عندما وقعت مصر معاهدة "الشرف والاستقلال" عام 1936 نهض د. طه حسين المفكر المصري الكبير المختلف، عميد الأدب العربي من موقعه كمثقف وطني عضوي صادم ومؤثر ومقاتل ورصين وبسيط وواضح بساطة العمق ووضوح المعنى القادر على استخدام اللغة العربية الفصيحة السليمة، فأصدر العميد كتابه "مستقل الثقافة في مصر"، ليؤكد حقيقة صادمة عن مصر ظلت صادمة لكل المهتمين بمصر كجزء من الشرق وكبوابة للجنوب، وتأتي الصدمة من التاريخ الحديث ومحاولات الغرب الأوروبي الفرنسية والإنجليزية لاستعمار مصر، ورغم أن مصر أول حضارة في التاريخ بقيت قادرة على الحفاظ على استقلالها رغم أي حضور عسكري أجنبي وفقاً لمعادلات القوة العسكرية، فقد جاء د. طه حسين الجنوبي عميقاً صادماً مثل مصر العنيدة، فقد قاومت مصر بشخصيتها الحضارية وبمكونها الثقافي الفريد، فبقيت مصر كما تحب وعبر الجميع وغدروا ورحلوا وبقيت مصر هي مصر بتاريخها وثقافتها وحضاراتها.
وكانت الصدمة الثقافية الكبرى في ظل دعوات التحرر المقاومة للغرب الأوروبي ولسيطرة الإنجليز والأجانب على الإدارة المالية المصرية والحضور القائم على الحماية الإنجليزية كحارس للغرب الإمبريالي الأوروبي بثقافته المركزية آنذاك والتي تؤمن بتفوق الأبيض صاحب العيون الزرقاء والشعر الأصفر، هو إعلانه مصر كمكون رئيس في ثقافة حوض البحر الأبيض المتوسط.
فقد أكد طه حسين في كتابه أن مصر ترتبط بروابط وثيقة مع دول حوض البحر الأبيض المتوسط، كما تربط بمحيطها الإفريقي والعربي والشرقي.
وقد أثار الكتاب ضجة وتعرض د. طه حسين لهجوم قاس لا يقل عن الهجوم الذي تعرض له عندما أصدر كتابه في الشعر الجاهلي.
وها هي الأيام المعاصرة تعلن من المنيا ومن البهنسا حيث تكونت شخصية العميد في صعيد مصر صدق ما قال، وهكذا تستطيع مصر أن تقف شامخة أمام حتى المزاح الذي صدر من الملك الإنجليزي تشارلز تجاه ترامب إذ قال له: "لولا وجودنا – يقصد الإنجليز – لكنتم تتحدثون الآن الفرنسية" مخاطباً الأمريكيين ورئيس الولايات المتحدة الأمريكية، الابنة الشابة القوية للأم الشجرة عميقة الجذور المملكة المتحدة، إلا أن مصر تثبت دائماً أنها تختار اللغة التي تريد أن تتحدثها.
إنها وحدة وحساسية البحر الأبيض المتوسط ووحدة العقل المصري الأوروبي عبر وحدة العقل اليوناني المكون الأساسي للعقل الأوروبي المعاصر، والذي تعلم الكثير والكثير من دروس الحرب العالمية الأولى والثانية، حتى سيطر عدم اليقين والشعور بالعدم والعبث على مشاعر القارة العجوز التي توقفت عن إنجاب الأطفال لتصبح شجرة قوية عميقة الجذور.
ولذلك يبدو الخبر المدهش الذي طالعتنا به المواقع الإخبارية الثلاثاء الماضي من أبريل 2026 هو علامة بخاتم المصادفة العبقري، إذ يأتي الخبر من البهنسا وهي أحد أعمال محافظة المنيا مسقط رأس عميد الأدب العربي، ليعلن عن اكتشاف نسخة من ورق البردي من "إلياذة هوميروس" في أمعاء مومياء مصرية قديمة مما يؤكد الاندماج بين الثقافتين القديمتين واتصالهما على صعيد المعتقدات الدينية والنصوص الإبداعية.
فحقاً تعود بقايا مدينة "برمجد" المصرية اليونانية الرومانية كتجسيد حي لتلاقي الثقافات القديمة عبر حوض البحر الأبيض المتوسط، في مدينة البهنسا الحالية، هذا ما عثرت عليه بعثة دراسات الشرق الأدبي القديم بجامعة برشلونة.
الاكتشاف يعود إلى الفترة ما بين نوفمبر وديسمبر 2025، العام ولكن الإعلان عنه ثم مؤخراً بعد التأكد من نص هوميروس في أمعاء المومياء، وهي المسألة المادية الأثرية التي تؤكد عمق الاتصال الثقافي لمصر مع اليونان القديمة وروما، تداخل تجاوز الصراع العسكري وصراع النفوذ في البحر الأبيض، الذي كان معروفاً آنذاك بالبحيرة المصرية.
حقاً أدرك د. طه حسين أن العقل المصري القديم والعقل اليوناني القديم قد شكلا معاً حساسية العقل الأوروبي الحديث والمعاصر.
وبعيداً عن أية حساسيات ذات صلة باللغة أو العقيدة أو تاريخ الاستعمار والصراعات المتتالية تبقى مصر القديمة بهويتها المتوسطية جسراً تاريخياً ومعاصراً بين مشتركات عديدة للبشر وثقافتهم في حوض البحر الأبيض المتوسط.



