأثيراته المزدوجة، إذ قد يؤدي التوسع في استخدامه إلى رفع تكاليف بعض المدخلات، خاصة مع زيادة الطلب على الطاقة والبنية التحتية ومراكز البيانات.
وفي موازاة ذلك، انقسمت الأسواق المالية العالمية في تقييمها لتأثير الذكاء الاصطناعي، حيث يرى اتجاه أن هذه التكنولوجيا تمثل صدمة إيجابية في جانب العرض تدفع نحو انخفاض الأسعار وأسعار الفائدة، بينما يحذر اتجاه آخر من موجة استثمارات ضخمة قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة والعوائد في المدى القريب.
وتشير تقديرات صادرة عن بنوك استثمار عالمية، ومن بينها "جولدمان ساكس"، إلى أن التوسع في مراكز البيانات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي قد يسهم في زيادة الطلب على الكهرباء بشكل كبير، بما يدعم استمرار الضغوط التضخمية خلال السنوات المقبلة، مع توقعات بأن تمثل هذه المراكز نحو 40% من نمو الطلب على الطاقة خلال السنوات الخمس القادمة.
كما حذرت تقارير صادرة عن مؤسسة "أكسفورد أيكونوميكس" Oxford Economics من أن الطفرة في استثمارات الذكاء الاصطناعي، خاصة في البنية التحتية ومراكز البيانات، قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة والعوائد في المدى القريب، قبل أن تتحقق مكاسب الإنتاجية على المدى الأطول.
ويجمع خبراء على أن القضية لم تعد تتعلق بمدى تأثير الذكاء الاصطناعي على التضخم، بل بتوقيت هذا التأثير وتسلسله. فإذا تحققت مكاسب الإنتاجية أولًا، قد تجد البنوك المركزية مساحة لتخفيف السياسة النقدية دون إعادة إشعال التضخم، أما إذا سبقتها موجة الاستثمارات وارتفاع التكاليف، فقد تضطر هذه البنوك إلى التراجع عن أي تيسير مبكر.
ويمثل هذا التحول تغيرًا جوهريًا في الخطاب الاقتصادي العالمي، بعدما كان الذكاء الاصطناعي غائبًا إلى حد كبير عن مناقشات البنوك المركزية قبل سنوات قليلة، ليصبح اليوم في صميم رسم السياسات النقدية وتحديد مسار التضخم عالميًا.





