لم يكن هانى شاكر «أسطورة»، لكنه كان «السطور» التى كتبت البقاء لأغنية الطرب المصرية الأصيلة، قوية وحاضرة ومؤثرة حتى الآن.
ولم يكن «ظاهرة» خاطفُُ بريقها صاخبُُ صداها، لكنه كان «ظهيرًا» ضامنًا لاستمرار هويتنا معنىً ولحنًا، مواكبة ً لتطور الزمن ببساطة وتعقل وقيمة دون إفراط فى ملاحقة أى نمط موسيقى يشيع أو يُستَحدَث ودون هوس فى مسايرة تيارات «أغنية الومضة» التى تتوهج وتنطفئ كأنها لم تكن.
وسواء تعمد ذلك (كخطة وكدور) أم فعله تلقائيًا بما يتسق مع حسه وانتمائه وذائقته الفنية وبما يناسب قناعاته وطبيعته الشخصية، فالنتيجة فى رأيى أنه أصبح الأمين الأول على إرث ضخم ومرحلة هى الأعظم فى تراثنا بناها عباقرة مثل محمد عبدالوهاب وأم كلثوم وعبدالحليم حافظ ومن رافقهم من ملحنين وكُتَاب.
وقد كان أروع ما فى هذا الدور (المهم جدًا والصعب جدًا) أنه أداه بلا ادعاء ولا صخب ولامباهاة، كان فقط يفعل مايرى أنه يريد أن يفعله.. ثم أنه لم يكن جامدًا ولا مقلدًا، بل كانت له شخصيته الفنية القوية والمميزة وحضوره الكبير المتفرد منذ اللحظة الأولى لظهوره، وقدرته على التطور والمواكبة من عصر إلى آخر مع إلزام نفسه بما يمكن اعتباره «دستورًا فنيًا وسلوكيًا» يحدد شخصية الفن وصورة الفنان الذهنية ،كما يؤمن بهما ويقتنع ويحب.. فإذا اكتشفنا أنه استمر فى ذلك عبر مسيرة طولها 54 عامًا محافظًا على صدارة المشهد ومكانة الاسم ووهج الحضور، لأدركنا كم كان مافعله صعبًا وعظيمًا.
وفى تقديرى فإن أثر «هانى شاكر» يتجاوز وجوده شخصيًا ويتجاوز أيضًا ماقدمه لنا من فن جميل، فقد كان المظلة الحامية والمحفزة لظهور ونجاح مشروعات فنية طموحة وأصيلة ومجددة بدأت بعده بسنوات قليلة، وأقصد هنا تحديدًا مشروعى «على الحجار» و«محمد منير» اللذين رغم اختلافهما عن بعضهما البعض واختلافهما قطعًا عن كلاسيكية «هانى شاكر» إلا أن نجاحه الكبير وقدرته على إثبات نفسه وتدشين جيله، بينما كانت «أم كلثوم» و«عبدالحليم» مازالا يقدمان حفلاتهما الأسطورية، و«عبدالوهاب» و«بليغ» و«الموجى» و«الطويل» مازالوا يبدعون ويجددون، كل ذلك كان دافعًا وضامنًا لانطلاق المشروعين (الأهم فى تصورى) وجرأتهما فى التجديد والتجويد ولو بشكل غير مباشر.
بالضبط كما كان نوع الغناء الذى يقدمه واستمرار بقائه وجماهيريته الكبيرة مصريًا وعربيًا الأساس وخط الدفاع الأول والوقود الحى الذى حافظ على تواصل تلك السلالة الأصلية النقية بالذات بين المطربات (أنغام وشيرين بالتحديد) وكثير من الملحنين والكُتَاب الذين لم يفقدوا هوية النغم والكلمات المبدعة، بل إن تلك البصمة المصرية ظلت مستمرة وقادرة على التأثير والتصدير من خلال كل صاحب وصاحبة صوت سليم وجميل من المطربين والمطربات العرب حتى الآن.
ربما كل ماسبق يفسر لماذا أتى الحزن كبيرًا على رحيل «هانى شاكر» ولماذا أدرك الجميع - تقريبًا - قدره الآن ولماذا فوجئ (حتى الذين لم يكونوا من متذوقى أغنياته) بأنهم يحبونه.
لقد أحبوا فيه الصورة الذهنية لفنان احترم نفسه وفنه وجمهوره.. أحبوا فيه طيفًا من سنا «سيدة الغناء» و«العندليب» و«موسيقار الأجيال».. وأحبوا فيه أيضًا - حتى ولو لم يدركوا هم ولم يقصد هو - كل ماأعطاه لمشروعات فنية مبدعة ولأصوات جميلة يحبونها.. أحبوا رجلًا هو المطرب العربى الوحيد الذى استمر بلا انقطاع ولو ليوم واحد ناجحًا ومؤثرًا ومتصدرًا وأصيلًا على مدى ما يزيد على نصف قرن.
الآن.. رحل «هانى شاكر» دون أن يحظى فى حياته بتكريم رسمى أو فنى من وطنه يليق به.. فماذا نحن فاعلون ؟
لننتظر ونرى.
نقلا عن مجلة روزاليوسف



