الجمعة 19 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

ابتكار مصري لمعالجة المياه: الأراضي الرطبة الاصطناعية كـ"حل صديق للبيئة"

د. محمد الحجري
د. محمد الحجري

في مواجهة التحديات المتزايدة لأزمة المياه وتلوثها، يتجه العلماء حول العالم إلى الطبيعة بحثًا عن حلول أكثر استدامة. وفي مصر، بدأ فريق بحثي بقيادة الدكتور محمد السيد الحجري، رئيس وحدة الري والصرف في مركز بحوث الصحراء، بتطوير نظام مبتكر يحاكي الأراضي الرطبة الطبيعية، بهدف تنقية المياه الملوثة وإعادة استخدامها بكفاءة منخفضة التكلفة وصديقة للبيئة.


يأتي هذا المشروع ضمن تعاون بحثي واسع بين المعهد الوطني للتميز في علوم البيئة بجامعة آرهوس وعدة شركاء دوليين، بتمويل من الاتحاد الأوروبي، لإيجاد حلول قائمة على الطبيعة لمعالجة المياه الحضرية والزراعية والصناعية.


هذا النموذج التجريبي لا يقدم فقط رؤية جديدة لإدارة المياه في البيئات المتأثرة بالتلوث، بل يفتح الباب أمام استخدامات عملية يمكن أن تعالج مشكلات حقيقية يعاني منها المزارعون والمجتمعات المحلية، خصوصًا في المناطق التي تعتمد على مصادر مياه تتعرض للتلوث المستمر.


ابتكر باحثون مصريون نظامًا يحاكي أرضًا رطبة؛ لتجربة أحد الحلول المستوحاة من الطبيعة في تنقية المياه من التلوث ومعالجتها، والأرض التي تعتبر بمثابة مرشحًا طبيعيًّا، صممها فريق بحثي، يقوده دكتور محمد السيد الحجري، رئيس وحدة الري والصرف في مركز بحوث الصحراء، وتم التصميم وفقًا لشركاء البحث في المعهد الوطني للتميز في علوم البيئة، التابع لجامعة آرهوس، والمشروع ممول من الاتحاد الأوروبي، ويُنفذ بواسطة 14 شريكًا من عدة دول أوروبية إلى جانب مصر وكولومبيا، بمشاركة جهات بحثية وأكاديمية متخصصة في إدارة المياه، ويهدف إلى تقديم حلول مبتكرة ومحسّنة قائمة على الطبيعة لمياه حضرية مستدامة.


وفي مقابلة مع الدكتور محمد الحجري قال ل"بوابة روزاليوسف" إن منطقة جمعية أحمد عرابي في مدينة العبور تبلغ مساحتها حوالي 40 ألف فدان؛ وكان الغرض من إقامتها هو مقاومة الكثبان الرملية التي كان الممكن أن تغطي القاهرة، والنشاط السائد هناك كانت أشجار المانجو والإنتاج الحيواني مثل تربية النعام والأغنام والحيوانات الداجنة والمواشي وخلافه، وتعتمد المنطقة على المياه التي تصلها عبر ترعة الإسماعيلية نقلًا عن نهر النيل؛ والذي يتعرض للكثير من الملوثات ولأن هذه المياه ملوثة ببعض الملوثات والممرضات وأبرزها الإيكولاي والسالمونيلا، كانت النتيجة أن المزارعين لجأوا لاستخدام مياه الشرب المكلفة لتربية الإنتاج الحيواني والداجني حتى لا تصاب الحيوانات بالعدوى ويسبب لها نفوق وخسائر، وأضاف:"لم يكن لديهم بديل".


محاكاة للأراضي الرطبة


النظام المصطنع يمكنه معالجة مياه الصرف الصحي أو الصناعي أو الزراعي، بمحاكاة العمليات التي تجري بالأراضي الرطبة مثل المستنقعات والبحيرات الضحلة، باستخدام النباتات ومكونات التربة والكائنات الحية الدقيقة لتنقية المياه من الملوثات، ما يوضحه الحجري قائلًا إن فكرة المشروع باختصار تتمثل في معالجة 11 نوع من المياه، وكان الحل عبارة عن عمل محاكاة للأراضي الرطبة الطبيعية الموجودة في البيئة الطبيعية؛ وهي وسط ترشيحي فزيائي مكون من الزلط والرمل وبعض الأحجار يقوم بفلترة المياه وإزالة الشوائب؛ بالإضافة لوجود بعض النباتات الخاصة بالمستنقعات زي الغاب أو البوص أو نبات ديل القط  أو البردي والتي تقوم بعمل معالجة حيوية.


أوضح دكتور محمد الحجري أنه تم اختيار النظام المناسب للبيئة المصرية، والفلسفة الخاصة بالأساليب المعالجة المستخدمة في المشروع تتمثل في أن المياه المخزنة يحدث لها فلترة فزيائية، علاوة على ما تقوم به الكائنات الدقيقة حيث تقوم بنوع من أنواع المعالجة تركز على الملوثات الموجودة أو تغير بعض الصفات الكميائية مثل العناصر الثقيلة وتقلل تركيزها سواء عن طريق الامتصاص على بعض مواد الترشيح مثل الكربون النشط وكسر الرخام؛ حيث أن هناك مواد خام كثيرة تقوم بعمل معالجة فزيائية أو تتولى امتصاص الأيونات الموجودة مثل الرصاص وغيرها من العناصر المضرة للإنسان.
سر نبات البردي


