الرقابة ليست مجرد جهاز تابع للدولة تحدّد من خلاله الأعمال الفنية التى يجوز أو لا يجوز تداولها.
الدولة لا تملك كل الخيوط، هناك مؤشر آخر صار مع الأسف يحدد وبنسبة لا يمكن إنكارها مؤشر الرقابة.
إنها (السوشيال ميديا)، وبرغم أنها ليست المعادل الموضوعى للرأى العام؛ فهى قائمة على الصخب والصوت العالى وأيضًا التجاوزات فى الرأى، ورغم ذلك فإن صانع القرار لا يمكنه تجاهلها، وإلاّ أصبح تحت مرمَى نيرانها.
المجتمع كان أكثرَ مرونة فى تقبُّل الفن، وأيضًا فى الحياة الاجتماعية كان الهامش المتاح أكثر اتساعًا، عندما تولى الكاتب الكبير نجيب محفوظ الرقابة لمدة وجيزة فى نهاية الخمسينيات (1959)، أجرَى معه الصحفى الراحل جميل الباجورى حوارًا عن القُبلة والسينما، وافق «نجيب» على السماح بها، اعترض فقط على القُبلة التى تصل للعُنُق، سأله الصحفى عن القبلة فى الشارع، ماذا يفعل لو رأى شابًا وفتاة فى حالة تلبس بقُبلة؟
إجابه:(ابتسم وأوَدّى وشّى ع الناحية التانية وأقول أوعدنا يارب).
تَقبَّل الجمهور ببساطة رأى كاتبنا الكبير، على اعتبار أنه مجرد مداعبة، لو تخيلت أن تلك الإجابات مثلاً قالها الكاتب الكبير عبدالرحيم كمال، أعتقد أنه سيتحول إلى (لوحة تنشين) لكل من يريد تقديم نفسه راعيًا للفضيلة.
كثيرة هى المشاهد التى نكتشف بعد عرضها، أن هناك غضبًا على (السوشيال ميديا)، حطموا الخَط الفاصل بين الواقع والشريط السينمائى، كثيرًا ما نحاكم الفنان على شخصية أدّاها على الشاشة، ألم نكن فى الماضى نشاهد فى المسلسلات الدينية صراعًا بين الكفار والمؤمنين، الكفار الرجال يحتسون الخمر والكافرات يرقصن أمامهم، الآن صار المطلوب هو مراعاة الأخلاق الحميدة/ ويؤدى الجميع دور المؤمنين.
سيغادر هذه الأيام الكاتب الكبير عبدالرحيم كمال مقعد الرقيب، بعد أن أمضى نحو عام وثلاثة أشهُر، حاول فيها الانتصار لحرية التعبير وصرّح بأعمال سبق أن رفضها الرقيب السابق، كثير من المبدعين استبشروا خيرًا بوجوده، وصل «عبدالرحيم» فى علاقته بالرقابة إلى نقطة النهاية، وسيغادر موقعه رسميًا خلال ساعات، أتمنى أن يتولى الرقابة بعده مَن يؤمن بالحرية، وأن نبتعد جميعًا عن (نافخى الزبادى)، الذين كانوا يعلقون الأبواب!!
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



