بالتزامن مع احتفال العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة، تبرز على الساحة الإعلامية ظاهرة "المواطن الصحفي" كأحد أبرز ملامح ونتاج العصر الرقمي الحديث، التي جعلت كل حامل هاتف ذكي "موبايل" متصل بالإنترنت، رئيس تحرير لمنصته الصحفية الخاصة به، والذي نصب نفسه من خلالها ناقلًا للأحداث، وأحيانًا معلقًا وناقدًا على أمور ليس له علاقة بها لا من قريب أو بعيد، وذلك رغبة منه في أن يفرض نفسه على الساحة الإعلامية، وللأسف، هناك من يتابعون هؤلاء ويُصدقون ما يتداول وينشر من معلومات دون تحري الدقة أو التأكد من مدى صدق المعلومات والبيانات المنشورة على المنصات المختلفة بمواقع التواصل الاجتماعي.
يعتقد البعض أن انتشار هذه الظاهرة يُعد امتدادًا لحرية التعبير، في حين أن أغلب هؤلاء المواطنين الصحفيين ينحرفون في كثير من الأحيان عن المسار الإعلامي السليم، خاصة عندما يتجاهلون قواعد المهنة وأخلاقياتها ومعايير الكتابة والنشر، الأمر الذي يترتب عليه نشر محتوى يفتقر إلى الدقة والحقيقة، ويضر الآخرين بشكل مباشر أو غير مباشر، فالمشكلة ليست في امتلاك وسيلة النشر بل في كيفية استخدامها، إذ لا يمكن أن تكون حرية التعبير مبررًا لتجاوز الحقيقة أو انتهاك الخصوصية، أو نشر الشائعات التي تثير عاصفة من النقد والبلبلة دون التحقق من صدق المعلومة، أو البحث عن الشهرة وجني الأموال من خلال اللهث خلف ما يسمى "التريند".
هناك فرق شاسع بين التعبير عن الرأي بطريقة شرعية من خلال منصات صحفية متخصصة وقانونية تعمل تحت مظلة إعلامية تلتزم بالقواعد والسياسات التي تحافظ على مصداقية الرسالة الإعلامية ووصول المعلومة من الناشر إلى القارئ دون تحريف أو تهويل، في إطار يتسم بالأخلاقيات والمواثيق المتعارف عليها دوليًا، من خلال توثيق المعلومة بمصادرها الشرعية، إلا أننا نجد أن هناك من يتوهم بأنه صحفي أو إعلامي لمجرد امتلاكه جهازًا يقوم بالتصوير والنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، فالحقيقة هو واهم ومخطئ في حق مجتمعه ويضع نفسه تحت طائلة القانون.
في النهاية، الكلمة الصحفية ليست مجرد حروف تُكتب أو تُنشر، بل هي مسؤولية تُحمل على عاتق صاحبها، فالكلمة أشبه بالرصاصة، إذا أُطلقت دون تدقيق وتأنٕ، قد تُصيب أبرياء، وتُدمر سمعة فرد أو أسرة بأكملها، فضلًا عن زراعة الفوضى المعلوماتية في عقول المتلقين.
فالصحفي الحقيقي لا يسعى إلى السبق فقط، بل يسعى نحو الوصول إلى الحقيقة وعرضها بالأسلوب الذي يليق بمجتمعه وتقاليده، إذ يتأكد ويدقق ويراجع قبل أن يضغط زر النشر، في حين نجد نماذج مما يعرف بـ"المواطن الصحفي" تلهث وراء الشهرة والبحث عن "التريند"، دون النظر إلى التأثيرات السلبية أو التضليل الإعلامي الذي يُصيب المتلقي بالتشويش.
وجدير بالإشارة أن العالم يحتفل منذ عام ١٩٩٣م باليوم العالمي لحرية الصحافة في الثالث من مايو من كل عام، إحياءً لذكرى إعلان تاريخي مهم صدر عام ١٩٩١م، يُعرف باسم "إعلان ويندهوك"، الذي دعا إلى ضمان استقلالية وسائل الإعلام، وتعزيز حرية التعبير، ودعم وجود صحافة حرة ومتنوعة.
ويهدف هذا الاحتفال إلى التذكير سنويًا بأن الإعلام الحر يُعد أحد الأعمدة الرئيسية في أي مجتمع واعٍ، وأن الحرية الحقيقية لا تنفصل عن المسؤولية والمهنية.
ختامًا.. نصيحتي لكل من يحمل وسيلة إعلامية: في عالم الصحافة المتسارع الحداثة والتطوير، احذر، بيدك أنت قد تُصيب سمعة أو تُنقذ حقيقة، فكن دقيقًا في توصيل المعلومة.
والسؤال هنا.. هل المواطن الصحفي.. ناقل للحقيقة أم صانع للأزمات؟!



