“اللمسة” هي أبسط أشكال المواساة الإنسانية، وفي لحظات الفقد، تصبح وسيلة وداع أخيرة لا يعوضها شيء، لكن ماذا لو أصبحت هذه اللمسة نفسها فعلا صعبا تحاصره القيود؟
هذا السؤال يطرحه فيلم «I Owe You a Touch»، الذي عرض ضمن فعاليات مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير، في طرح نفسي إنساني جريء يشتبك مع مناطق شديدة الحساسية.
يشارك في بطولة الفيلم كل من مروان عاشور، داليا رمزي، محمد فضل، أحمد النبوي، خالد البساطي، نهى عماد، هاني عبود، وهشام الراوي، وهو من فكرة وإخراج مروان الشافعي، وتأليف عبدالرحمن جابر.
يتناول مأساة «سيف» المراهق الذي يواجه فقد والده في لحظة يعجز فيها عن وداعه بلمسة أخيرة، نتيجة عوائق نفسية واجتماعية تحاصره، لتتحول “اللمسة” من فعل فطري إلى معضلة وجودية.
من هنا، ينطلق الفيلم في مساءلة مفهوم “الطهارة” ليس فقط من منظور ديني، بل كحالة نفسية تتداخل فيها الضغوط الاجتماعية مع الشعور بالذنب، فالبطل في الفيلم لا يخوض رحلة بحث عن تطهر جسدي فحسب، بل يواجه أيضا إرثا من القيود التي تكبله، وتمنعه من التعبير عن مشاعره.

وقد اختار صناع الفيلم وضع عنوانين له، فالعنوان الإنجليزي
I Owe You a Touch
والذي يمكن ترجمته إلى «أنا مدين لك بلمسة» يشير إلى دين عاطفي من المراهق تجاه والده، بينما يأتي العنوان العربي «قبل الظهر» محملا بإشارة زمنية ضاغطة، ترتبط بضرورة اغتسال البطل قبل موعد الصلاة على والده، مما يحول الفعل الإنساني البسيط إلى سباق مع الزمن.
في ظني أن العنوان «I Owe You a Touch» أكثر تعبيرا عن معاناة البطل، وربما كان من الأفضل الإبقاء عليه دون إيجاد بديل عربي، ولا سيما أن الفيلم لا يتحدث عن مراهق واحد عالق في لحظة عجز، بل عن جيل كامل يمر بتحولات معقدة، لا يعيها الكبار، وبالتالي لا يصبح «سيف» وحده مدين بهذه اللمسة لوالده، بل المجتمع كله مدينا له ولأمثاله بلمسة من الاحتواء، والإنصات، والتفهم لتقلباتهم النفسية وأسئلتهم المربكة.
يحمل الفيلم أهمية خاصة في مسيرة مخرجه، إذ يعد «قبل الظهر» أول أفلام مروان الشافعي القصيرة، بعد خبرة تمتد لأكثر من عشر سنوات في مجالي التوزيع والتسويق السينمائي، شارك خلالها في توزيع عدد من الأفلام العربية داخل المهرجانات والأسواق الدولية، ويأتي هذا التحول من خلف الكاميرا إلى موقع صانع الفيلم محملا برؤية واعية بآليات السوق وخطاب الجمهور، وهو ما أنعكس إيجابيا على بناء الفيلم الذي نجح في تحقيق توازن لافت بين حساسية الموضوع وجرأة طرحه، وهو ما يمنح «قبل الظهر» حضورا مميزا ضمن تجارب الأفلام القصيرة التي عرضت في مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير.