تم اختيار نبات البردي لما له من عائد اقتصادي وقيمة تسويقية كبيرة ولا يحتاج أسمدة كثيرة ويتم زراعته في مياه غاطسة وتحدث دكتور محمد الحجري عن قدرة نبات البردي على التخلص من الإيكولاي والسالمونيلا بنسبة من 95 إلى 99% وذلك لعدة أسباب منها أن البردي نفسه به إفرازات تقضي على الممرضات، وأن الجذور الخاصة به توفر بيئة مناسبة للبكتريا التي تتغذى على الممرضات أو البكتريا الضارة؛ بالتالي من الممكن أن نصل لرقم طفيف جدا للإيكلاي والسالمونيلا وتكون المياه صالحة للشرب للحيوانات ويكون سعر التكلفة زهيد.


رغم توفر الزلط والرمال في البيئة الطبيعية في بلد غالبية مساحته من الأراضي الصحراوية إلا أن توفر الزلط والرمال المناسبة للقيام بعملية الفلترة يعتبر أمر مكلف ماديًا ما يكشف الحجري عن سببه موضحًا أن الزلط سعره مرتفع لأنه يستخدم في الزينة، والمشكلة راجعة لأن المقاسات الخاصة بالمرشحات لها تصميم معين وأقطار معينة، و مما يزيد من تكلفة عملية النخل تبعا للأقطار المختلفة للزلط و الرمل، كما يوجد استخدامات أخري للزلط طغت على عملية استخدامه مثل استخدامه في الديكور أو في المرشحات الخاصة بمياه الشرب نفسها التي تخضع لمرشحات سواء رملية أو زلطية .


خلايا الطاقة الشمسية 


يعد استخدام الكهرباء مكلف علاوة على ضرره البيئي، وفي المشروع يتم  ملئ المياه بمضخات ونقلها بعد ذلك للأحواض ويتم استخدام حوالي خمس مضخات كل مضخة تتراوح من 3 حصان إلى 5 حصان، والكهرباء تعتبر طاقة نظيفة لكن من مصدر استخدم فيه الغاز أو السولار وهو وقود أحفوري ينتج عنه غاز ثاني أكسيد الكربون، والعالم الآن يتجه للطاقة النظيفة وتقليل البصمة الكربونية؛ لتقليل التلوث الحادث في الجو، وقال الأستاذ  الدكتور في مركز بحوث الصحراء كان توجهي استخدام الطاقة الشمسية في المشروع لتشغيل المضخات بحيث يكون لدينا طاقة متجددة لا تتأثر بالأزمات العالمية مثل حرب إيران التي أثرت على سعر الوقود و أدت إلي إرتفاع سعره، ورغم ارتفاع تكلفتها المبدئية  لكن تتفوق على الكهرباء على المدى الطويل وتتسم بأنها صديقة للبيئة. 


يعتبر البوص من النباتات الرمرامية التي تستطيع امتصاص الأملاح وبعض العناصر الثقيلة مثل أيونات الصوديوم ولديه  القدرة أن يعيش في المياه المالحة أو المستقعات حيث يمكنه مقاومة الملوحة والبكتريا؛ ويستخدمها في بناء الغشاء الخاص به، وفي نسبة الاستخلاص والمقاومة يعتبر من أفضل النباتات، وإن كان هناك نباتات كثيرة لكن الفكرة اختيار نوع نبات له عائد اقتصادي.


نجح المشروع في الخروج برسالتين ماجستير ورسالة دكتوراة وورقة بحثية مقدمة في مؤتمر دولي خاص بالأراضي الرطبة في اليونان، ويعتبر المشروع صديق للبيئة لأنه حل قائم على الطبيعة، والعالم يتجه نحو هذا الإتجاه لتقليل كمية الاحتباس الحراري، ويعتمد على الطاقة المستدامة التي لا تتعرض لأي صدمات أو عوامل أخرى او يضر بالبيئة، وهو ما يعيبه قلة الكمية الناتجة منه.


الري الفخاري


لأن تكلفة تحلية المياه كبيرة وإن كانت أقل من تكلفة التحلية العادية، يجب الحفاظ على هذه المياه وحمايتها من التعرض للبخر أو الرشح العميق؛ وهما أهم صور فقد  المياه اثناء  الري بالتنقيط، أوضح دكتور محمد الحجري أنه تم معالجة الأمر بالري الفخاري بتصماميم مختلفة مثل قرص أو عبارة عن اسطوانة الهدف منها أن مسام الفخار تتحكم في كمية المياه الخارجة ويمنح التربة احتياجها من المياه على فترات طويلة، وهو ما يقلل الفقد سواء بالرشح العميق أو بسبب البخر بدون تكلفة إضافية، وهو محاكاة لنظام الري العادي ولكن بمادة فخارية. 


ختم الحجري حديثه قائلًا إن حاليًا يعمل في مشروع لاستخراج "الحمأة" الناتجة من مياه الصرف الصحي، في محطة اسمها أراسكواليا بالتعاون بين أوراسكوم المصرية ووشركة أكواليا الأسبانية، ويدار مع وزارة الإسكان لبيع المياه الناتجة عن المشروع في ري اللاند سكيب؛ لتوفير استخدام مياه الشرب في ري المزروعات، والمحطة نموذجية على أحدث النظم والمعايير والمعالجة الأساسية لمياه الصرف في بعض أحواض الترسيب.

تم نسخ الرابط