الجمعة 05 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

كنتُ أتوقع ردود الفعل على فتح هذا الملف: إعادة بناء السردية المصرية بوصفها حتمية استراتيجية فى زمن تتغير فيه موازين الإقليم والعالم، لكن ما جرى تجاوز التوقع.. ليس فقط من حيث الحجم بل من حيث التنوع أيضًا.


إذ جاءت تعليقات ورسائل من زملاء وأساتذة وقامات مهنية مصرية وعربية.. تحمل قلقًا مشتركًا وتساؤلات متراكمة وبعضها شكوك مشروعة.


وهنا تأكدت لدى نقطة البداية التى طرحتها فى المقال السابق وهى أن السردية ليست رفاهية فكرية.. بل مسألة تمس جوهر الدولة ومشروعها فهى- فى أبسط تعريفاتها- رواية الدولة المتماسكة.. أو إن شئنا الدقة طريقة الفهم المنظم لنفسها وللعالم من حولها.. كيف ترى الدولة نفسها؟ كيف يراها الآخرون؟ ولماذا يساء فهمها أحيانًا؟ هذه الأسئلة ليست نظرية بل هى مفاتيح القوة التى يؤسس عليها الكثير.


ومصر- وهذه حقيقة لا تقبل الجدل- لا يغيب عنها الدور لكنها.. فى اللحظة الراهنة تبدو كأنها تحيط بدورها حالة من الضباب أو لنقل بوضوح أكبر فوضى فى الفهم.. تُربك الداخل كما تُربك الخارج.


ولعل أهم ما قيل فى هذا السياق ما طرحه الكاتب الصحفى الكبير الأستاذ أسامة سرايا رئيس تحرير الأهرام الأسبق، حين قال:
«طرح السردية الإعلامية المصرية لن يحدت الآن لأن الالتباس التاريخيّ منذ الخمسينيات وحتى الآن لم يفك أحد الاشتباك بين الدور والقدرة حتى السلام الإقليمى الذى ابتدعته مصر لم نستطع عند الأزمات الدفاع عنه سوف نتعايش طويلا فى الازدواجية التى نعيشها اليوم حتى نغيّر الوعى الجمعيّ بحقائق الواقع شدّ حيلك وإنت عندك رؤية وتستطيع كتابة المقدمة على الأقل لا تعتبر كلامى إحباطًا بل تشجيع مع إدراك المخاوف».


هذا التعليق، فى جوهره، لا يعبّر عن موقف عابر بل يكشف عن معضلة فكرية ممتدة فى التجربة المصرية الحديثة.. معضلة الالتباس بين «الدور» و«القدرة». 


وهى معضلة لم تولد اليوم بل تعود جذورها إلى الخمسينيات عندما اندفعت مصر إلى أدوار كبرى مدفوعة بزخم تاريخى وطموح واضح.


لكنها.. فى كثير من الأحيان لم تُطابق بين ما تريد أن تكونه.. وما تستطيع أن تحققه فعليًا.


غير أن المسألة.. إذا أردنا تعميقها لا تقف عند هذا الحد.. فهناك تيارات متعددة- فكرية وسياسية- تشكلت منذ بدايات القرن الماضى بعضها كان نتاجًا لظروف دولية وبعضها ارتبط بمصالح إقليمية.. وكلها حاولت أن تكتب «حكاية مصر» من زاويتها الخاصة وكل تيار بطبيعته كان يسعى إلى احتكار الرواية واختطافها لا إلى المشاركة فيها.


ومن هنا.. نشأت حالة من التنازع على تعريف مصر؟!


هل هى دولة قومية ذات امتداد حضارى خاص؟ أم مركز لدور عربى؟ أم نقطة ارتكاز لمشروع دينى؟ أم ساحة مفتوحة للأفكار والأيديولوجيات؟


وفى هذا السياق.. لم تكن تجربة الإسلام السياسى- وفى قلبها جماعة الإخوان الإرهابية- سوى التعبير الأكثر حدة عن هذا الصراع حين حاولت اختزال الدولة المصرية بكل تاريخها وتعقيدها فى إطار أيديولوجى ضيق.. أدى فى النهاية إلى صدام حتمى لا مع الدولة فقط بل مع طبيعة المجتمع ذاته.


لكن.. ما كان يمكن احتواؤه فى الماضى لم يعد ممكنًا اليوم.. ففى زمن ما قبل السوشيال ميديا كانت السردية المصرية تُصاغ وتُدار عبر مؤسسات مركزية: الإعلام.. الثقافة.. التعليم..النقابات.. الأحزاب وكان هناك رغم الاختلافات إطار عام يحكم الرواية.


أما اليوم.. فى عالم اليوم عصر “الخوارزميات”.. فلم تعد الدولة هى المصدر الوحيد لروايتها، بل أصبحت واحدة من أصوات كثيرة تتنازع على تشكيل الوعى العام وتعيد تفسير الواقع وفق مصالحها الخاصة.


وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: ليس فقط كيف ترى مصر نفسها؟ بل من الذى يروى قصة مصر الآن؟


وإذا كان لا بد من العودة إلى نقطة مرجعية فإن الدولة المصرية نفسها حاولت.. قبل سنوات الإجابة عن سؤال الهوية. 


حين تبنت طرح المفكر الكبير ميلاد حنا حول «الأعمدة السبعة للشخصية المصرية»، وقدمت من خلاله تعريفًا مركبًا ومتوازنًا للذات المصرية.


هذا التعريف لم يكن عابرًا بل كان محاولة لاستعادة الاتساق.. أربعة أعمدة تاريخية متصلة- الفرعونى والرومانى المتوسطى والقبطى والإسلامي- وثلاثة امتدادات جغرافية- العربى والمتوسطى والإفريقى.


لكن المفارقة أن هذه السردية رغم وضوحها وتوافقها بل تطابقها مع مقدمة الدستور المصرى لم تعد هى السائدة فى الوعى العام.. لا داخليًا ولا خارجيًا. 


بل جرى عبر أدوات العصر الجديد تفكيكها وإعادة تركيبها فى صور مشوهة أحيانًا بدافع الجهل وأحيانًا بدافع التوظيف السياسى.


وهنا نصل إلى جوهر القضية: السردية المصرية لم تختفِ لكنها لم تعد مملوكة بالكامل للدولة.


وفى هذا الفقدان الجزئى للسيطرة يكمن التحدى الحقيقى.


لذلك.. فإن إعادة بناء السردية ليست مجرد إعادة صياغة خطاب إعلامى وثقافى وسياسى وحزبى بل هى استعادة لحق الدولة فى تعريف نفسها وتنظيم صورتها وضبط العلاقة بين ما تفعله وما يُفهم عنها.


وللحديث بقية.. 

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط